الأعداء الحقيقيون للغة العربية بالمغرب

الأعداء الحقيقيون للغة العربية بالمغرب

سبق لـ"الجمعية المغربية لحماية اللغة العربية" أن بعثت، في 2009، برسالة إلى الوزير الأول عباس الفاسي تطالبه فيها بإيلاء حكومته كل العناية باللغة العربية وإحلالها المكانة اللائقة التي تستحقها كلغة رسمية للبلاد، واصفة ما تعرفه هذه اللغة من تهميش بـ«الوضعية المزرية للغة العربية ببلادنا». وتقول الرسالة، مخاطبة الوزير الأول، بأن الشعب المغربي ينتظر منكم: «أن تردوا الاعتبار، وبالملموس، للغة العربية كما جاء في تصريحكم الحكومي(2007)، نظرا لتربيتكم الحزبية والوطنية وانتمائكم لحزب عتيد، من أدبياته السامية الذود والحفاظ عن اللغة العربية. لكن تبيّن أن حكومتكم انحازت لخط سابقاتها وصار آخر ما يمكن أن تفكر فيه بجد هو المسألة اللغوية، وكأن اللغة أمر طارئ، وحالة شاذة لا ينبغي الاهتمام بها»، مضيفة أن «اللوبي الفرانكفوني قد استقوى لدرجة لا حول ولا قوة لكم عليه».

هذه الرسالة تتضمن اعترافا بأن اللغة العربية تعرف تراجعا في الاستعمال الرسمي لها من طرف مؤسسات الدولة، في مقابل تنامي نفوذ اللغة الفرنسية. وهذا أمر واقع وحاصل لا يحتاج، مثل النهار، إلى دليل. وهو ما يطرح علينا الأسئلة التالية:

ـ أين هي حصيلة ومفعول أزيد من نصف قرن من التعريب الذي كان هدفه والدافع إليه ـ كما يقولون ويكررون دائما ـ هما محاربة اللغة الفرنسية وإحلال محلها اللغة العربية؟ لماذا استمرت العربية في التراجع المطرد ـ كما تؤكد على ذلك رسالة "الجمعية المغربية لحماية اللغة العربية" ـ أمام الهيمنة المتنامية للغة الفرنسية رغم كل ما يبذل من مال كثير ومجهود كبير في مجال سياسة التعريب؟

ـ من يقاوم اللغة العربية ويمنعها من أن تكون هي اللغة الأولى بالمغرب، وفي نفس الوقت يوفر الفرص للفرنسية لتكون هي اللغة الرسمية الحقيقية للدولة بالمغرب؟ من هم أعداء اللغة العربية الحقيقيون الذين يعملون في الخفاء والعلن على محاربة اللغة العربية والحيلولة دون استعمالها في مؤسسات الدولة وإداراتها كلغة رسمية وحيدة كما ينص على ذلك الدستور؟

1 ـ إذا كان نصف قرن من التعريب لم يكن له أي مفعول إيجابي ملموس على تعزيز مكانة اللغة العربية وإزاحة هيمنة الفرنسية، فلأن ذلك لم يكن هو الهدف الحقيقي من سياسة التعريب التي كانت ترمي بالأساس، ليس إلى القضاء على الفرنسية وتعويضها بالعربية، بل إلى التعريب العرقي والسياسي والهوياتي للمغاربة، أي غرس الفكرة الخاطئة لديهم أنهم ينحدرون من العرب وينتسبون إليهم ، وترسيخ القناعة لديهم كذلك أن الدولة بالمغرب دولة عربية، وأن المغرب بلد ذو انتماء عربي وجزء من الوطن العربي. الهدف إذن، من التعريب، ليس محاربة الفرنسية، وإنما محاربة الأمازيغية عرقيا وسياسيا وهوياتيا ولغويا. وهذا ما نجحت فيه سياسة التعريب بشكل تجاوز ما كان يأمله المخططون لهذه السياسية. فسياسة التعريب لم تفشل إذن، كما يقول الكثيرون بناء على «الوضعية المزرية للغة العربية» في عز التعريب، بل نجحت نجاحا منقطع النظير، إذ أصبح المغرب "بلدا عربيا"، والدولة "دولة عربية" والمغاربة "شعبا عربيا".

فالتعريب لم يتقرر إذن لفائدة العربية ولا من أجل محاربة الفرنسية، بل تقرر لمحاربة الأمازيغية، عرقيا وسياسيا وهوياتيا ولغويا وثقافيا.

2 ـ دعاة التعريب والمخططون له يرجعون عدم تأثيره الإيجابي على الرفع من مكانة اللغة العربية، إلى مقاومة ما تسميه رسالة "جمعية الدفاع عن اللغة العربية" بـ"اللّوبي الفرانكفوني"، الذي يعمل على إفشال كل سياسة ترمي إلى رد الاعتبار للغة العربية. هذا أمر صحيح كذلك ولا يحتاج، مثل النهار، إلى دليل. لكن السؤال هو: من هم أصحاب هذا "اللوبي الفرنكوفوني" المعادي للغة العربية بالمغرب؟

إذا عرفنا أن المؤسسات الحيوية للدولة، مثل القصر والجيش والأمانة العامة للحكومة والمالية والداخلية ومجلسي الوزراء والحكومة... كلها تشتغل في الغالب الأعم باللغة الفرنسية، سيكون اللوبي الفرنكوفوني، الذي يشتكي منه دعاة التعريب ويحملونه مسؤولية «الوضعية المزرية للغة العربية»، ليس شيئا آخر غير حكام المغرب، أي المسؤولين الحكوميين أصحاب القرار السياسي الذين يسيرون شؤون الدولة ويرسمون سياساتها العمومية. وهؤلاء، أي المتحكمون في الدولة والمسيرون لشؤونها، هم أنفسهم الذين قرروا، كجزء من تخطيطهم للسياسات العمومية، التعريبَ كسياسة للدولة خططوا لها وأشرفوا على تنفيذها منذ الاستقلال إلى اليوم.

إذن "اللوبي الفرنكوفوني" يمثله أصحاب القرار السياسي الذين يحكمون المغرب، والذين فرضوا سياسة التعريب، لكن مع استمرارهم في فرض اللغة الفرنسية في المرافق الحيوية للدولة. فالمخططون لسياسة التعريب، ومن موقع سلطاتهم السياسة والتنفيذية، هم المشكلون إذن "للوبي الفرنكوفوني" الذي يشتكون منه ويحملونه المسؤولية عن الحضيض الذي وصلت إليه اللغة العربية بالمغرب. فلو كان هذا "اللوبي الفرنكوفوني" من خارج الحكام الذين فرضوا سياسة التعريب، لأمكن القضاء عليه ووضع حد بسهولة لمشاريعه الفرنكوفونية المعادية للعربية ما دام هؤلاء الحكام يملكون سلطة التشريع وإصدار القوانين وتنفيذها، ويتوفرون على وسائل الإكراه والمنع. إنهم إذن هم الفرنكوفونيون الحقيقيون، وبالتالي يمثلون الأعداء الحقيقيين للغة العربية التي همّشوها لحساب اللغة للفرنسية التي يرعونها ويحمونها.

هناك من سيقول بأن هذا "اللوبي الفرنكوفوني" يتمثل، بشكل أكبر وأقوى، في الشركات الاقتصادية والتجارية التي ترتبط مصالحها باللغة الفرنسية، وهي التي تحافظ على اللغة الفرنسية بالمغرب وتعمل على تهميش اللغة العربية.

طيب. لكن هذا الشركات الضاغطة، ذات التوجه الفرنكوفوني المعادي للعربية، من يملكها ومن هم أصحابها؟ أليسوا هم الحكام أصحاب القرار السياسي والاقتصادي بالمغرب؟ ففروع الشركة العملاقة "أونا"، التي تستعمل الفرنسية حتى مع البسطاء من غير المتعلمين بأسواقها "مرجان" و"أسيما"، هي مملوكة، في أكبر حصة بها، للقصر الذي يحكم المغرب.

ومجموعة "العمران" مؤسسة تابعة للوزارة الأولى، وليس للسفارة الفرنسية، ومع ذلك فهي تفرض على زبنائها عقودا محررة كلها بالفرنسية، كما تلزمهم باللجوء إلى موثقين لا يتعاملون إلا باللغة الفرنسية. وعدد غير قليل من الأبناك وشركات التأمين التي تستعمل اللغة الفرنسية، وكذلك الجرائد الصادرة باللغة الفرنسية، يسيّرها محسوبون على حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي المهووسين بالتعريب و"الدفاع" عن اللغة العربية، واللذيْن قادا الحكومة لمرات عديدة منذ الاستقلال إلى اليوم. فعلاقة التجارة والمال واللغة الفرنسية بأصحاب القرار السياسي، يمكن صياغتها على شكل المعادلة التالية: كل ما هو مفيد ومربح في المغرب يشتغل بالفرنسية، وكل ما هو مفيد ومربح في المغرب مملوك للحكام، سواء كانوا ممثلين للقصر، أو وزراء، أو برلمانيين، أو أصحاب سلطة ونفوذ...

النتيجة إذن أن الحكام هم الذين يفضلون استعمال الفرنسية ويقصون العربية. وهؤلاء الحكام هو أنفسهم من فرض التعريب بمبرر رد الاعتبار للعربية ومحاربة الفرنسية. وهذه أكذوبة أخرى ضمن الكثير من "الحقائق الكاذبة" المنتشرة بالمغرب كبديهيات لا تناقش مثل أكذوبة "الظهير البربري". فـ"اللوبي الفرنكوفوني" هو الذي قرر وطبّق سياسة التعريب، لكنه استمر في فرض الفرنسية وتهميش العربية، ليتباكى بعد ذلك على ما يعتبره فشلا لهذه السياسة عندما يربطها باللغة العربية التي لم تكن هي هدف هذه السياسة كما أوضحنا سابقا. أصحاب هذا "اللوبي الفرنكوفوني" يقصون إذن العربية ويعادونها عمليا، لكن يدافعون عنها قولا وإيديولوجيا لما في هذا النفاق والانتهازية من فوائد سياسية وديماغوجية لتضليل الشعب وخداعه، ومناورة الخصوم والمعارضين القوميين والإسلاميين المدافعين عن العربية.

بالإضافة إلى "اللوبي الفرنكوفوني" المزعوم، الذي ليس شيئا آخر إلا التيار الذي يمثله الحكام وأصحاب الحل والعقد المخططون لسياسة التعريب، هناك الحركة الأمازيغية، التي يعتبرها هؤلاء المنافقون والانتهازيون المتباكون على اللغة العربية التي يذبحونها يوميا على محراب الفرنسية، رافضةً للغة العربية ومتحالفة مع التيار الفرنكوفوني المعادي لها. لكن لنسأل هؤلاء الفرنكوفونيين الحقيقيين: هل الحركة الأمازيغية هي صاحبة السلطة بالمغرب فقررت إقصاء العربية وفرض استعمال الفرنسية في القطاعات الحيوية للدولة؟ هل الحركة الأمازيغية هي التي تعقد مجالس الوزراء والحكومة ـ التي ترسم سياسة الدولة ـ باللغة الفرنسية؟ هل هي التي تحضّر القوانين بالفرنسية قبل ترجمتها الركيكة إلى العربية؟ هل هي التي تصدر جريدة رسمية باللغة الفرنسية؟ هل هي التي تملك الشركات التجارية الكبرى التي لا تتعامل إلا بالفرنسية؟ هل هي التي تصدر يوميات وأسبوعيات جميلة وملونة بالفرنسية؟ هل هي التي تملك إذاعات وقنوات تلفزية تبث بالفرنسية؟... الخ. فالتذكير كل مرة "بعداء" الأمازيغية للعربية من طرف أعدائها الحقيقيين المسيرين لشؤون الدولة، هي عملية "إسقاط" يضرب بها هؤلاء عصافير بحجر واحد:

ـ التخلص من الشعور بذنب تهميش اللغة العربية بتحميل المسؤولية عن ذلك للأمازيغية.

ـ شيطنة الأمازيغية بإبرازها كعدوة للغة العربية.

ـ تبرئة ذمتهم من مسؤوليتهم عما تعرفه العربية من تراجع بسبب سياستهم الفرنكوفونية الحقيقية على المستوى العملي والتنفيذي كما سبق أن شرحنا.

ـ خلق عداء مفتعل بين العربية والأمازيغية ليصبح هذا العداء هو الموضوع المستأثر بالاهتمام والنقاش، في الوقت الذي ينفذ فيه الأعداء الحقيقيون للغة العربية مشروعهم الفرنكوفوني العمومي (باعتباره سياسة للدولة) دون أن يزعجهم أحد، لأن الجميع منشغل بمناقشة "الصراع" بين العربية والأمازيغية.

والنتيجة معروفة، وهي هيمنة اللغة الفرنسية، وتهميش العربية وإقصاء الأمازيغية كضحيتين للفرنكوفونية الحكومية للدولة. ولهذا فإن مقاومة التيار الفرنكوفوني الحاكم، المعادي للعربية والأمازيغية، لا يمكن أن تنجح إلا بالتحالف بين أنصار العربية وأنصار الأمازيغية الذين يعمل التيار الفنكوفوني كل ما في وسعه من أجل الإيقاع بينهما وتحريض أحدهما على الآخر.

في الحقيقة، إن ما تعاديه الأمازيغية ليس اللغة العربية في حد ذاتها كلغة، بل استعمالها السياسوي في المغرب كإيديولوجيا تستخدم للتعريب العرقي والسياسي والهوياتي للمغاربة. أما تعلم الأمازيغيين للعربية كلغة مع بقائهم أمازيغيين في هويتهم ينتمون إلى دولة أمازيغية، فهذا ما يدافعون عنه ويطالبون به ما دام أن تعلمهم للعربية لا يمس انتماءهم الهوياتي الأمازيغي. العربية كلغة لا تهدد إذن الأمازيغية إطلاقا. لماذا؟

ـ لأنها كلغة لا يحوّل تعلمُها الأمازيغيين إلى عرب، وإلا لكانت كل الشعوب قد فقدت هويتها بمجرد تعلمها لغات أخرى غير لغتها الأصلية.

ـ إن اللغة العربية فقدت منذ زمان وظيفتها التخاطبية الشفوية، وأصبح استعمالها مقصورا على الكتابة، ولا يمكن بالتالي تعلمها إلا عبر المدرسة، وليس داخل الأسرة. وبذلك فهي لغة نصف حية لأن حياة اللغة، أية لغة، تكون أولا وأصلا بالاستعمال الشفوي في التواصل والتخاطب، وثانيا بالكتابة. وبالتالي فإنه لا يمكن للغة نصف حية لا يتخاطب بها أحد أن تقضي على لغة حية كالأمازيغية تستعمل في التخاطب اليومي وتكتسب داخل الأسرة قبل المدرسة كلغة أم.

انطلاقا من هذا المعطى المتصل باللغة العربية، ندرك أن هذه الأخيرة لا يمكن لها إزاحة اللغة الفرنسية ولا منافستها ولا طردها كما يزعم دعاة التعريب الفرنكوفونيون، لأن الفرنسية، مثل الأمازيغية، لغة حية ـ وليست مثل العربية نصف حية ـ تستعمل في التواصل الشفوي وفي الكتابة. ولهذا فإن كل محاولة لجعل العربية تقوم بدور الفرنسية بالمغرب كانت تبوء دائما بالفشل منذ الاستقلال إلى اليوم، رغم التعريب الشامل والأعمى الذي تمارسه السلطة منذ أزيد من نصف قرن.

وعليه، فإن اللغة الوحيدة القادرة بالمغرب، أن تزيح الفرنسية هي اللغة الأمازيغية. لماذا؟ لأنها، مثل الفرنسية، لغة حية تتمتع بوظيفة التواصل الشفوي. فإذا توفرت الإرادة السياسية الحقيقية لتأهيلها وتعميم تدريسها الجدي، فإن الفرنسية ستختفي تلقائيا من المغرب كلغة مهيمنة في أجل لا يتعدى عشرين سنة على أبعد تقدير.

هذا المعطى الآخر، المتصل باللغة الأمازيغية، يعرفه جيدا الفرنكوفونيون أصحاب القرار السياسي بالمغرب المحبون للغة الفرنسية. ولهذا فهم لا يكفّون عن محاربة الأمازيغية تحت الذريعة الكاذبة أنها تعادي اللغة العربية، في الوقت الذي يتظاهرون فيه بالدفاع عن العربية بالغلو في سياسة التعريب العرقي والسياسي والهوياتي، لكن مع استمرارهم وإصرارهم على اعتماد الفرنسية كلغة رسمية للدولة فعلا وعملا.

لكن إذا كانت الأمازيغية هي وحدها القادرة بالمغرب على منافسة وإزاحة الفرنسية للأسباب التي ذكرنا وشرحنا، فهذا لا يعني أن العربية لن تكون محل عناية خاصة ترد لها الاعتبار وتجعلها في وضع أفضل بكثير مما هي عليه اليوم. كيف يمكن تحقيق ذلك؟

النهوض بالعربية بين اللغة والإيديولوجيا:

إن الذي جعل الفرنسية تهيمن بالمغرب كلغة رسمية حقيقية للدولة دون أن ينص على ذلك الدستور، هو تعامل المسؤولين، في إطار سياسة التعريب المقيتة، مع العربية بالمغرب، ليس كلغة بل كإيديولوجيا، وهو ما جعلهم يركزون على التعريب العرقي والسياسي والهوياتي، موهمين أن ذلك التعريب تقرر لخدمة اللغة العربية ومواجهة الفرنسية، مع أن العكس هو الصحيح، أي أن ذلك التعريب يخدم الفرنسية ويضعف العربية ويدمر الأمازيغية، لأن المسؤولين الفرنكوفونيين الداعين للتعريب يعرفون أن الأمازيغية هي وحدها القادرة على إزاحة الفرنسية وليس العربية. هذا النوع من التعريب (العرقي والسياسي والهوياتي وليس اللغوي) هو الذي أدى إلى تدني مكانة العربية وهبوط قيمتها وانخفاض مستوى إتقانها.
أما رد الاعتبار الحقيقي للعربية فيتطلب التعامل معها كلغة ـ وليس كإيديولوجيا ـ والقطع مع سياسة التعريب المسؤولة عن تراجع العربية كما لاحظت رسالة "الجمعية المغربية للدفاع عن اللغة العربية". والتعامل مع العربية كلغة يقتضي تعليمها وتدريسها بناء على قدراتها ووظائفها كلغة تستعمل في الكتابة فقط، وليس في التواصل الشفوي، أي كلغة تتعلم في المدرسة ولا تكتسب داخل الأسرة مثل اللغات الحية كالفرنسية والأمازيغية. انطلاقا من هذا التحديد الواقعي لوظائف اللغة العربية وقدراتها وحدودها، تُحدد أدوارها والأهداف من تعليمها، هذه الأهداف المتمثلة في العناية بها وتدريسها كلغة في حد ذاتها يتعلمها المغاربة لفهم الإسلام والتعبد بها والاطلاع على التراث الثقافي العربي الإسلامي المكتوب بالعربية. وتدريس العربية كلغة في حد ذاتها يعني أنها لن تستعمل كلغة تدريس لأن ذلك يتنافى مع وظيفتها وقدراتها كلغة كتابة فقط وليست لغة استعمال شفوي. فاعتمادها القسري كلغة للتدريس هو انتقال من وضعها كلغة لها قدرات ووظائف محدودة، إلى استعمالها كإيديولوجيا تصلح لكل شيء وتحل كل المشاكل والمعضلات. وهذا الاستعمال الإيديولوجي للعربية، الذي تجسده سياسة التعريب الآثمة، هو الذي كشف عن قصورها كلغة حية، مما أعطى كل المشروعية لهيمنة اللغة الفرنسية، وأضر بها (اللغة العربية) كثيرا لأنه أضعفها أمام الفرنسية، وأساء إلى التعليم الذي يعرف تدهورا متواصلا منذ أن أصبحت العربية هي لغة التدريس. وهذا لست أنا الذي أقوله، بل قاله المسؤولون عن التعريب أنفسهم في "تقرير الخمسينية للتنمية البشرية". فقد جاء في هذا التقرير ما يلي: «ومع بداية الثمانينيات، بدأت المنظومة التربوية، في التراجع، لتدخل بعد ذلك، في أزمة طويلة؛ من بين مؤشراتها: الهدر المدرسي، وعودة المنقطعين عن الدراسة إلى الأمية، وضعف قيم المواطنة، ومحدودية الفكر النقدي، وبطالة حاملي الشهادات، وضعف التكوينات الأساسية (القراءة، الكتابة، الحساب، اللغات، التواصل)».

هذا اعتراف بتراجع أداء النظام التعليمي بالمغرب مع بداية الثمانينيات. لماذا بداية الثمانينيات؟ لأن في هذا التاريخ بدأ الاستعمال الإيديولوجي للعربية كلغة للتدريس مع تعيين وزير خاص لهذه العملية الإيديولوجية، وليس التربوية، وهو وزير التعريب الراحل عز الدين العراقي. والدليل على هذا الاستعمال الإيديولوجي للعربية، والمتمثل في استخدامها كلغة تدريس، أن نفس التقرير ـ تقرير الخمسينية للتنمية البشرية ـ يقول: «وهكذا، فإلى غاية نهاية السبعينيات تمكنت المنظومة التربوية من الاضطلاع بمهامها إلى حد كبير، حيث نجحت، بالرغم من العجز المهول، المسجل في البداية، ومن النمو الديموغرافي المطرد، في الرفع من فرص تمدرس الأطفال المغاربة وتزويد الإدارة والاقتصاد الوطنيين بالأطر المغربية الضرورية، لتعويض الخلف وتحقيق التنمية. هذا علاوة على أن التعليم فتح قناة حقيقية للحركية الاجتماعية والانفتاح على العالم، وولوج الحداثة، وتقوية الرابط الاجتماعي». هذا النجاح للمنظومة التعليمية للمغرب، كما يؤكد ذلك تقرير الخمسينية، ليس مرده إلى حاجة الدولة إلى الأطر والموظفين لتعويض الفرنسيين، بل مرده إلى أن العربية كانت تدرس كمجرد لغة دون أية حمولة إيديولوجية تعطي لها أدوارا ووظائف تتجاوز قدراتها وحدودها لتصبح لغة للتدريس، مع أنها ليست مؤهلة لذلك بحكم أنها لغة كتابة فقط ولم تعد لغة حية تستعمل في التواصل الشفوي. وهو ما أدى بمستوى التعليم إلى التدهور والتراجع كما يعترف بذلك التقرير.

محررو الرسالة الموجهة إلى الوزير الأول السابق عباس الفاسي يكررون المطالبة برفع الحيف عن العربية، لا كلغة، وإنما كإيديولوجيا وظيفتها ليست تعلم هذه اللغة واستعمالها في المجالات التي تناسب وظائفها وقدراتها، بل وظيفتها مزيد من التعريب العرقي والسياسي والهوياتي للمغاربة. وهكذا يريدون علاج العربية بدائها الذي هو التعريب، والذي أوصلها إلى الوضعية المزرية التي تعيشها، ومكّن للفرنسية أن تتفوق عليها في المغرب.

إن الوطنية والواقعية تقتضيان المطالبة بتأهيل الأمازيغية لإعدادها لمواجهة الفرنسية مع العناية بالعربية، ولكن كلغة وليس كإيديولوجيا. فبدون هذا البديل، ستبقى الفرنسية مهيمنة مع ما يترتب عن ذلك من النتائج التالية:

ـ إضعاف العربية كلغة، لأن الاهتمام بها ينصب على استعمالها الإيديولوجي من خلال سياسة التعريب الإجرامية.

ـ استمرار إقصاء الأمازيغية لتبقى الفرنسية بدون منافس حقيقي يهدد هيمنتها بالمغرب، وهو ما لا يمكن أن تقوم به سوى الأمازيغية كلغة حية تستعمل في التواصل الشفوي وداخل الأسرة.

ـ ضعف المستوى العلمي بالجامعات المغربية لاعتمادها على اللغة الفرنسية التي أصبحت لغة متخلفة في مجال البحث العلمي وإنتاج المعرفة. وهذا ما يفسر الرتب الأخيرة المخجلة التي حصلت عليها الجامعات المغربية في سلم جودة التعليم بمختلف الجامعات في العالم.