لماذا يضطرب خطاب الإسلاميين حين يتعلق الأمر بالحريات الفردية؟

لماذا يضطرب خطاب الإسلاميين حين يتعلق الأمر بالحريات الفردية؟

في هذا المقال الرابع من سلسلة مقالات (جدل الحريات الفردية.. نقطة نظام!) نواصل مقاربة الإجابة عن سؤال: لماذا يضطرب خطاب الإسلاميين حين يتعلق الأمر بالحريات الفردية؟ في هذا المقال سوف نناقش الموضوع بمقاربة مفهوم "الحريات الفردية" وما يقابله في الإسلام.

كما هو معلوم فمفهوم "الحريات الفردية" نشأ في سياق حضاري خاص، وبناء على مرجعية فلسفية وقيمية مادية وعلمانية تختلف بشكل جوهري مع المرجعية الإسلامية في قضايا حيوية تتعلق بالكون والإنسان والحياة. والاضطراب الذي يعرفه الخطاب الإسلامي، في هذه القضية كما في شبيهاتها، منشأ الكثير منه يرجع إلى القفز على هذا الاختلاف الموضوعي، والسعي نحو إنشاء نوع من المصالحة مع تحديات الحضارة الغربية المهيمنة.

وعلى الرغم من محاولة إقامة مصالحة مع القيم الغربية في موضوع الحريات الفردية، إلا أن إقحامه في مجال القيم الدينية سرعان ما يثير التناقضات القائمة بينها وبين حقائق في المرجعية الدينية كما في التاريخ الإسلامي.

فعلى المستوى النظري، فالحريات الفردية تتمحور حول قواعد يمكن إجمالها في أربعة، الأولى تتعلق بكون الإنسان ابن الطبيعة وأن الدين والتدين مسألتان شخصيتان. والثانية تتعلق بكون الحريات الفردية تعبر عن رغبات الأفراد. والثالثة أن تمتع الفرد برغباته المختلفة حق لا يحد منه إلا قانون وضعي. والرابعة، تتعلق بكون ذلك القانون الوضعي يخضع لديناميكية متنامية من رغبات الأفراد تضيقه باستمرار. بمعنى أننا أمام حريات مطلقة من الناحية النظرية حتى تجاه الله، وأن مصدرها هو الفرد، وهي حقوق لا يحد منها، على مستوى الواقع، سوى قواعد قانونية تتجه نحو مزيد من تحرير مجالات تمتع الإنسان برغباته وشهواته. وهذا الأساس هو الذي يفسر نسبة تلك الحريات للفرد والحديث عن "الحريات الفردية".

في حين أن الإسلام يقدم الإنسان ابتداء على أنه عبد لله، وأن الله إنما خلقه لعبادته لا لشيء آخر، وأن الدين شأن الدولة والمجتمع والأفراد معا، وأن الآخرة هي المنتهى. وهذا الأصل وحده يعني أن تمتع الإنسان برغباته وشهواته وأهوائه يخضع لقاعدة ثنائية مرضاة الله وسخطه، وما يقبله المجتمع المسلم وما لا يقبله "خارج القانون" ومن خلال واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويترتب عن ذلك: أولا، أننا لسنا أمام حريات ترجع إلى الأفراد، بل أمام مباحات ترجع إلى الله. ومن هذا المنطلق وحده لا يمكن الحديث عن حريات فردية في الإسلام، بل عن حريات مباحة. أي أن مجال الحريات هو مجال عفا الله عنه ولم يقيده بقيود الحرام أو المكروه مما يجعل حتى وصفها بكونها حقوق أمرا فيه نظر لأن الله هو من أعطاها. ثانيا، تلك الحريات المباحة في الإسلام غير قابلة للتوسيع كما هو الشأن في الحريات الفردية، بل تحدها حدود نهائية تتعلق بالحرام والمكروه، أي بدائرة المعاصي والذنوب. وهذه الدائرة يستحيل تضييقها لأنها محكومة بقواعد فوق الزمن والتاريخ وفوق إرادة الأفراد بل وحتى البشر جميعا!

من ناحية أخرى، يقع خلط كبير في مفهوم الحرية. فالحرية ليست فقط اختيارا يرجع إلى إرادة الشخص، بل هي وبالأساس إمكانية تمتع ذلك الشخص بالذي يختاره. كما أنها تعني حق التمتع الحر بما تختاره دون أن يطالك عقاب. فلا معنى لحرية مع عقاب، لأن الحرية حق. فالسارق الذي اختار أن يسرق، هو مذنب في كل الديانات والشرائع، وكونه اختار ذلك لا يجعل السرقة ضمن الحريات الفردية. والحريات الفردية في الغرب لا تشمل، إلى حدود اليوم على الأقل، ممارسة الجنس على الأطفال رغم أنه توجه سلوكي منتشر، وهو عمل يجرمه القانون ولا يدخل ضمن مطالب الحريات الفردية. ولا يقبل من مقترفيه تبريره بالحريات الفردية، ومقترفوه لا يجدون أي تضامن من طرف دعاة الحريات الفردية.

والخلط الذي يقع فيه الخطاب الإسلامي في هذا المستوى هو أنه يدعي حرية الإنسان حتى في أمور إذا أتاها سيطاله عقاب إن لم يكن في الدنيا فهو في الآخرة. ويقع بذلك في تناقضات خطيرة تذهب به إلى حد عدم استحضار المصير الأخروي في مقاربة مفهوم الحريات. فهل يمكن القول مثلا إن الكفر، أو إتيان المعاصي يدخل ضمن الحريات الفردية في الإسلام؟ هذا كلام غير منطقي. فمثلا الحديث عن حرية الناس في الإيمان بالله والتزام أوامره. فعن أية حرية نتحدث إذا كان اختيار الكفر جزاؤه جهنم؟ مع إمكانية أن يطاله العقاب في الدنيا أيضا، كما توثقه التجربة التاريخية للإسلام! فأي معنى إذن، من الناحية الدينية، أن نقول للملحد إنه تمتع بحريته؟ هذا كلام للاستهلاك الدعوي لا غير، أما الحقيقة فهي غير ذلك تماما، فالملحد في الدين كافر، وهو في بعض المذاهب الفقهية والتجارب التاريخية يقتل! والاختلاف الفقهي الكبير حول حكم المرتد يعطي المثل الواضح في هذا الشأن!

إن الحرية، سواء في الاعتقاد أو في الممارسة، هي تمتع بحق، وليست إمهالا على عقاب. لذلك فالحديث عن حرية الاعتقاد في الإسلام حديث غير دقيق، فالله لم يخلق الناس إلا لعبادته (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) وليس لهم الحرية في ذلك خلاف ما يزعمه الخطاب الإسلامي المعاصر، وأرسل إليهم الرسل ليبينوا لهم ما يتعلق بتلك العبادة، ووضع رضاه والجنة للمطيعين ووضع سخطه وجهنم لغيرهم. فالإنسان في الإسلام ليست له الحرية في أن لا يعبد الله، أما كونه يمكن أن يختار ذلك ويحاسب عليه عند الله فليس حرية، بل فقط تأكيد إمكانية الاختيار لا غير، وكما سبقت الإشارة فالحرية ليست فقط إمكانية الاختيار، بل تمتع بلا عقاب بذلك الاختيار.

ومن الناحية الواقعية والتاريخية فهناك أمور كثيرة تجعل الحديث عن الحريات الفردية في الإسلام أمرا مستغربا، وتجعل من الصعب حتى القول إن المعاملات في الإسلام الأصل فيها هو الإباحة، كما يقول الأصوليون، بل الأصل هو الانضباط لترسانة واسعة من القواعد التي تشمل جميع مناحي الحياة وفي تفاصيل دقيقة، وما لم تطله تلك القواعد والأحكام هو المباح ما لم يظهر رأي فقهي يقول غير ذلك!

عَنْ سلمان رضي الله عنه، قَالَ: "قِيلَ لَهُ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى الْخِرَاءَةَ. قَالَ، فَقَالَ: أَجَلْ. لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أوَ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِاليَمِينَ، أَوْ أَنْ نسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ. أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ". رواه مسلم.

فالمسلم لا يملك الحرية بالمفهوم الغربي في تفاصيل حياته: في نومه، في مأكله ومشربه، في ملبسه، في معاشرة زوجته، في سفره، في دخوله وخروجه من دورة المياه، في أفكاره وعواطفه، ... في كل شيء. وفي كل هذا يجد قواعد وآداب لا خيار له معها، فأن تأكل باليسرى وأنت مسلم لا يعبر عن كونك حر في ذلك لأنه معصية ويكسب الذنب وعاقبته سخط الله وعقابه.

إن عدم التمييز بين الحريات الفردية والحريات المباحة في الإسلام، هو أكثر شيء يفسر الاضطراب الذي يصيب الخطاب الإسلامي في تعاطيه مع الجدل حول الحريات الفردية، فيسهل حشره في زاوية ضيقة حين يتعلق الأمر مثلا بالعلاقات الجنسية الرضائية بين بالغين، حيث أنه في إطار الحريات الفردية لا حدود لتلك العلاقات سواء بين جنسين مختلفين أو داخل الجنس نفسه، لكنه من الناحية الدينية فالعلاقات الجنسية لا تتم إلا في إطار الزواج الشرعي، ووفق ما هو مباح في ذلك الإطار أيضا.

إن الخطاب الإسلامي حين تلقف شعارات الحريات الفردية، إنما أراد "سد باب" التنقيب في الدين عن وضعية الحريات الفردية كما تطرح اليوم، وأن يجنب نفسه عناء البحث عن تفسير لقضايا شائكة أو الدفاع عنها. وكتاب "الحريات الفردية تأصيلا وتطبيقا" مليء بقضايا لم يفلح مؤلفه في مصالحتها مع خطاب الحريات الفردية، ولنا عودة إلى نقد الكتاب لاحقا بحول الله.

والخلاصة التي قد تصدم كثيرين هي أن الحريات الفردية لا توجد في الإسلام، والذي يوجد فيه فقط حريات مباحة. وهذا المفهوم الأخير هو ما ينبغي للإسلاميين الدفاع عنه والترويج له والدعوة إليه بشجاعة، ذلك أنه يجعل خطابهم متمايزا عن خطاب الحريات الفردية، ويجعل لخطابهم المصداقية، ويضفي عليه المسؤولية، ويجعل جهودهم الدعوية والفكرية والسياسية تخدم مشروعهم المجتمعي لا مشروع غيرهم على المدى البعيد. مع العلم أن التعامل بهذا المفهوم يربطه بالخلفية الدينية الإسلامية، بذل مفهوم يحيل على المرجعيات الغربية.