"السؤال المر" في الثقافة العربية العتيقة

"السؤال المر" في الثقافة العربية العتيقة

1

يقول التاريخ إن ما من أمة عاقبت السائلين على أسئلتهم مثل الأمة العربية، حيت واجهت الفقهاء والشعراء والحكماء والفلاسفة بالمعتقلات والسجون والنفي وإحراق الكتب والاغتيال، بسبب أسئلتهم الفكرية أو العقائدية الجريئة والمحرجة أو المنكرة لقيم معينة.

ويقول التاريخ، أيضا، إن الثقافة العربية، ولفترة طويلة من الزمن، كانت ثقافة أجوبة، مع أن الثقافة في مفاهيمها وقيمها هي مهد السؤال، هي محرك الباحث عن المعرفة، هي المدون والمقوم لمعاني الإجابة.

ويقول التاريخ، أيضا، أن التضييق على السؤال في الثقافة العربية ونفي أصحابه وحرق كتبهم ومنعهم من الاشتغال بمعارفهم واغتيال بعضهم كلها عوامل جعلت التأمل العقلي العربي يبتعد ليحط رحاله خارج الخريطة العربية.

2

في المفاهيم والقيم الثقافية، يعد السؤال من أهم الأدوات العلمية والمعرفية، هو طريق الحقيقة وتبديد الجهل، هو المعرفة التي تباينت حولها الآراء واختلفت بشأنها المذاهب، هو طريق المعرفة الذي يصل إلى الحلول التي يصعب إدراكها. من خلاله تتم صناعة الأجوبة التي تحتاجها الثقافة والعلوم والمعارف.

يدرك المثقفون والمبدعون والعلماء والموهوبون بجمالية التحديق المختلف والمغاير للأشياء خطورة التوافق مع السائد والمعتاد والنمطي على الإبداع والمعرفة والفكر، لذلك يكون السؤال حتميا لإخراجهم من حالة القلق والتيه والتحيزات الجاهزة والمسبقة.

إن هذه الفصيلة من المثقفين الحكماء تجد سلامتها الشخصية وأمنها الاجتماعي عندما تصل إلى السؤال الذي يشفي غليلها ويقودها إلى المعرفة الحق، لذلك لا يمكن إدراك أهمية السؤال دون إدراك كنه المعرفة. السؤال هو طريق الحقيقة وتبديد الجهل، هو طريق المعرفة التي تتباين حولها الآراء وتختلف بشأنها المذاهب.

3

تقول كتب التاريخ العربي، من قبيل البداية والنهاية / المنقذ من الضلال / إغاثة اللهفان/ سير أعلام النبلاء / منهاج السنة / مقدمة ابن خلدون/ لسان الميزان / فتاوى شيخ الإسلام / درء التعارض/ المقتبس من أهل الأندلس وغيرها من المراجع الأكيدة، إن شيوخ وأئمة وعلماء وفلاسفة عربا مسلمين تم تكفيرهم ورميهم بالزندقة بفتاوى صادرة عن فقهاء فيما اعتبروه كفرا وضلالة.

نذكر من ضحايا "السؤال" المعرفي، الفلسفي، الفقهي: (ابن المقفع، الفارابي، ابن سينا، أبو العلاء المعري، أبو بكر الرازي، يعقوب ابن إسحاق، ابن النديم، ابن طفيل، ابن الهيثم، الجاحظ، الطوسي، ابن رشد، تابت بن قرة) وغيرهم كثير من الذين كان السؤال لهم الطريق السالك إلى المعرفة، من غيره يبقى العقل لاقطا للمعتاد، لذلك كانوا يبحثون عن الحقيقة بالسؤال، بتمردهم ورفضهم للسائد.

اليوم، والعالم العربي في قلب العولمة / في عمق الألفية الثالثة، هل أدرك/ يدرك أن الثقافة القامعة للسؤال، لشجاعة الشخصية التساؤلية والنقدية والمتمردة هي ثقافة انتهت صلاحيتها، وأن الثقافة التي تتأسس على استنطاقات الوعي المؤمن بالحق الكامل في التفكير والتفسير والتغيير والاختيار هي مدخل المعرفة، هي سر التقدم الحضاري في تاريخ البشري، فكلما زادت مساحة الحرية اتساعا لدى الأمم الراقية، المتحضرة، زادت أهمية السؤال وأهله من السائلين... أفلا تنظرون؟