!احترموا عقولنا ولا تستغفلوننا

!احترموا عقولنا ولا تستغفلوننا

صناعة رأي عام هو علم من العلوم الحديثة له صلة بكل العلوم وفي مقدمتها علم الاجتماع وعلم السياسة. وليس لأي كان أن يدلو بدلوه فهو علم مضن وشاق ويتطلب نفسا طويلا، أصحابه يشتغلون على المدى البعيد من خلال مسالك عديدة تلتقي على قاعدة مشتركة وتتوزع ما بين المناهج التربوية ويحتل فيها الإعلام دورا بازا باعتباره نافذة مفتوحة وتقتحم كل بيوت شرائح المجتمع. والأصل في صناعة رأي عام داخلي هو أن تكوينه يتم بأدوات وطنية وأن أية محاولة من الخارج للتأثير على الداخل قد يكون إما تدخلا في الشؤون الداخلية أو بمثابة محاولة لتأليب الرأي وتسخيره كأداة للضغط، من أجل خدمة أجندة خارجية وفي حالات أخرى قد يكتسي الأمر طابعا تحريضيا.

في هذه الأيام أطلت علينا بعض وسائط التواصل الاجتماعي بفيديو يتم ترويجه بين المغاربة يذكرني بالأحجية التي سمعناها عن أمهاتنا ونحن صغارا وهو أن اللقلاق أراد يوما أن يقبل ابنه فأفقع عينه. هذا الفيديو ينقل لنا مشهدا يثير من أوله إلى أخره عدة تساؤلات لا في توقيته ولا في مضمونه. هذا المشهد غير بريء ولا هو عفوي يظهر لنا شابا فلسطينيا يستخدم صورة علم المغرب ويدعو المستطلعين إلى إحراق تلك الصورة مقابل إغرائهم بقسط من المال، ليظهر لنا أن عامة الناس من الفلسطينيين يرفضون إحراق العلم مهما كانت الإغراءات ومنهم من هدد بكسر رأس مستجوبه إذا ما تمادى في طلبه بحرق صورة العلم المغربي، وغيره رفض كذلك أن يقوم بهذه الفعلة ولو عرضت عليه كنوز الدنيا. فبقدر ما هي جميلة هذه المشاهد بقدر ما هي مثيرة في نفس الوقت للريبة والشك حول مدى مصداقيتها وعفوية أصحابها. ونعتقد أن هذا الفيديو مخدوم وتقف من ورائه أياد خفية لبعض الأجهزة الفلسطينية التي تعمدت أن يكون إخراجه بالشكل الذي جاء عليه. ولعل ما يحملنا على ذلك الاعتقاد هو كالتالي:

1 ـ لماذا وقع الاختيار على العلم المغربي وليس على علم دولة عربية أخرى. ألم يكن من المفروض والأقرب إلى التطورات الأخيرة أن يطرح علم من أعلام الدول المطبعة مثلا في سوق مزايداتهم السياسية، أو لأن "الفاس جا ف الراس" وانتهى الأمر ولم يعد هناك مجال للبكاء.

2 ـ إن عرض ذلك الفيديو في هذا التوقيت يقترن بظرفية الموجة الأولى للتطبيع التي مرت ويخشى من هدير الموجة الثانية. ولذلك فإن تلك الأجهزة الفلسطينية وهي تتوجس من المستقبل ارتأت أن تستبق الأحداث بهكذا خرجات بنية شحن رأي عام داخلي وجعله رافعة لممارسة ضغط من الداخل على بعض الدول العربية التي يتهيأ لها أنها مستهدفة بالموجة الثانية.

3 ـ إن تلك الأجهزة الفلسطينية سعت من خلال تلك المحاولة أن تستخدم الشارع الفلسطيني، لتظهره بأنه متعاطف مع المغرب من أجل التستر على الأخطاء التي ارتكبت على الصعيد الرسمي وعلى صعيد الفصائل في حق المغرب وفي قضاياه المقدسة، وكذلك لمحاولة التعويض عن عدم قدرة القيادة الفلسطينية على اتخاذ موقف واضح من استكمال المغرب لوحدته الترابية وأشدد على من طنجة إلى لكويرة.

4 ـ وعلى فرض أن تلك العينات المستجوبة في الفيديو على أن مشاعرها صادقة وهذا احتمال لا نستبعده، فهي في جميع الأحوال تبقى عينة منتقاة بدقة لخدمة الغرض ولا تعني بالصرورة أنها تعكس مزاج مجتمع ككل. فيحيى عياش، القائد للجناح العسكري لحركة حماس، الذي أرق الموساد الإسرائيلي قتله بتواطؤ من ابن عمه بعد أن سلمه هاتفا ملغوما ليدمر نصف رأسه. هذا واحد منهم وفيهم تم بيعه بالمال، فكيف هذا الإخلاص اليوم لصورة علم بلد عربي كان دائما موضع اتهام من قبل عامة الفلسطينيين على أن جاليته من اليهود هي التي استوطنت أرض فلسطين.

ولتلك الاعتبارات، نؤكد أنه ما هكذا يصنع رأي عام ولا يمكن أن يتأتى ذلك بأساليب ملتوية أو اللعب على أكثر من حبل لإرضاء جميع الخواطر. فالرأي العام يصنع بمواقف رسمية واضحة لا تقبل التأويل وتتصدى بكل صرامة لكل ما يناقض التوجه الرسمي. فما جدوى هذه الفيديوهات والسفير الفلسطيني لدى الجزائر يبقى فوق أية مساءلة، وما جدواها أيضا مع وجود لجنة فلسطينية مرخص لها بأن تنشط في الأراضي الفلسطينية وهي اللجنة الفلسطينية للتضامن مع الشعب الصحراوي. وقد أصدرت هذه اللجنة في الأيام الأخيرة بيانا اعتبرت فيه أن خريطة المغرب "غير قانونية تشمل الأجزاء المحتلة من الصحراء الغربية التي يحتلها اليوم هذا البلد الشقيق للأسف الشديد وبقوة السلاح منذ 1975". وفي هذا الصدد، نود أن نسائل شركاءنا في الوطن من أولئك الذين ينعتوننا بالتصهين وبخيانة الوطن، نسائلهم من موقع الخيانة التي يصنفوننا فيها ما هو موقفكم أنتم الوطنيون من هذه المواقف العدائية لبلادنا. وما هو قول قيادات الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني من تلك اللجنة الفلسطينية التي تنشط على المبادئ نفسها في المجتمع الفلسطيني كما هو حال نشاطكم أنتم كذلك في المجتمع المغربي.