الخذلان الأبدي لليسار المغربي

الخذلان الأبدي لليسار المغربي

(1/2)

استضافة إحدى فصائل اليسار المغربي لما يُسمّى "الجبهة العربية التقدّمية" لعقد مؤتمرها الأول بطنجة أيام 25، 26 و27 أكتوبر 2019، تحت شعار: "الوحدة العربية ضرورة تاريخية ورهان استراتيجي"، مناسبة للتذكير بالهُيَام الشديد، إلى حد الجنون، لهذا اليسار المغربي بكل ما هو عربي وقومي ومشرقي، حتى أنه يمكن القول إن هذا الهيام هو ما يشكّل علة وجوده، ويعطي المعنى لنضاله وتضحياته. وما كان ليهمّنا هذا الهيام الشديد لليسار المغربي، بكل ما هو عربي وقومي ومشرقي، لو لم يكن يصاحب نفسَ الهيام، كشرط لوجوده، نفور، شديد كذلك، من كل ما هو محلي مغربي أصيل، مثل الأمازيغية، لأن ذلك يعطي للمغرب استقلالا عن المشرق العربي، لغة وثقافة وتاريخا وهوية وانتماء. وهذا ما يرفضه اليسار ويعارضه.

هذا الولَه الجنوني بالعروبة التي يهيم اليسار المغربي عشقا بها، ونفوره الشديد من الأمازيغية الي ظلمها وقسا عليها، هو ما سنناقشه في هذه المقالة، مع عرض للتطوّر التاريخي لهذا الوله وهذا النفور.

خذلان اليسار المغربي للفكر اليساري الحقيقي:

من المعروف أن اليسار المغربي، سواء في شكله التنظيمي، الحزبي والنقابي، أو في مظهره الفكري عند المثقفين والكتاب اليساريين، عارض الراحل الحسن الثاني لما يناهز أربعين سنة، من ستينيات حتى أواخر تسعينيات القرن الماضي. وما يجب التوقّف عنده هو أن هدف هذه المعارضة اليسارية لم يكن هو الوصول إلى تسيير الحكومة عن طريق الفوز في الانتخابات، كما هو الهدف من كل معارضة سياسية، وتطبيق برامج، في مجال الاقتصاد والتنمية والتشغيل والتعليم وإعداد التراب الوطني...، مخالِفة للتي كان يطبّقها الحسن الثاني. بل كان هدفها هو إسقاط النظام السياسي ككل، وليس الحكومة التي هي جزء فقط من هذا النظام. ولأن الحسن الثاني كان هو رمز هذا النظام وممثّله والمجسّد له، فإن إسقاط هذا النظام كان يساوي ـ ويمرّ عبر ـ إسقاط الحسن الثاني.

لما أدرك الحسن الثاني أن المعارضة اليسارية تريد القضاء على نظام حكمه، اعتبر أن التصدّي لها يدخل في إطار الدفاع الشرعي من أجل البقاء. وهكذا بدأت "سنوات الرصاص" بالمغرب، التي دامت ما بين ستّينيات حتى تسعينيات القرن الماضي، والتي لجأ فيها الحسن الثاني إلى قمع ممنهج لمعارضيه الذين كانوا بالتعريف يساريين، والذي تجلّى في أساليب الاختطاف والتعذيب والاختفاء القسري والمعتقلات السرية والمحاكمات السياسية...

لكن إذا كان اليسار يريد إسقاط نظام حكم الحسن الثاني، فما هو البديل الذي كان يهيئه ليحلّ محلّ هذا النظام؟

كان البديل هو إقامة نظام سياسي ناصري وبعثي، قومي وعروبي، على شاكلة نظام جمال عبد الناصر بمصر، وحافظ الأسد بسوريا، وصدام حسين بالعراق، والقذافي بليبيا... كان اليسار المغربي يناضل إذن ضد ديكتاتورية الحسن الثاني من أجل ديكتاتورية أسوأ وأفظع، علما أن أحد أسباب ديكتاتورية الحسن الثاني هو مشروع هذا اليسار المغربي الذي كان يرمي إلى إسقاط نظامه، مما اضطره إلى أن يلجأ إلى مزيد من الديكتاتورية لمواجهة خصومه اليساريين كدفاع شرعي عن البقاء، كما سبقت الإشارة.

فكل تضحيات اليساريين المغاربة في سنوات الرصاص، وما تعرّضوا له من اختطاف وتعذيب واختفاء قسري واعتقال في أماكن سرية ومحاكمات سياسية...، لم تكن إذن من أجل إقامة نظام سياسي مغربي ديموقراطي، ولا من أجل تطوير النظام الملكي ليكون ملكية برلمانية يسود فيها الملك ولا يحكم، وإنما كان من أجل استيراد نموذج حكم بعثي وقومي عروبي، أجنبي عن تربة المغرب وتاريخه وهويته وانتمائه الأمازيغي الإفريقي، وفرضه على المغرب والمغاربة.

هذه التبعية العمياء للبعث القومي العربي من طرف اليسار المغربي تشكّل، كخاصية أساسية وجوهرية، ثابتا ملازما له. فحتى النظرية الماركسية والفكر الاشتراكي اللذان ينهل منهما اليسار في كل دول العالم، كمصدر فكري وفلسفي وسياسي لليساريين، أحزابا ومثقفين، لا يطّلع عليهما اليساريون المغاربة ـ أو بالأحرى لا يريدون الاطلاع عليهما ـ إلا إذا جاءاهم من الشرق الأوسط العربي، بعد تعريبهما وإفراغ مضمونهما الماركسي والاشتراكي الحقيقي، وتحويله إلى مضمون بعثي، قومي وعربي. وهكذا تصبح ـ وكذلك هي مفهومة وممارسة بالمغرب ـ فلسفة اليسار، بما تدافع عنه من قيم التحرّر والعدالة والمساواة والديموقراطية والكرامة والعَلمانية وحقوق الإنسان...، وتدعو إليه من مناهضة للظلم والتسلّط والاستغلال، ومحاربة للاستبداد والفساد، (تصبح) هي فلسفة الدفاع عن العروبة، بقضاياها وحروبها وقوميتها ولغتها وفكرها وثقافتها وتراثها...، والعمل على انتشارها وانتصارها، ومحاربة كل ما يعرقل هذا الانتشار والانتصار بالمغرب مثل الأمازيغية؛ وتصبح "الاشتراكية العلمية" تعني يوطوبياutopie القومية العربية، ووحدتَها الوهمية، ومبادئ نظام البعث العربي بديكتاتوريته وتسلّطه، وهزائمه ونكساته...

فكما أن هذا اليسار المغربي لم يألُ جهدا من أجل تزييف الهوية الجماعية للمغرب، وذلك بإضفاء الطابع العربي، بمفهومه العرقي والقومي البعثي، عليها، والعمل على نشر الوعي الزائف لدى المغاربة بهذا الانتماء العربي الزائف والمنتحَل، فكذلك لم يألُ جهدا من أجل تزييف الفكر اليساري، الماركسي والاشتراكي، وذلك بإضفاء الطابع العروبي البعثي على هذا الفكر، ونشر الوعي الزائف لدى المغاربة بمضمونه الزائف والمُعرْبَن لجعله يتوافق مع أهداف العروبة، القومية والبعثية. وهذا خِذلان صريح وعمدي من طرف هذا اليسار المغربي للفكر اليساري الحقيقي، الماركسي والاشتراكي، فضلا عن خذلانه الأصلي للمغاربة بالسعي إلى تزييف هويتهم الجماعية وتزييف وعيهم بها.

اليسار المغربي كمقاول فرعي يعمل لجهات أجنبية:

هذا الارتباط الوجودي والسببي لليسار المغربي بالعروبة، في صيغتها القومية والبعثية، هو ما يفسّر أنه ظل دائما يتصرّف، في مواقفه السياسية والفكرية والثقافية، كمقاول فرعي sous-traitant يشتغل لمصلحة ـ وتنفيذا لأمر ـ المقاول الأصلي الأجنبي الذي تمثّله هذه العروبة القومية والبعثية. وكما في عقد المقاولة الفرعية، يقوم اليسار المغربي بتنفيذ مشاريع القومية العربية ونظامها البعثي بالمغرب، وذلك بالعمل على غرس العروبة العرقية كهوية للمغاربة بتحويلهم الجنسي من جنسهم الأمازيغي الإفريقي إلى جنس عربي أسيوي، والسعي إلى إقامة نظام سياسي بعثي يناسب هذه الهوية العربية الجديدة للمغرب. فكان لا بد لهذا اليسار أن يتصادم مع الحسن الثاني، بسبب أنه يريد إسقاط نظامه لاستبداله بنظام بعثي، تنفيذا لتعليمات مشغّله الأجنبي، الذي هو المقاول الأصلي في ما يخص كل مشاريع القومية العربية بالمغرب.

ولهذا فإن جميع الوسائل التي كان بإمكانها إضعاف نظام الحسن الثاني، كان اللجوء إليها مشروعا ومطلوبا من طرف اليسار المغربي، حتى لو كانت خيانة في حق الوطن، كما فعل كبيرهم الذي لم يتورّع من مساندة الجزائر ضد المغرب أثناء حرب الرمال في 1963. وقد فعل ذلك كيساري تقدمي قام بالواجب الذي يمليه عليه نضاله العربي البعثي، كعامل ضمن مقاولة فرعية، من أجل القومية العربية ووحدتها الوهمية. كانت ستكون هناك خيانة لو لم يتصرّف طبقا لما تحتّمه عليه قناعاته القومية والبعثية، ولما حدّده له المقاول الأصلي الأجنبي الذي يشتغل لحسابه. فخيانة الوطن، عندما يكون ذلك تنفيذا لتعليمات المقاول الأصلي الأجنبي، الذي هو القومية العربية، تكون واجبا، ونضالا، وتقدمية، وجهادا وتضحية... ولهذا فليس بالغريب ولا بالخيانة في شيء، من منطق هذا اليسار، أنه هو من عمل على تقسيم بلده المغرب بسعيه جاهدا إلى خلق جمهورية عربية صحراوية انفصالية. والمفارقة أنه حاول خلقها بتجزيء بلده المغرب خدمة للوحدة العربية، غير مبالٍ بأنه بذلك يفتّت ما كان موجودا من هذه الوحدة. لكن منطق المفارقات هو جزء من خصائص اليسار المغربي.

خذلانه للمبادئ التي اضطهد من أجلها:

إلا أن المفارقة الكبرى هي أن نخبة مناضلي هذا اليسار، من الذين تعرّضوا لكل أصناف الاضطهاد والتنكيل من طرف نظام الحسن الثاني بسبب سعيهم لإسقاطه وتنحيته، سينسوْن كل عدائهم لهذا النظام وكل خلافاتهم مع الحسن الثاني، ويقبلون، ابتداء من مارس 1998 (تاريخ تنصيب حكومة التناوب) بالانضمام إلى نفس النظام الذي عارضوه لما يقرب من 40 سنة، وينخرطوا في خدمة المخزن كما كانت تفعل الأحزاب التي كان هؤلاء اليساريون يسمونها بـ"الإدارية"، أي تلك التي صنعتها إدارة الدولة المخزنية، المتمثّلة في وزارة الداخلية. وقد أبدى هؤلاء اليساريون حماسا منقطع النظير لخدمة المخزن الذي كانوا يرفضونه في السابق ويعملون من أجل القضاء عليه، كما كشفوا عن شره غير مسبوق لـ"الأكل" من "الرشوة المشروعة" لدار المخزن السخية والمعطاء. وهي "الرشوة" التي تتجلّى في الرواتب السمينة، وما يصاحبها من امتيازات مالية أخرى، ويتبعها من تقاعد استثنائي خارج ما يقرّره القانون للاستفادة من التقاعد.

وإذا كان قد سهل على المخزن تدجين هؤلاء اليساريين وإشراكهم في لعبة الفساد السياسي، الذي كانوا يدّعون محاربته والتنديد به طيلة نصف قرن من "المعارضة"، فذلك لأن هؤلاء اليساريين، كما أثبتوا ذلك من خلال مشاركتهم في حكومة "التناوب التوافقي"، لم يكونوا يعارضون الحسن الثاني لأن حكمه كان استبداديا وغير ديموقراطي، كما كانوا يدّعون، وإنما لأنهم لم يكونوا يستفيدون من الريع السياسي لنظام حكمه، مع ما يوفّره من ريع مالي جزيل. والدليل أنه بمجرد ما دخلوا إلى حلبة الريع السياسي عبر حكومة التناوب، نسوا مطلب الديموقراطية ومحاربة الفساد والاستبداد، وتحوّلوا إلى مشاركين في هذا الاستبداد والفساد، وحماة لهما بعد أن أصبحوا مستفيدين منهما، يشكلان مصدر ثرائهم غير المشروع وتقاعدهم غير القانوني. إنه خذلان للمبادئ التي كانوا يدافعون عنها وتعرّضوا للاضطهاد من أجلها.

هكذا يكون هذا الانخراط، من طرف المعارضين اليساريين، في خدمة منظومة الاستبداد والفساد، التي كانوا يحاربونها بالأمس القريب، قد ضيّع أربعين سنة من عمر المغرب ومن فرص تقدّمه وتنميته؟ كيف ذلك؟

تضييع أربعين سنة من عمر المغرب:

لقد رأينا ان اليسار كان يعمل من أجل إسقاط نظام الحسن الثاني. وكانت النتيجة أن هذا النظام لم يقف، بطبيعة الحال، مكتوف الأيدي إزاء هذه المعارضة اليسارية التي كانت ترمي إلى تدمير أساس الدولة المغربية، أي نظام حكم الحسن الثاني، بل تصدّى لها وواجهها ونجح في إحباط مشاريعها الهادفة إلى تحويل المغرب إلى نظام اشتراكي بعثي على الطريقة البومدينية (نسبة إلى الهواري بومدين، الرئيس الجزائري السابق المعروف). هذه المواجهة وهذا التصدّي هما ما كان وراء تلك المرحلة السوداء من تاريخ المغرب، والتي تمتدّ من بداية الستينيات ـ وبالضبط مع بداية حكم الحسن الثاني في 1961 ـ لتستمر إلى التسعينيات من القرن الماضي. وهي مرحلة الاعتقالات، والاختطافات، والاغتيالات، والمحاكمات السياسية، والسجون السرية…

وطبعا كان لهذه المواجهة ـ وهذا هو ما يهمنا ـ ثمنها الاجتماعي والاقتصادي الباهظ: فقد فرضت هذه المعارضة اليسارية على الدولة أن تخصّص جزءا هامّا من مجهودها التنموي للتصدي لها (للمعارضة) ومنعها من تحقيق أهدافها. فبدل أن تتفرغ الدولة لما هو تنموي واجتماعي، أصبح هاجس أمنها السياسي يستقطب اهتمامها الأول، مع ما يتطلبه ذلك من تكاليف وإنفاق من المال العام. فتباطأت بفعل ذلك عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية إلى درجة التوقف والتراجع، لأن الدولة كانت مشغولة بمسألة الأمن السياسي الذي تعتبره من الأولويات، كما أن جزءا من الإمكانات المالية والاقتصادية كانت توظف لهذا الهدف ذي الأولوية. كل هذا جعل من المغرب بلدا متأخرا ودون المستوى الذي كان يجب ان يبلغه بالنظر إلى خصوصياته وثرواته وإمكاناته، ذلك أن الاستقرار السياسي شرط أساسي لانطلاق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. والذي كان وراء هذا التأخر هو تلك المعارضة اليسارية، البعثية الشرقانية (نزعة الارتباط بالمشرق العربي)، التي أضاعت للمغرب أربعين سنة من تاريخه ظل خلالها يراوح مكانه، عاجزا عن السير إلى الأمام، لأنها كانت تقف حاجزا أمام هذا السير إلى الأمام (انظر افتتاحية العدد 17 لشهر شتمبر 1998 من شهرية "تاويزا": "بعد إصلاح نصف الخطأ التاريخي، يبقى إصلاح النصف الثاني المتعلق بالأمازيغية").

وما ذا حصل بعد مارس 1998؟ حصل أن أولئك الذين كانوا يشكلون بالأمس المعارضة اليسارية، البعثية الشرقانية، والتي بسببها عُذّبوا واعتقلوا وحوكموا وسجنوا...، تولّوا مقاليد السلطة طبقا لقواعد وأسس النظام السياسي المغربي لحكم الحسن الثاني، تلك القواعد والأسس التي كانوا يرفضونها ويعارضونها في ما مضى. وهذا يعني أنهم ضيّعوا قرابة أربعين سنة من عمر المغرب، ما دام أنهم قبلوا المشاركة في نفس نظام الحسن الثاني في 1998، وبنفس القواعد التي كان يحكم بها هذا النظام عندما أعلنوا رفضهم له منذ أربعين سنة. وواضح أن الخسارة التي تسبّبوا فيها للمغرب لا تتعلق فقط بتضييع أربعين سنة من عمره الزمني، بل تضييع أربعين سنة من فرص التنمية، كما سبقت الإشارة، وتضييع الأموال الطائلة التي كان النظام مضطرا لاستعمالها، ليس لهذه التنمية كما كان مفترضا، بل لمواجهة هؤلاء المعارضين اليساريين.

خذلانه لمبادئ "العدالة الانتقالية":

لما أدرك النظام المخزني، من خلال تجربة "التناوب"، والذي هو في الحقيقة تناوب على الريع السياسي والمالي، كما سبقت الإشارة، أن المال قادر على تدجين أعتى المعارضين اليساريين وتحويلهم إلى خدّام لسلطته وحكمه، فكّر في تعميم استعمال المال لاحتواء وتدجين ما تبقّى من اليساريين. وهكذا نشأت فكرة تأسيس "هيئة الإنصاف والمصالحة"، التي سترى النور في يناير 2004، والتي كان من مهامها تخصيص مبالغ مالية سخية للذين سبق لهم، وهم في غالبتهم يساريون، أن اُختطفوا واعتُقلوا وحوكموا وسُجنوا...، كتعويض عما تعرّضوا له من ظلم ومحاكمات سياسية وانتهاكات لحقوقهم الإنسانية. وقد نجحت الخطة وربح المخزن ولاء هؤلاء اليساريين، وربح هؤلاء مال التعويضات ومال الوظائف والمناصب التي أنشأها لهم المخزن لاحتوائهم وإدماجهم في نظامه.

وهنا سيخذل اليساريون أيضا مواقفهم ومبادئهم ونضالهم الذي سبق أن اعتقلوا وحوكموا من أجله، ليس لقبلوهم بـ"هيئة الإنصاف والمصالحة"، التي هي من أهم آليات تحقيق "العدالة الانتقالية" كما حصل ذلك بنجاح عند العديد من الدول، مثل الشيلي، والأرجنتين، وإسبانيا، وألمانيا الشرقية سابقا، وجنوب إفريقيا...، وإنما لأن هذه "العدالة الانتقالية"، كما طُبّقت بالمغرب بفضل مساهمة هؤلاء اليساريين المباشرة في ذلك التطبيق، لم تمنع ـ مع أن هذا المنع هو الغاية من لجوء الدول إلى آلية "العدالة الانتقالية" ـ تكرار ما جرى من انتهاكات جسيمة سابقة لحقوق الإنسان بالمغرب، كما تشهد على ذلك اعتقالات ومحاكمات نشطاء حراك الريف. لم تمنع تكرار ذلك بسبب أن نفس النظام الذي كان مسؤولا عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، لا يزال هو صاحب السلطة والقرار السياسي، عكس الدول التي نجحت فيها "العدالة الانتقالية" حيث نجد أن الأنظمة التي كانت حاكمة ومسؤولة في عهد الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، لم تبق لها سلطة ولا قرار سياسي في العهد الجديد "للعدالة الانتقالية". ففي الشيلي، مثلا، لم يعد لأتباع ديكتاتورية Pinochet "بينوتشي"، التي اُرتكبت في عهدها مجازر لحقوق الإنسان، أية سلطة ولا قرارات سياسية في العهد الجديد "للعدالة الانتقالية" (انظر موضوع: «لماذا لم تنجح تجربة "العدالة الانتقالية" في المغرب؟» ضمن كتاب: "قضايا مغربية"، المتوفر على شبكة الأنترنيت). ولهذا فإن ما تحقق من "العدالة الانتقالية" في المغرب، انحصر في "تبييض" السجّل الأسود للمخزن بخصوص حقوق الإنسان، وانتقال اليساريين من حالة العسر إلى حالة اليسر بفضل التعويضات وشغل المناصب ذات الأجور السمينة. والخاسر هو العدالة وحقوق الإنسان، التي لا زالت تنتهك في عز توصيات "هيئة الإنصاف والمصالحة" والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، الذي هو في الحقيقية مجلس وطني للإثراء غير المشروع لليساريين الذين تعاقبوا على تسييره والإشراف عليه.

مرة أخرى، يخذل اليساريون "العدالة الانتقالية" التي باعوها مقابل ما تلقوه من تعويضات، وما نالوه من مكاسب، وما حصلوا عليه من مناصب ووظائف.

استمراره في خدمة المقاول الأصلي حتى بعد إفلاسه:

رغم كل هذا الخذلان الذي لازم اليسار المغربي، بكل أطيافه وفصائله، والذي يكمن مصدره في اشتغال هذا اليسار، كما سبق توضيح ذلك، كمقاول فرعي لفائدة المقاول الأصلي الذي تمثّله العروبة، بكل ما تعنيه من عرقية وقومية وبعثية وناصرية، وأنظمة ديكتاتورية وقضايا عربية، وحتى من لغة وثقافة عربية، إلا أنه مصرّ، مع ذلك، على مواصلة "نضاله" من أجل الحفاظ على وضعه كمقاول فرعي تابع، وذلك حتى بعد أن أفلس مشغّله، الذي هو المقاول الأصلي، وأوقف أوراشه ومشاريعه ذات العلاقة بالعروبة والقومية العربية ووحدتها الوهمية، كما يتجلّى ذلك في موت إيديولوجية هذه القومية بموطن نشأتها بالمشرق العربي، وتخلّي أهلها الأصليين عنها، وأفول أصنامها الناصرية والبعثية، وتوالي هزائمها وانكساراتها، وبوار بضاعتها المفضّلة التي كان يكثر عليها الطلب في الماضي بشكل كبير جدا، وهي الوحدة العربية والقضية الفلسطينية، وما يرتبط بهما من "ممانعة" ومواجهة للصهيونية... كل هذا اختفى وانتهى بالمشرق حيث نشأ وظهر، وحتى داخل فلسطين نفسها.

كان المنتظر إذن، وهو شيء منطقي وطبيعي، أن يكفّ المقاول الفرعي، الذي هو اليسار المغربي، عن تقديم خدماته بخصوص القومية العربية نيابة عن المقاول الأصلي، الذي يشتغل لفائدته، والذي هو العروبة، بمضمونها العرقي والقومي واللغوي والثقافي، ما دام أن هذا المقاول الأصلي قد أعلن إفلاسه وأوقف كل أنشطته واستثماراته، والتي كان قد كلّف مقاوله الفرعي المغربي بالقيام بها وإنجاز أشغالها.

لكن هذا المقاول الفرعي، الذي يتقمّص دورَه اليسارُ المغربي، استمر، وخارج ما يقتضيه المنطق وما تفرضه القواعد المنظّمة لعقد المقاولة الفرعية، في تقديم خدماته للمقاول الأصلي، وإنجاز أعمال لصالحه لم يطلبها منه وليس في حاجة إليها بعد أن تخلّى نهائيا عنها نتيجة ما تكبّده من خسائر عجّلت بإفلاسه. لماذا يستمر المقاول الفرعي بالمغرب، الذي هو اليسار المغربي، في عبَثية تقديم الخدمة لمشغّله الأصلي، الذي تمثّله العروبة، بكل قضاياها المشرقية وحمولتها العرقية والقومية واللغوية والثقافية...؟ لأنه طيلة وجوده لم يتعلّم شيئا آخر غير تقديم الخدمة لهذه العروبة، اقتناعا منه أنه بخدمتها يخدم وجوده نتيجة استمداده هذا الوجود من وجود تلك العروبة نفسها، والتي ظل، بسبب ذلك، تابعا لها كمقاول فرعي يشتغل لحسابها بالمغرب، كما سبق شرح ذلك. ولهذا فحتى عندما أفلست العروبة، التي يعمل لحسابها بالمغرب، لا يستطيع التفرّغ لخدمة القضايا الوطنية والمغربية لأنه لم يتعلّم ذلك، ولم يسبق له أن مارسه أو قام به، إلا في الحالات التي تكون فيها القضايا المغربية الوطنية هي نفسها قضايا عربية، فيتبنّاها ويهبّ للدفاع عنها، مثل دفاعه عن التعريب والقضية الفلسطينية...

ولهذا إذا انطلقنا من تعريف الفيلسوف "جيل دولوز" Gilles Deleuze لليساري بأنه ذلك «الذي يفكّر أولا في العالم، ثم في بلده، ثم في أقربائه، ثم في نفسه...» ("Être de gauche c'est d'abord penser le monde, puis son pays, puis ses proches, puis soi… ")، فإن اليساري المغربي سيُعرّف بأنه ذلك «الذي يفكّر أولا في العالم العربي، الذي يمثّل بالنسبة له العالَم الحقيقي، ثم في البلاد العربية التي يعدّها بلاده الحقيقية، ثم في العرب الذين يعتبرهم أقرباءه الحقيقيين، وأخيرا في نفسه بصفته سادنا لمعبد العروبة وخادما لها بالمغرب». فكل شيء عنده يدور حول العرب والعروبة والقضايا العربية... وهو ما يجعل الحياة، بالنسبة له، تستحقّ أن تُعاش حتى ينذرها حصريا لخدمة هذه القضايا العربية، وذلك حتى عندما لا يكون العرب أنفسهم في حاجة إلى تلك الخدمة ولا متحمّسين لتلك القضايا.

من التمنّي إلى "الاستمناء" الإيديولوجي:

(يُتبع)