حوار بين الفيروسات

حوار بين الفيروسات

اجتمعت الفيروسات في مؤتمر عالمي تم تنظيمه بمقر الأمم المتحدة بنيويورك بعدما تمت السيطرة عليه بشكل نهائي من قِبل جنود كوفيد 19، حضره رؤساء جميع الدول الفيروسية. وقد تمحور النقاش بداية حول تقييم المرحلة، والبحث عن استراتيجيات جديدة وفعّالة لمواجهة الإنسان عبر العالم، لكن كوفيد 19 - مزهوا بانتصاراته - أخذ النقاش نحو مسار آخر، إذ دفعه غروره إلى اتهام جميع الفيروسات بالتقصير، ناعتا إياها بالفشل والرحمة، رافضا أن يتنازل عن حقه المطلق في امتلاك الفيتو.

ولأن النقاش أصبح بين كل الفيروسات من جهة وبين كوفيد 19 (ممثل آل كورونا) من جهة ثانية، فإنه من الأفضل أن ننقل أطوار الجدل بين المجادلين حرْفيا ومن دون تحريف أو أترجمة:

كل الفيروسات: نرى أن غرورك لا حد له، تتهمنا بالرحمة والفشل، وتنسى أننا أقدم منك عمرا، فنحن بمثابة أجدادك أيها الجاحد؟

كوفيد 19: لم أنو الإساءة إليكم، لكنكم ترفضون الاعتراف بأنكم فشلتم بينما نجحت.

كل الفيروسات: ومالك تدّعي الانتصار والقسوة ونحن من علّمك كيف تنتشر وتسود، ولولانا ما كنت لتكون في هذا العالم؟

كوفيد 19: من يسمع كلامكم هذا يعتقد أني لقيط لا أسرة له، هل نسيتم أني سليل عائلة عريقة في الإجرام والفتك بالإنسانية، أم أنكم نسيتم من هم آل كورونا؟

كل الفيروسات: أنت الذي نسيت كم من ملايين قتتنا على مرّ العصور، وكم من أزمة تسببنا فيها، حتى في ظل إمكانياتنا المحدودة، بينما أنت اليوم تزهو ببضعة آلاف من القتلى وبضعة آلاف من المرضى، جزء كبير منهم تعافى في أقل من شهور؟

كوفيد 19: إن اتفقتُ معكم في كونكم قتلتم الملايين، وأنكم تسببتم في أزمات كبرى تاريخيا، فعليكم أن لا تختلفوا معي في أنكم استفدتم من مزايا ليست معي الآن: هل كانت في عهدكم آلاف المختبرات الموجودة اليوم؟ هل كان ضحاياكم يتنظّفون كما يفعل هؤلاء المتمردون اليوم؟

لقد استفدتم من الجهل ومن عدم القدرة على التواصل بين عناصر الشغب، وتحالفتم مع رجال الدين الذين حرّموا التداوي وقتلوا العلماء، ولم يعترفوا إلا بالدواء الذي يقدمه رهبانهم. أما أنا فأواجه جيوشا أكثر تنظيما، يتبادلون المعلومات عنّي قبل حتى أن تصل جنودي إلى ديارهم، ويخبر عني قريبهم بعيدَهم، حتى رجال الدين في عصري زنادقة وملحدون، بدل أن يشجعوا الناس على الكفر بدواء العلماء، راحوا يغلقون عليهم دور عباداتهم، ويرفعون الدعاء من أجل أن تجد المختبرات ما تقتلني به، هل رأيتم أوقح من هؤلاء المرتزقة الذين يسعون إلى فتنة المؤمنين بي ويحرمونه من أن يموتوا شهداء في سبيلي؟؟ لقد انحرفوا عن الطريق المستقيم وتصالحوا مع العلم وأهله ولم يعد يحرجهم أن الناس تلجأ لغيرهم في ظل وجودهم، بل سجنوا واستهزؤوا أتباعي.... لا أدري أي إله يعبد هؤلاء التحريفيون؟

كل الفيروسات: قد يكون معك حق في هذا الموضوع، لكن هذا لا يبرر أنك لم تقوَ إلى حدود اللحظة إلا على قتل عدد محتشم، ربما ربحه أبناء البشر من خلال تقليص عدد قتلى حوادث السير بسبب الحجر الذي فرضته عليهم (ويا ليتك لم تفعل!). أنت أيضا لك مزايا لم تكن متوفرة في عصرنا؛ لقد استفدت من العولمة وانتشرت بسرعة البرق، وظفت التكنولوجيا في صالحك وركبت طائراتها وقطاراتها وشرعت تغزو العالم. انتهزت فرصة انشغال العالم بالتسابق على التسلح والتباهي بغزو الفضاء لكي تفاجئهم من حيث لم يتوقعوك. أنت تقول إنك تواجه الجميع لكنك نسيت أننا بدورنا واجهنا أوضاعا صعبة وأغلقت في وجوهنا دور العبادة في أكثر من مكان، وبسببنا نشبت الحرب بين أتباعنا من المشعوذين وبين المتمردين علينا في مختلف المجالات بل بسببنا استعمرت الدول بعضها البعض.

كوفيد 19: صحيحٌ أنني لم أقتل الملايين، لكني أغلقت على الناس حدود دولهم ومدنهم وقراهم، وحجرت على الملايير منهم داخل بيوتهم، وأرجعت اقتصاداتهم سنوات إلى الخلف، ومن لم أقتل منهم بالمرض قد أقتله بالجوع (أخشى فقط أن تُطعم الحكومات الجيّاع وتمنعهم من أن يخرجوا للترحيب بي !)، بل أعدكم بأن أشعل الحروب بينهم، بحيث تُكمل الحرب ما بدأته. أصبح يخشاني الجنين في بطن الحامل والرضيع في حِجر أمه والشاب المعتدّ بعضلاته والشيخ المتكئ على عكازه. أنتم تدّعون أنكم أغلقتم دور العبادة والأسواق والحانات...لكن بالله عليكم هل استطعتم، في زمانكم، أن تغلقوا فجأة كل ملاهي ودور العبادة والملاعب والمسارح والأسواق وكأنها مملوكة لرجل واحد.... أجيبوني عن سؤالي مالكم تتهربون؟

كل الفيروسات: نحن لم نتهرب من الإجابة ولكن تركناك إلى حين تكمل حديثك ما دمنا نؤمن بآداب الحوار عكس ما تقوم بها من خلال مقاطعتك لنا كل لحظة واستحواذك بالحديث وكأنك وحدك في القاعة، لم تبال حتى بتنبيهات رئيس الجلسة. لكن ومع ذلك نحن نقول لك بأن كل ما قمت به، ما كان لك أن تحلم به في عهدنا؛ فأنت محظوظ لأن أبناء البشر أصبحوا يخافون الموت ولا يرغبون في المواجهة المباشرة، لم تعد لهم الشجاعة للدخول في حرب مباشرة مع الفيروسات، افتقدوا للجرأة التي كانت عند أجدادهم، وشرعوا يفرون من الحرب؛ أغلقوا عليهم أبوابهم، وكدسوا مواد النظافة، وحذر بعضهم بعضا، ولم يعد أي منه يشعر بالحرج كونه يفر من الحرب، أو يختبئ في بيته، بل كم أنت محظوظ بأن ألفيتَ قوما اعتبروا أن الشجاعة هي ولوج البيوت والتولّي يوم الزحف....تبا لقومك ما أجبنهم !

إننا متيقنون أنه لولا بعض المغامرين الشجعان من قومك ما كنت لتنتشر وتسود وتتجبّر.

كوفيد 19: تتحدثون عن الديمقراطية وأدب الحوار، لكنكم تناسيتم أنكم كنتم تتسلطون فقط على جهات دون غيرها، وعلى الفقراء دون سواهم، ونادرا ما وصلتم بيوت الأمراء والأغنياء، لكني أكثر ديمقراطية منكم، اتخذت عاصمة لي مدينة تقع في قلب أكثر الأنظمة شمولية، وجلعت أهل الليبرالية يعكسون شعارهم الأبدي، منادين في أسواقهم: "لا تدعه يسير لا تدعه يعمل"، دخلت قصور الأمراء، وأبعدت النوم عن الأغنياء، لم أميّز بين امرأة ورجل، وبين شيخ وطفل، وبين وزير وبائع سجائر، جعلتهم يشتبهون في بعضهم البعض، الكل متهم باعتناقي إلا إذ أثبت براءته، بل خاصمتهم مع أيديهم وملابسهم، يفرّون من سعال أزواجهم وأبنائهم وأقاربهم... فرارهم من حاملي الأحزمة الناسفة!

كل الفيروسات: أنت تدعي الديمقراطية لكنك تتسلط أكثر على الشيوخ وعلى ضعيفي المناعة.... ونحن على يقين أنك بهذه التصرفات ستعطي الفرصة للبشر كي يقضوا عليكم ويرسلونك إلى دائرة النسيان كما فعلوا من عائلتك. وهذا ما جعلنا نقول في هذا المؤتمر بأن استراتيجيتك غير ناجعة، فقط تستغل قدرتك الفائقة في التواصل الإعلامي، وتستغل أكثر خوف البشر منك وجزعهم من الوقوع بين أحضانك لكي تطردهم من فضاءاتهم العامة وتدمر اقتصادهم وتحرمهم من أرزاقهم، لكن لا زلت غير قادر ــ يجب أن تعترف بهذا ـــ أنك لست قادرا على قتل نفس الأعداد التي قتلها الواحد منا في ما سبق، بل إنهم شرعوا في قتلك حتى بأدوية بسيطة كانت مخصصة لأمراض الروماتيزم...يا لتفاهتك!

في هذه الأثناء تدخل رئيس الجلسة، مُنبّها الجميع إلى ضرورة الوحدة وتجنب الخلاف، فأبناء البشر توحّدوا من أجل القضاء علينا، نسوا خلافاتهم، وغيّروا أولوياتهم، وأطلقوا معتقليهم السياسيين وغير السياسيين، وتوقفوا عن صناعة الأسلحة العسكرية مقابل الشروع في إنتاج الواقيات والمضادات الحيوية، بينما نحن ننهش بعضنا من دون مبرر... فإذا استمر الوضع على هذا النحو، سنعطي فرصة لعدونا لكي ينتصر علينا مرة أخرى، وقد نُنبّه الجنس البشري إلى الاهتمام بالعلم والعلماء، ونحفزه على ترك السباق العسكري والشروع في التسابق على المختبرات البيولوجية، بل قد يترك كل ما يسبب نهضتنا، ويتجه لتطوير ما يدّمر حضارتنا...