هيئة التدريس بين الأمس واليوم

هيئة التدريس بين الأمس واليوم

تقديم:

تخلّد هيئة التدريس العالمية، ومنذ سنة 1994، يومها العالمي الذي يصادف الخامس من شهر أكتوبر من كل سنة، إحياء لذكرى توقيع توصية منظمة الـ"يونسكو" ومنظمة العمل الدولية التي أقرها المؤتمر الدولي الحكومي في أكتوبر 1966 بباريس بشأن أوضاع المدرسات والمدرسين.

وعليه، فإن هيئة التدريس في المغرب تخلد، هذه السنة، بدورها، هذه الذكرى الكونية، في مناخ عالمي متحول أصبحت فيه المدرسة التقليدية عاجزة عن التجاوب الفعال مع متطلبات الحراك الاقتصادي والمعرفي والثقافي والاجتماعي. كما تخلدها في مناخ وطني يغديه سياق الحراك التربوي المغربي والوضعية الراهنة التي تعيشها منظومة التربية والتكوين، والتي يشكل فيه رهان تجديد المدرسة المغربية وسبل تأهيلها للنهوض بوظائفها كاملة تجاه ذاتها وتجاه روادها وتجاه الدولة والمجتمع عنوانها الأبرز ، كما تشكل فيها بداية تفعيل مقتضيات الظهير الشريف رقم 1.19.113 الصادر في 09 غشت 2019 بتنفيذ القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي الحدث الأكثر أهمية.

الاحتفال باليوم العالمي للمدرس في المغرب:

في هذا السياق وفي ضوء هذه الخصوصية المغربية أصدرت وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي في المغرب مذكرة في شأن الاحتفال باليوم العالمي للمدرس بتاريخ 25 شتنبر 2019 تحت رقم 19/97. دعت فيها الأكاديميات الجهوي للتربية والتكوين إلى وضع برامج للاحتفال بهذه الذكرى الكونية لإبراز الأدوار الطلائعية التي يقوم بها المدرسات والمدرسين. ودعت المديريات الإقليمية إلى إعداد برامج للاحتفال بهذه المناسبة وتنظيم ندوات تناقش خلالها "أدوار ومكانة هيئة التدريس والبحث في أساليب تطوير وتجديد الممارسة التربوية بما يسهم في النهوض بالبناء الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للوطن"، وإلى تكريم بعض المدرسات والمدرسين وتنظيم معارض للإنتاجات الأدبية والفنية لرجال ونساء التربية والتكوين، وتنظيم أنشطة ثقافية وفنية ومنافسات رياضية يشارك فيها نساء ورجال التربية والتكوين. كما دعت المؤسسات التعليمية، بدورها، إلى تنظيم لقاءات تواصلية بين المدرسات والمدرسين والأمهات والآباء وأولياء التلاميذ " لمد جسور التواصل الهادف والبناء والبحث في شأن السبل الكفيلة بتعزيز الاحترام الواجب للمدرس وتبويئه المكانة الاعتبارية اللائقة به"؛ وإلى دعوة التلميذات والتلاميذ إلى تكريم أساتذتهم، وغير ذلك من الأنشطة التي تجعل الاحتفال باليوم العالمي للمدرس احتفالا يليق بأدوار نساء ورجال التربية والتكوين.

في اعتقادي، إصدار الوزارة لهذه المذكرة هو، في حد ذاته، مبادرة إيجابية. لأنها:

خطوة لمأسسة هذا الاحتفال ليصبح محطة مهمة في كل موسم دراسي. محطة استثمار، محطة وقوف مختلف مكونات المجتمع المدرسي وشركائه إجلالا وتقديرا للمدرسات والمدرسين، وخطوة أولى على درب إرساء آليات التكريم ونشر ثقافة الاعتراف؛

فرصة سنوية لإعادة الثقة في المدرسة ولتجديد ثقة المجتمع في هذه الفئة من أبنائه البررة المخلصين؛

مناسبة للمدرسات والمدرسين لتجديد الثقة في أنفسهم؛

محطة سنوية لتقييم مسار إرساء المهننة وتفعيل مقتضيات القانون الإطار واستشراف المستقبل.

بالإضافة إلى كل ذلك، فهي مناسبة نستحضر فيها ما تضطلع به أسرة التربية والتكوين، بشكل عام، والمدرّسة والمدرّس، بشكل خاص، من أدوار رئيسية وطلائعية متعددة ومتنوعة الأبعاد فمهنة التدريس لا تقوم على العمل من أجل الأجر كما هو الحال في باقي المهن، وليست مهنة تقوم على نقل المعارف والمهارات في سياقات بيداغوجية نمطية وافتراضية. ولكنها مهنة، نساؤها ورجالها مهمتهم تتمثل في المساهمة الوازنة في تنمية وتطوير كفايات وخبرات المتعلمات والمتعلمين لتأهيلهم للنجاح في مساراتهم الدراسية والانخراط في مجتمعات المعرفة، والمساهمة في تنشئتهم وتربيتهم على قيم المواطنة والسلوك المدني والمساهمة في تربيتهم على الاختيار وتأهيلهم للانخراط بإيجابية في محيطهم الوطني والكوني والمساهمة في تنمية وطنهم والعمل من أجل رقيه وازدهاره إنها مهنة بناء الإنسان بالإنسان من أجل المستقبل. وتبعا لذلك، فهو احتفال بالمدرسة المغربية بكل مكوناتها والفاعلين بها، من داخلها أو من خارجها. في وقت تتعرض فيه هذه المدرسة، ومن خلالها منظومة التربية والتكوين، إلى هجوم عنيف وشرس يستهدف ضرب مقوماتها من خلال التشكيك في قدراتها وكفاءة العاملين بها، ومن خلال زرع أمصال فقدان الثقة في أدوارها والفاعلين في مضمارها. تتعدد الدوافع والأسباب لكن الجامع بينها هو الرغبة الجامحة في تدمير المدرسة المغربية. قد يتساءل البعض قائلا: رغبة من؟ أعتقد أن الجواب سيكون ببساطة: رغبة كل من يعي دور المدرسة في تنمية الوعي الديموقراطي والانتماء للوطن فيعمل جاهدا على تحييدها. رغبة كل من يريد إضعاف الدولة المغربية لأنه يعي أن المدرسة تسهم بفعالية في ترسيخ قيم المواطنة والدفاع عن الوطن وعن اختياراته وثوابته المقدسة. وأخيرا رغبة كل من يستثمر في الفقر والجهل والأمية والعدمية والتخلف.

تخليدا لهذه الذكرى واحتفالا بهذه المناسبة ارتأيت أن أتفاعل مع هذه المذكرة الوزارية بهذه المقالة المتواضعة التي تسلط الضوء على مهنة التدريس في المغرب من خلال محورين: محور أحاول من خلاله موقعة هيئة التدريس في السياق التاريخي للحراك التربوي المغربي وذلك بالتوقف عند أهم المحطات التي مرت منها هيئة التدريس. والمحور الثاني أخصصه لبسط أهم معالم مشروع الارتقاء بأدوار المدرس في سياق تفعيل مقتضيات القانون الإطار المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي.

موقعة هيئة التدريس في سياق الحراك التربوي المغربي:

بقراءة متأنية لمسار مهنة التدريس في المغرب نجدها مرت بأربع مراحل أساسية هي على الشكل التالي:

المرحلة الأولى: محطة المغربة

وهي مرحلة تركّز فيها الاهتمام على التأهيل المهني من أجل تغطية حاجيات المدرسة المغربية من الأطر والاستغناء عن خدمات الأجانب. عرفت تأسيس مراكز تكوين المعلمين والمدارس العليا للأساتذة والمراكز الجهوية. وهي مرحلة استغرقت أكثر من 20 سنة، ما بين 1956 و1979.

ولأن هيئة التدريس انخرطت في الحراك السياسي والنقابي والثقافي الذي عرفته هذه المرحلة، وجعلت من المدرسة فضاء آخر للممارسة " النضالية" وامتداد ا مباشرا للمعارك المجتمعية، " لكل معركة صداها" ، فقد حظي نساء ورجال التعليم باحترام واسع في الأوساط الشعبية وبتقدير المجتمع وباحترامه وثقته. وبطبيعة الحال، واستحضارا للسياق العام، حينئذ، والذي كان مشحونا بالصراع حول السلطة والاختيارات، فقد كانت مكانة نساء ورجال التعليم وأدوارها الوظيفية والطلائعية وانخراطها الفعلي في ساحة هذا الصراع، وصلابة أدواتها التنظيمية والنضالية وتوجهاتها الفكرية والسياسية أمرا مثيرا لقلق الحاكمين والمنتمين للتحالف النخبوي السائد.

المرحلة الثانية: مرحلة التحكم واستنزاف القدرات

وهي مرحلة استغرقت حوالي 20 سنة كذلك، ما بين 1980 وسنة 1999 . تميزت بإرساء النموذج السياسي المغربي الذي انطلق في أعقاب مرحلة الاستثناء والاجماع الوطني حول عدالة قضية الصحراء المغربية ومع انطلاق المسلسل الديموقراطي وإعادة النظر في الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية. تأثرت، خلالها، مهنة التدريس سياسيا بسيادة الهاجس الأمني وانعدام الثقة بين الدولة ونساء ورجال التعليم باعتبارهم الفاعلين الأساسيين في الحراك السياسي العام. وتأثرت اجتماعيا بمقتضيات التقويم الهيكلي الذي دفعت فاتورته أغلب الشرائح الاجتماعية. أما تربويا، فقد تميزت بإرساء نظام العتبات والتحكم في السيولة المدرسية ونسب النجاح، ثم بعد ذلك، بإرساء نموذج التدريس الهادف أو ما يمكن أن نسميه بالممارسة البيداغوجية الموجهة التي استندت إلى تطبيقات النظرية السلوكية في المجال التربوي والقادم إليها من الحقل الاقتصادي في مرحلة استهدفت في الرأسمالية المزيد من تشييء اليد العاملة وعقلنة الإنتاج عبر سلسلة من العمليات المترابطة التي تربط العامل بآلته وفقا للتصميم الهندسي المعتمد في الإنتاج.

هذه المرحلة كانت الأسوأ بفعل ما خلفته من آثار. مرحلة فقد فيها نساء ورجال التربية والتكوين الكثير من رصيد ثقة المجتمع وانهارت المكانة واختل التوازن وانتشرت النكتة الشعبية التي كان بطلها المعلم. مرحلة تميزت بضعف التدفق المهني والارتباك في معايير ولوج المهنة، وقلة فرص الترقية المهنية والاستقطاب السياسي والفكري ودعم وتعزيز الميولات الاتهازية والفردانية، وضرب القدرة الشرائية ومحدودية الخدمات الاجتماعية. وفي سياق معالم هذه المرحلة كان جلالة الملك المرحوم الحسن الثاني قد تحدث أمام نواب الأمة، ومن على منصة البرلمان، عن السكة القلبية التي تهدد المغرب.

وموازاة لكل هذه المظاهر التي ما فتئت تؤكد وجود أزمة حقيقية تنذر بالنتائج الوخيمة كان هناك تطلع نحو تقليص دائرة الفكر النقدي، ومحاصرة التوجهات الفكرية والفلسفية، وشل الحركة الثقافية، وتعميم آليات "التكوين المستمر" كآلية للضبط والتحكم في الممارسات التربوية وتنميط الممارسات البيداغوجية باعتماد ما كان يعرف بكتيبات التوجيهات التربوية القائمة على التنميط البيداغوجي وسيادة المنهاج التربوي الخفي والتطلع نحو الحد من حرية المدرسات والمدرسين وتحييدهم أكثر وتقليص أدوارهم. إنها مرحلة التحكم في الممارسات التربوية واستنزاف القدرات وتصفية الحساب مع المدرسة ومع المدرّسات والمدرّسين.

المرحلة الثالثة: مرحلة التوافقات الكبرى

وهي مرحلة عمّرت أكثر من عشر سنوات ما بين سنة 1999 وسنة 2011 . مرحلة اتسمت بالانفتاح واتساع مساحات الحرية، مرحلة البحث عن توافقات سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، مرحلة البحث عن الثقة المفقودة في كل الاتجاهات، مرحلة التصريح المشترك والتوافق الثلاثي بين ممثلي الشغيلة والدولة وممثلي المقاولة المغربية. مرحلة الإصلاحات الدستورية والسياسية والتناوب التوافقي. مرحلة الإنصاف والمصالحة. مرحلة العهد الجديد، والمفهوم الجديد للسلطة والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية ومدونة الأسرة وغيرها من المستجدات. مرحلة كان من أهم نتائجها في مجال التربية والتكوين التوافق حول الميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي أسس لمشروع المدرسة المغربية الأصيلة باختياراتها ونموذجها البيداغوجي. وهو ميثاق كان الجواب الممكن في حينه عن سؤال تجديد المدرسة المغربية في سياق هذه التحولات الكبرى. ومن أهم ما أقرته مرحلة الميثاق الوطني للتربية والتكوين في علاقة بموضوعنا هذا، نذكر ما يلي:

الإقرار بأن قضية التربية والتكوين قضية دولة ومجتمع، وأن قطاع ا لتربية والتكوين أول أسبقية وطنية بعد الوحدة الترابية، وأن تجديد المدرسة المغربية يستوجب التعبئة المجتمعية والجهد الجماعي (المواد 21 -22 – 23 من الميثاق)؛

إقرار حق المدرسات والمدرسين في التكريم والتشريف وحق العناية الجادة بظروف عملهم وبأحوالهم الاجتماعية وحق الاستفادة من التكوين الأساس ومن فرص التكوين المستمر (المادة 17 من الميثاق) ؛

التأكيد على أن تجديد المدرسة رهين بجودة عمل المدرسين (التكوين الأساسي الرفيع والتكوين المستمر الفعال والمستديم والوسائل البيداغوجية الملائمة والتقويم الدقيق للأداء البيداغوجي) وإخلاصهم والتزامهم (المادة 133 من الميثاق نفسه).

الاهتمام المتزايد بمهنة التدريس حيث نجد المجلس الأعلى للتعليم في نسخته الثانية خصص الجزء الرابع من تقريره التاريخي الصادر سنة 2008 لهيئة ومهنة التدريس. واعتبر المدرس فاعلا مركزيا في المنظومة، ومهنة التدريس مهنة معقدة ومهمة لا تتمثل فقط في نقل المعارف والمهارات وإنما تتمثل في التربية على القيم وتنمية وتطوير الكفايات والتربية على الاختيار.

الدعوة إلى دعم آليات التأطير والمواكبة الميدانية وهو ما جسدته المذكرة الوزارية رقم 155 بتاريخ 10 نونبر 2009 في شأن دعم آليات التأطير التربوي بدعوتها إلى التطبيق التدريجي لصيغة الأستاذ المرشد.

تميزت هذه المرحلة، أي مرحلة التوافقات الكبرى باقتناع الجميع بالأدوار الطلائعية للمدرسات والمدرسين وضرورة العمل من أجل استرجاع المدرسة للثقة المجتمعية. وكان المدخل الأساس في ذلك هو اعتماد مدخل الحكامة في تدبير المنظومة كآلية أساسية لإرساء هذه الثقة (اعتماد مجالس المؤسسة كآليات للتأطير الإداري والتربوي والتدبير التشاركي لشؤون المدرسة لخلق جسور التواصل بين ممثلي السكان والأمهات وآباء وأولياء التلاميذ والمدرسات وهيئة التدريس وهيئة الإدارة التربوية ومختلف شركاء المدرسة والفاعلين - اعتماد المقاربة التشاركية في كثير من المبادرات كمبادرة منتديات الإصلاح – انفتاح المدرسة على شركائها - اعتماد مشروع المؤسسة كإطار منهجي لتدبير الشأن التربوي – اعتماد الأنشطة المندمجة كمناسبة لاستنبات واستبطان القيم والتربية على المواطنة والسلوك المدني واكتساب قواعد العيش المشترك - ...)

إنها مرحلة البحث عن التوافقات الممكنة لهدم الجدار العازل الذي أرسته المرحلة السابقة بين الدولة ونساء ورجال التعليم. مرحلة التأسيس للثقة المتبادلة من أجل إرساء مبادرة النجاح وتجديد المدرسة المغربية.

المرحلة الرابعة: مرحلة المهننة

وهي مرحلة بدأت مباشرة بعد خطابي 20 غشت 2012 و 2013 اللذين دعا فيها صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى ضرورة الوقوف لتقييم أداء المنظومة وإعادة النظر في وظائف المدرسة لتستجيب لمتطلبات التنمية. حيث قدم تشخيصا دقيقا للوضعية الراهنة للمدرسة ووظيفتها وآليات اشتغالها وأبرز ضعف ملاءمة مردوديتها مع متطلبات التنمية وسوق الشغل. كما بسط اختيارات جديدة ورؤية تربوية وبيداغوجية كفيلة بتجديد المدرسة المغربية وتأهيلها، وإعادة الاعتبار إليها.

هذه مرحلة ما زالت مستمرة. تتميز بسياق متعدد ومركب تؤطره المستجدات الدستورية التي جاء بها دستور 2011 وعلى رأسها إقرار الديموقراطية اختيارا لا رجعة فيه والجهوية المتقدمة اختيارا استراتيجيا لا بديل له والحق في التعليم العصري والجيد حقا لا تمييز فيه. كما تميزت بالعديد من الدراسات والتقارير التقييمية والتدابير والإجراءات، لكننا سنكتفي، في هذا المقام، بالتركيز على الملاحظات التالية:

تأكيد المشاركين في لقاءات التشاور حول المشروع التربوي للمدرسة المغربية كما ورد في التقرير الوطني لهذه المشاورات بأن النظام الأساسي المعمول به حاليا (المقصود هو نظام 10 فبراير 2003 طبعا) يغيب عنه مفهوم الحق والواجب داخل وخارج المنظومة. كما يجسد الضعف في نشر قيم الإخلاص والالتزام وثقافة الواجب من خلال عدم تحديد شروط الممارسة المهنية لكافة الأطر الخاضعة لمقتضياته.

صدور المرسوم رقم 681.11.2 بتاريخ 25 نونبر 2011 في شأن كيفيات تعيين رؤساء الأقسام ورؤساء المصالح بالإدارات العمومية الذي استهدف ترسيخ النهج الحكاماتي ونشر قيم الشفافية والكفاءة والمساواة وتكافؤ الفرص.

صدور المرسوم رقم 672.11.2 بتاريخ 23 دجنبر 2011 في شأن إحداث وتنظيم المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين. وهو القانون الذي أعاد النظر في طريقة تدبير هذه المراكز وبرامجها التكوينية ومسارات التكوين بها والدبلومات التي تمنحها.

دعوة المذكرة الوزارية رقم 99/15 بتاريخ 12 أكتوبر 2015 إلى إرساء آليات المصاحبة والتكوين عبر الممارسة حيث استهدف إحداث آلية لمصاحبة المدرسين أثناء مزاولتهم لمهامهم للرفع من مستوى أدائهم داخل الأقسام الدراسية قصد تطوير الممارسات الصفية والرفع من مستوى التحصيل الدراسي لدى التلميذات والتلاميذ، وذلك من خلال مصاحبة خريجي المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين لتسهيل اندماجهم المهني ومصاحبة الأساتذة الممارسين لتحسين ممارساتهم الصفية، وتشجيع الأساتذة على استثمار التجديدات التربوية وتعزيز تقاسم التجارب وتبادل الخبرات بين المدرسين.

تأكيد المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي في رؤيته لإصلاح منظومة التربية والتكوين (2015-2030) ، في رافعتها التاسعة من مجالها الثاني المتعلق بالجودة للجميع، على أن تجديد مهن التدريس والتكوين والتدبير أسبقية أولى للرفع من الجودة، وأن جودة عمل الفاعلين في مقدمة الأولويات الكفيلة بالنهوض بأداء المدرسة وتحسين مردوديتها وأن المهننة مدخل أساسي للنهوض بأداء هؤلاء الفاعلين.

دعوة المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي في تقريره رقم 03 الصادق في فبراير 2018 إلى جعل التكوين الأساس إلزاميا وممهننا، وإلى نهج تكوين مستمر ومؤهل مدى الحياة، وإلى إرساء تدبير ناجع للمسار المهني، وإلى التحفيز وتحسين ظروف العمل، وإلى إقامة التوازن بين التمتع بالحقوق والالتزام بواجبات وأخلاقيات المهنة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

تأكيد المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي في التقرير ذاته على ما يلي:

أن الارتقاء بمهن التربية والتكوين والبحث العلمي استثمار فعلي في الرأسمال البشري لكونه عاملا أساسيا في إنجاح إصلاح المدرسة المغربية والرفع من قدرات المنظومة التربوية ككل؛

ترسيخ البعد القيمي والأخلاقي للممارسات المهنية؛

تجديد تصور مهن التربية والتكوين من منطلق المكانة المحورية التي تشغلها مؤسسة التربية والتكوين كإطار سوسيومعرفي وثقافي وعلائقي للفعل المهني والتفاعل والمبادرة الخلاقة؛

إعادة الثقة المؤسساتية والمجتمعية في مهن التربية والتكوين والبحث العلمي والتعامل معها وفق منطق الاعتراف والتثمين لكونها تندرج ضمن مشروع التنمية البشرية وليست مجرد خدمات ووظائف مؤدى عنها؛

المزاوجة بين حفز الفاعلين وترسيخ حقوقهم وبين التزامهم برسالتهم التربوية وواجباتهم المهنية والارتقاء بمهامهم وتمكينهم من الظروف الملائمة والمستلزمات الضرورية لمزاولتهم لهذه المهن النبيلة؛

تعزيز المكانة الاعتبارية للفاعلين التربويين وترسيخ الثقة فيهم وتحسين صورتهم لدى المتعلمين ومختلف فئات المجتمع؛

التعبئة المستمرة للفاعلين التربويين بغاية انخراطهم الإيجابي في برامج الإصلاح وتوفير الآليات والوسائل الضرورية لتحقيق ذلك.

خلاصة القول: إن سياق إرساء الجهوية المتقدمة كخيار استراتيجي أولا، وتعثر بناء مقومات الحكامة الجيدة والرشيدة في القطاع ومهننته ثانيا، وتعثر المدرسة في القيام بوظائفها كاملة تجاه روادها وتجاه الدولة والمجتمع ثالثا، وعدم التزام باقي المتدخلين الأساسيين من خارج المنظومة بأدوارهم في تنزيل الإصلاح بسبب الهشاشة في آليات التعاقد والتعبئة الجماعية رابعا، وضعف الانسجام والملاءمة بين النموذج البيداغوجي القائم والنموذج التنموي المنشود خامسا، وضعف استجابة مخرجات المنظومة لحاجيات التنمية ومتطلبات المجتمع وتطلعات الاستثمار سادسا كلها عوامل أدت إلى الاقتناع بضرورة:

تطوير نظام التوظيف وإقرار الأنظمة الأساسية لموظفي الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين والتي تعتبر صيغة متقدمة مقارنة بالنظام الأساسي الأخير لموظفي وزارة التربية الوطنية. لأنها، إلى جانب مختلف المقتضيات ذات الصلة بالحياة المهنية للموظف، أقرت الحقوق مفصلة في المادة 6 والواجبات في المادة 7 بالنسبة لجميع الفئات ثم المادة 13 بالنسبة للمدرّسات والمدرّسين. وهي كلها مقتضيات (- تفعيل مبدأ التلازم بين الحق والواجب) لم تكن واردة في الأنظمة الأساسية السابقة.

مأسسة التعاقد وتقنين الالتزامات من أجل إرساء إصلاح منظومة التربية والتكوين وذلك بالمصادقة على القانون الإطار 17.51 بتاريخ 09 غشت 2019 الذي أقر في مجال الموارد البشرية ما يلي:

مبدأ التلازم بين الحقوق والواجبات التي يحددها ميثاق تعاقدي لأخلاقيات مهن التربية والتعليم والتكوين والبحث يوضع لهذا الغرض من قبل السلطة الحكومية المختصة (المادة 36)؛

تحديد المهام والكفايات في دلائل مرجعية للوظائف والكفاءات تقوم على المرونة والقابلية للتكيف وخصوصية كل مهنة تعتمد لإسناد المسؤوليات وتقييم الأداء والترقي المهني (المادة 37)؛

التكوين الأساسي شرط لازم لولوج مهن التربية والتكوين وفق المعايير المنصوص عليها في الدلائل المرجعية (المادة 38)؛

العمل على مراجعة برامج ومناهج التكوين الأساسي وملاءمتها مع المستجدات وكذا العمل على وضع برامج سنوية للتكوين المستمر والمتخصص من أجل تطوير المهارات وتحسين المردودية وجعل التكوين المستمر إلزاميا وضمن عناصر تقييم الأداء والترقي المهني(المادة 39).

معالم مشروع الارتقاء بمهنة التدريس:

في سياق تفعيل مقتضيات القانون الإطار، ومهننة قطاع التربية والتكوين والبحث العلمي وجب الأخذ بعين الاعتبار ما تعرفه بنية هيئة التدريس والنموذج البيداغوجي من تحولات عميقة ومستجدات نوعية نجملها فيما يلي:

الرغبة المتزايدة والمكثفة في الانسحاب من المنظومة (التقاعد النسبي) التي انتشرت في السنوات الأخيرة؛

نوعية الراغبات والراغبين في الالتحاق بالمنظومة من حيث عدم الانسجام في البنية العمرية؛

عدم الانسجام في المؤهلات والتكوين الجامعي للوافدات والوافدين الجدد على المهنة (إجازة مهنية – إجازة في التربية – إجازة في الدراسات القانونية – إجازة في الدراسات الإسلامية – إجازة في المواد العلمية - إجازة في الدراسات اللغوية – ....)؛

وضعية التكوين التأهيلي والأساس بالنسبة للأفواج الملتحقة بالمنظومة منذ 2016. من حيث مدته ونوعيته التي لم تكن مستقرة وكافية وملائمة؛

علاقة أغلبية هذه التخصصات بمتطلبات إرساء الاختيارات الجديدة في مجال تدريس اللغات وما قد يترتب عنها من آثار نفسية وعلى رأسها الخوف والقلق وضعف الإحساس بالأمان والاستقرار المهني والبحث عن آليات جديدة للمقاومة والدفاع عن النفس.

المقاربات البيداغوجية النشيطة والوظائف الجديدة للمدرسة المواطنة الدامجة وما يستوجبه الإلمام بها وتفعيلها من كفايات معرفية وخبرات مهنية؛

بناء عليه، فإن مشروع الارتقاء بأدوار المدرسات والمدرسين وإرساء مقومات المهننة في قطاع التربية والتكوين في المرحلة الراهنة يستوجب، في اعتقادي، ما يلي:

ثلاثة منطلقات:

المدرّسة والمدرّس فاعلان مركزيان في منظومة التربية والتكوين وجب توفير كل الشروط لضمان اندماجهما في المنظومة بسلاسة وثقة واطمئنان؛

مهنة التدريس مهنة مركبة ومعقدة تتفاعل فيها عدة مؤثرات منها ما يرتبط بمسارات تدبير المهنة أو بمسارات التفاعلات الحاصلة في مجتمعات التعلم أو بالتفاعلات الحاصلة في المجتمع لذا وجب توفير الشروط اللازمة لضمان انخراط الجميع؛

المدرسة مجتمع للتعلم، الكل فيها يتعلم، الكل فيها يحيى الكل فيها مسؤول.

ثلاثة مرتكزات:

المهننة تقوم على معايير ومواصفات وأدوار وقيم مهنية تستجيب لمتطلبات الجودة وانتظارات المجتمع؛

إرساء استقلالية المؤسسة والعمل بالمشروع التربوي والتكامل الوظيفي بين المهن رهان أساسي لتنزيل الجهوية المتقدمة في التربية واللامركزية؛

إرساء آليات مندمجة للتقييم ثلاثية الأبعاد (التعلمات – الموارد – المؤسسة)؛

ثلاثة مداخل:

مدخل التكوين لممارسة المهنة (تعميم إرساء مسارات جامعية خاصة بالتربية –تطوير أنظمة التكوين التأهيلي بالمراكز الجهوية وربطها بالممارسة الميدانية وإسناد التكوين فيها إلى الخبرة والكفاءة بدل الاكتفاء بالشهادات التي قد تكون لا علاقة لها بالمهمة المطلوبة والتكوين المطلوب- ...)

مدخل المصاحبة لتطوير الأداء المهني (إحداث جماعات الممارسات المهنية الخاصة بالمدرسات والمدرسين – تطوير آليات المصاحبة المهنية - إحداث وتطوير قنوات البحث التدخلي المندمج بالمديريات الإقليمية والأكاديمية – ابتكار صيغ جديدة للتكوين المستمر ومنها التكوين بالنظير والمجموعات البؤرية - خلق فرص متابعة الدراسة في المسارات الجامعية الخاصة بالتربية لموظفي القطاع بشروط ملائمة وتفضيلية - ....)

مدخل التأطير للارتقاء بالمهنة وتحصينها ضد كل أشكال الاستغلال والبلقنة والعدمية (تفعيل أدوار الهيئات الوسيطة التي أناط بها المشرع مهمة التأطير والتنظيم كالنقابات المهنية والجمعيات المهنية) بالتركيز على التأطير والتكوين الذاتي والتكوين الجماعي في مختلف المجالات المهنية والمعرفية والمدنية.

ثلاث آليات:

التعبئة من أجل تطوير التعاقدات داخل المنظومة من أجل تحسين المؤشرات الداخلية والخارجية للمنظومة؛

التعبئة من أجل تطوير التعاقدات في مجال تنمية الخبرات المدرسية والارتقاء بالمؤسسات التعليمية حتى تصبح مجتمعات للتعلم، ومجتمعات للعيش المشترك، ومجتمعات للفعل المشترك بدل ان تبقى المدرسة مجرد مؤسسة لتقديم الخدمة المعرفية مقابلة أجر.

التعبئة من أجل إرساء مدرسة المشروع التربوي باعتباره قاطرة النموذج التنموي المنشود. مادامت المدرسة توجد في قلب هذا النموذج التنموي. والمدرس يوجد في قلب هذه المدرسة. والمهننة هي الطريق المعبد للارتقاء بأدوار المدرسات والمدرسين واسترجاع المدرس لمكانته ولثقته في نفسه ومعها يسترجع المجتمع ثقته في مدرسته ومدرسيه.

الخلاصة:

مرحلة المهننة هي المرحلة التي نعيشها اليوم كأفكار واقتراحات وطموحات ومقتضيات قانونية وتدابير تتطلب أولا الحرص على تصريفها بواقعية ورؤية مندمجة في صيغ تنظيمية وإجراءات تدبيرية والتزامات دقيقة. كما تتطلب منا، جميعا، الفهم المشترك والمواكبة الدائمة. فنحن نتطلع إلى أن نعيشها كممارسات وإجراءات تحتكم إلى مؤشرات للإنجاز قابلة للملاحظة والقياس. إنها مرحلة نتطلع فيها كذلك، إلى إرساء مدرسة مواطِنة، مدرسة التعاقدات الكبرى بين المدرسة والمجتمع والدولة من أجل بناء المستقبل. مدرسة تقوم على المهننة المبنية على معايير ومواصفات واضحة ودقيقة تؤطرها اختيارات وتضبطها آليات وقوانين، تجعل المدرسة آمنة بعيدة عن الصراعات الإيديولوجية والاستغلال والاستقطابات. مدرسة الجميع للجميع من أجل مستقبل المغرب. مدرسة ترتقي فيها وبها المدرّسة والمدرّس فيرتقيان وترتقي منظومة التربية والتكوين ومعها يرتقي هذا الوطن العزيز.