ماذا فعلتَ بالوردة يا أحمد بَرَكاتْ، ماذا فعلتَ بالشعر؟

ماذا فعلتَ بالوردة يا أحمد بَرَكاتْ، ماذا فعلتَ بالشعر؟

ليس بشعرٍ، شعرٌ يتخلع، مبادهة، بسبب نأمةٍ نقدية عابرة فقط، أو يد زمنية باطشة عشواء وحسب. ولا بشعر، شعرٌ ينتسج من خيوط أقمشة "جمالية "، وبلاغية بالية أقْوَتْ بمرور وكرور الأيام والليالي. ولا بشعرٍ، شعر يتفئ ظلال الآخرين، محاكيا، ومزدهيا بمحاكاته، ومتباهيا متفاخرا بحدو الحداء الذي رن طويلا ومديدا في سمع الأزمان والأكوان. ولا بشعرٍ يتسمى شعراً بما هو مشيٌ على الموطوء القبلي، والمداس السابق، والمفترع السالف، والمراق الدابق. إنما الشعر شعرٌ إذا نجح في الإصاخة عميقا، والإصغاء بعيدا إلى دبيب ونبض المرئيات واللامرئيات، أي الفوز باللؤلؤة "المستحيلة " عند الغوص، والقدرة الخلاقة على قول الجراح والعذابات الثاوية في الدواخل والأعماق. والبوح الشافي القدير على تبويء الأنا المهروس والمكسور والمذبوح، مكان الكشف والتعرية في تَدانٍ وتَصاقُب بل تداخل وتشابك مع خلاصات التجربة الروحية واللغوية والجمالية. إن الشعر نداءٌ أنوي، نفسي، وأنطولوجي، ورؤية ورؤيا، ترفده وتسنده معرفة لا مناص منها، وتأمل متواصل بعين العين، وعين القلب، وعين الروح، وعين الحدس والميتافيزيقا. ولا يخدعنا استواء بعض نماذجه بالأرضي، والزائل، والمرئي، والمبتذل من الأشياء والموجودات، معبرا وواصفا، ومستقرئا، ومستبطنا أحيانا. فحتى تلك الأشياء التي لا تتخطى الحسي والملموس والمعجون، إنما تتخطاها بقوة التخييل البديع، والإنهاض الجمالي، والعجيب المفارق، والمدهش الخارق. فإذا هي ماهياتٌ، وكانت ـ قبل لحظة ـ حسياتٍ وشيئياتٍ، وَرَمْلياتٍ.

وأحمد بركات الشاعر الذي انطفأ في عز عطائه، وأوج إضافاته، وخصوبته، ونضوجه الفني واللغوي، وتجريبه المخصوص، يجسد ـ بما لا نقاش بعده ـ ذلك الشعر الذي أومأنا إليه، ويختزل الجمالية الشعرية في ما ترك وخلف من متن شعري مدهش ومفارق ومختلف ضمن المشهد الشعري المغربي، والمنجز الإبداعي العربي العام. فهو بهذا شبيه طرفة بن العبد، ورامبو، وتراكل، وكلود روي، وكافكا، وجبران، وسيلفيا بلاث، ولافورك، تمثيلا، ما داموا أقرانا متقاربين في زمنية حيواتهم القصيرة، وهم في أوج اشتعالهم، العابرين الهائلين الذين جاؤوا إلى الدنيا سريعا، وغادروها سريعا معبئين بقلق عاتٍ، ونياحة سوداء شجية على مصير الإنسانية والوجود والموجود. إن هؤلاء أتوا محملين بنار إلهية قدسية أحرقتهم سريعا لأنهم سرقوها. غير أنهم أضاءوا بها جنبات الكون، وأشاعوا فيه روح الجمال والعذوبة، ونادوا بسعادة وكرامة الآدمي، وإن لم يفيدوا منها قُلاَمة ظُفْر.

أحمد بركات هو أحد هؤلاء. سطر وجوده القصير، وحياته "المبتورة" بحبر الأبدية والتاريخ، بحبر الشعر البديع والمختلف، وكرس كيانية شعرية لا آنق ولا أمتع، ولا أكثر ابتعاثا على الألم، وحذقا تصويريا للقلق الوجودي الذي أكله أكلا لمّا، هو الذي لم يقدر على معايشة المواجع والفواجع والمآسي التي كانت تَتْرى في واقع البلاد ثمانينيا، وفي العالم العربي بالتلازم والامتداد الذي نصب مقصلة هائلة وصدئة لإعدام الأحلام والرؤى الوردية التي مجدت وتمجد الجمال، وهجست وتهجس بالتحول المحتوم الذي تسنه قوانين العلم والعمل والاجتهاد والابتكار، ويحتمه منطق التطور والتاريخ. والشعراء المرهفون ـ كما أحمد بركات ـ أهش من أن يستمروا في واقع ينز دما، ويغتصب الإرادات الحرة، ويغتال الأحلام والتطلعات المشروعة. أهش وأضعف وأوهن من أن يحيا (أقصد الشاعر أحمد)، وسط الخراب العام، والرماد والزيف والأقنعة.

وليس من شك في أن شاعرنا المرهف قال كل ذلك أو بعضا منه في الأقل، بشعر نوعي تفوق على المرحلة، وعلى سياقات أقاويل شعرية أخرى من السمط نفسه، والسمت عينه. وانتسب ـ قولا وشعرا، ورأيا وموقفا ـ إلى حرائق زمنه، وإلى تاريخية وطنه، وتاريخيته القصيرة، وعصره بوجه عام. وما يبرهن على ذلك، كتاباه الشعريان المتجددان كالمسك بعد الفرك: (أبدا لن أساعد الزلزال)، و(دفاتر الخسران).

وإن العنوانين ليقولان كل شيء، ويختزلان ألما ما بعده ألم، وإحباطا روحيا ونفسيا واجتماعيا ما بعده من إحباط. فالزلزال قائم ومتواصل يَدُكُّ الأرض دكا، يدك البلاد والعباد. فكيف للشاعر أن يساعد عليه، إذ سيصبح، إن فعل، متورطا ومتواطئا، ومنسلكا في صف الذين قالوا "نعم" عوض أن يقولوا "لا". أما الخسران فمُبين وساطع، وله دفاتر مركومة وعديدة دوَّن فيها أحمد ما أشقاه وأضناه، وأسقمه حتى أزهق روحه. وها هم المدونون مستمرون في تسويد صفحات تلك الدفاتر التي تركها الشاعر.

أما بعد: فإن الإنسان، والشاعر إنسان، منذور للموت والفناء والدثور. إذ الموت حقيقة لا مراء فيها، حقيقة الحقائق. لكن، ليس أقسى على المرء من أن يموت ميتتين: ميتة بيولوجية، وهذه مفروغ منها. وميتة إهمال ونسيان وطمر ذكر واستذكار وذكرى.

فأحمد بركات حاضر بشعره المختلف، وبلغته وصوره، وتراكيب أقاويله الشعرية المدهشة. وإذن، لنفتح ـ في كل آونة وسانحة ـ كتابيه، مفسحين له المكان المستحق بيننا.