سلطة حيازة سلاح "كوفيد - 19"

سلطة حيازة سلاح "كوفيد - 19"

في الحاجة إلى أمن ملكي

تعامل الحكومة اليوم – وبائيا - مع شعب من إنتاج حكومي تراكمي، تعود بداياته إلى فجر الاستقلال.

إنه شعب لم يرغب في أن تكون نسبة الأمية فيه مخيفة جدا؛ وهي مرشحة إلى الارتفاع لاتساع مفاهيم هذه الأمية اليوم، لتشمل الأمية الرقمية، العولمية، " الأمازيغية"، وأخيرا الأمية الوبائية.

ولم يرغب أن يكون نظامه التعليمي شبه عقيم جراء تخبط تجارب الإصلاح؛ منذ هدم المنظومة التربوية التي خلفها الاستعمار، قبل الأوان، وتخطف قلبها النابض من قبل النافذين والميسورين، كعامل رقي وتميز.

ولم يرغب أيضا في الاهتراء المزمن لمنظومته الصحية، التي خلفها المستعمر شديدة الفعالية وواسعة الانتشار، في المدن والبوادي. وقد سبق أن حكيت أن أول لقائي مع المستعمر، وأنا مولود أدرج صغيرا، كان إثر حروق خطيرة كادت تودي بي؛ ولولا فعالية التدخل والتكفل من طرف طبيبة فرنسية بجرادة المنجمية لما كنتم بصدد هذا المقال الآن.

وهو شعب لم يرغب ألا يكون آمنا عداليا، اقتصاديا، أمنيا، ثقافيا...

والأخطر ضمن هذا كله ألا يجد اليوم في صفه –كمرآة لمعاناته – غير الخطب الملكية السامية، الصادقة في التعبير عن حاجياته، لكن دون إحداث التوثب الحكومي المطلوب – إن لم أقل الثورة – للتنفيذ.

إنها خطب طافحة باتهام "روماتيزم" الإدارة، هيكلة الاقتصاد، التغطية الصحية، توزيع الثروة، فعالية الاقتصاد، فعالية المنظومة التعليمية، وما شئتم من مفاصل تدبير الدولة.

فهل تحتاج هذه الخطب إلى ترافع شعبي من أجل التنفيذ؟

هل هي بحاجة إلى وسيط يسهر على حمل مهماز التنزيل؟ أم هي بحاجة دوما إلى غضبات ملكية – خارج القوانين والمؤسسات - حتى يراها الشعب واقعا ملموسا؟

لا أبالغ إذ قلت إننا بحاجة اليوم حتى إلى الأمن الملكي؛ بالمفهوم الذي يعني تحصين الخطب الملكية من التثاقل في التنفيذ، وحتى عدمه. إن برنامج "الحسيمة منارة المتوسط" غير بعيد عنا؛ كدليل على الحاجة إلى هذا النوع من الأمن.

أما الدليل الأقرب فهو "الجيل الجديد من الإصلاحات " الذي ألحت عليه الإرادة الملكية – قبل كورونا - واشترطت له حكومة الكفاءات.

ها نحن اليوم إزاء حكومة لا تصيب، في مضمار الوباء، حتى ترتكب كل الأخطاء؛ على حد توصيف الزعيم البريطاني "تشرشل" للولايات المتحدة، زمن الحرب.

لا داعي لتفاصيل زمن الأخطاء الحكومي هذا، لأننا في حالة حرب حقيقية، تتسع مساحات القصف فيها، يوما بعد يوم؛ وتتمدد فيها لوائح الإصابات، الأموات، والخراب الاقتصادي.

هذا بعد أن كنا فرحنا لكسب المعركة بأقل الخسائر؛ ولو من خارج المؤسسات الحكومية؛ اعتبارا للتدخل الملكي الحازم، الذي استنهض همم المواطنة والثروات الكبرى والصغرى.

ولا ننسى أنه ألح على أولوية الصحة على الاقتصاد؛ لولا أن الحكومة ركزت على تعطيل الاقتصاد المعيشي للمواطنين؛ دون تقييد حرية المؤسسات الاقتصادية الكبرى، بما فيها غير الحيوية؛ مما ولد ما ينعت بالبؤر المهنية خطأ؛ إذ يتعلق الأمر ببؤر تدبيريه حكومية سوداء.

لم تكتمل فرحتنا لأن الحكومة اختارت أن تفرح مع المؤسسات الاقتصادية الكبرى، وهي تتسيد، في إقصاء تام للاقتصاد المعيشي غير المهيكل.

وولدت الحكومةُ سيدَتها

هي هذا الشعب – الإنتاج الحكومي المتراكم – الذي انطلق من معاقله الحَجْرية، مشحونا بعشق الحرية، وعشق ما كان يعتبره عاديا مبتذلا قبل الحجر.

انطلق مادا سلاسل الوباء في جميع الأنحاء؛ رابطا بين حلقاتها المهنية، العائلية؛ لينتهي جيشا جرارا في صف العدو، نكاية في وطن، لم تعلمه حكوماته أن يحبه.

اليوم يحوز هذا الشعب سلطة لم تعرف لغير الحكومة/ المخزن. إنها سلطة حيازة "كوفيد 19" سلاحا ينتقم به من إجراءات حكومية، بدت له غير مفهومة. ومن ثقفه حتى يفهم الماضي والحال والمآل في قصص الوباء؟

بل ويوغل هذا الشعب في السوريالية، حتى وهو يحوز أسلحة الوباء، حين يزعم البعض منه أن كورونا مجرد وهم وكذب.

أخيرا، ألححت على أحد معارفي أن يصدقني أنا، إن كان يكذب الحكومة: كورونا حق يا عزيزي، فهل تصدقني؟ أجاب نعم أنت أصدقك.

لقد وصلنا إلى هذا الحد، نعم. إنه الشعب الذي راكمت الحكومات إنتاجه منذ الاستقلال.

من يملك السلطة اليوم؟ الحكومة المتعثرة، والتي سرعان ما ستصبح متجاوزة وبائيا؛ أم الشعب الذي بيده نشر الوباء على هواه؛ خصوصا وسلاحه، في كثير من الحالات، غير ظاهر؟ لا أعراض ظاهرة له، يقصفها الجيش الأبيض.

على هواه لأن إنتاج هذا الشعب كان سَبَهْلَلاً، بدون أهداف محددة؛ فهو يحتكم إلى جانب التوحش الفطري فيه، ورصيده الثري من عدم الثقة في المخزن؛ ولو ممسكا بحُجَزِه حتى لا يقع في النار، على حد العبارة النبوية.

هذا الشعب بيده اليوم سلاح دمار شامل للدولة والمؤسسات، ولنفسه أيضا.

ونحمد الله أنه يؤكد في كل المناسبات على ثقته في الملك وحده؛ بل ويلوذ به، حتى في أموره اليومية الصغرى، التي بيد القائد أو الشيخ والمقدم.

حكومة حرب حقيقية

حتى لو تأتت حكومة الكفاءات التي نادى بها جلالة الملك، قبل الجائحة، ما كان لها أن تواجه هذا الاختلال الكبير في مفهوم السلطة وتوازنها.

حكومة بكل قواتها العمومية، وقرارات منتصف الليل، لا تستطيع ولن تستطيع مواجهة زحف شعبي مسلح بالوباء، عرف خطورة ما يحمل "بين يديه" أم لم يعرف.

وكأن "كوفيد19" أدركت الانقلاب الحاصل، ونوع الحرب، فتخفت، حتى استعصت على القصف.

مع الإرهاب كنا نتحدث عن الذئاب المنفردة وخطورتها التنكرية؛ أما اليوم فنحن أمام جموع من الناس لا ترى خطرا في مد كل السلاسل في جميع الاتجاهات، حتى يلتف الوباء بيدها ويطبق على غيرها وغيرها، إلى ما لا نهاية.

وعليه وحتى يستعاد توازن السلط، ويُحمل الناس، اقتناعا، على فهم خطورة ما يقع، والمساهمة في تدمير جميع سلاسل العدوى لا بد من رجة ملكية، يكون من ثمارها المباشرة حكومة كفاءات حربية حقيقية، تستعيد المبادرة، لفائدة الدولة ومؤسساتها.

حكومة أزمة وبائية، خارج الحساسيات الحزبية التي تغيبت كلية، إلى حد الساعة، عن ساحة الحرب.

حكومة "حربية" تنقل "كورونا" من كونها "شغل المخزن" المولِّد لردود أفعال شعبية، سلبية غالبا؛ إلى اعتبارها شغل علماء وأطباء، كما يقع في الدول الديمقراطية.

أن يستمع الناس إلى لجنة علمية وطبية محايدة، وطنية وأجنبية؛ تتحدث من داخل المستشفيات المأزومة، وتدلي بشهادات الإثبات الميدانية، أفضل مما يقع اليوم من تصريحات رقمية جافة، وكأنها تتعلق بنتائج انتخابات مملة.

طبعا ينسحب حزم حكومات الكفاءات هذه على بقية القطاعات الاقتصادية والاجتماعية..

لا أرى الحكومة الحالية قادرة على استعادة الثقة، بعد زمن الأخطاء؛ ولا أرى رئيسها، مع كامل الاحترام لجهوده، الرجل المناسب في المكان والزمان المناسبين.

ولا أرى حتى الانتخابات المقبلة قادرة على فرز النخبة التي ترقى إلى توصيف الكفاءة؛ لأن شروط التباري النزيه والعادل غير متوفرة، في وجود الريع الديني في صف وتهمة العلمانية في الصف الآخر وفي وجود الريع العائلي الحزبي.

لقد أنتجت الحكومات شعبا فُرض عليه ألا ينتخب، احتكاما إلى قناعاته المؤسسة، تعليميا وسياسيا، لأنها غير موجودة بهذا النعت.

وله في كل مرة أن ينتحِب كما يشاء جراء "اختياراته".

وأخيرا، إذا كان المال عصب الحرب، كما قرر" نابوليون"، فإن ربحها لا يتم بدون فرسان حقيقيين.