الصناعة الثقافية بين الممكن والمستحيل

الصناعة الثقافية بين الممكن والمستحيل

-1-

تعد الثقافة مفهوما مركزيا في الأنثروبولوجيا، يشمل الظواهر التي تنتقل من خلال التعلم الاجتماعي، من السلوك الإنساني، من الأشكال والرموز التعبيرية.

الثقافة هي الكل المركب الذي يشمل المعرفة، العقائد، الفنون، العلوم، القيم الأخلاقية، العادات، الأفكار، المشاعر، الممارسات المتوارثة اجتماعيا، الطقوس، الطبخ، الملابس، الهندسة المعمارية، الأساطير، الفلسفة، المسرح الموسيقى، الفنون التشكيلية النحت، الآداب، التراث الثقافي، وهي كل ما صنعه ويصنعه عقل الإنسان من أشياء ومظاهر ومعارف وعادات، وهو ما يجعلها تلعب دورا فاعلا وبارزا في كل العلوم الإنسانية، علم الاجتماع، علم الإنسان، علم النفس، علم ثقافات المستقبل.

ولا شك أن الموروث الثقافي للمغرب كبير وعظيم وواسع وشامل، موروث تتراكم عليه حضارات متنوعة، أمازيغية، إفريقية، عربية، أندلسية، وهو ما يجعلنا نملك رصيدا ثقافيا غنيا ومتنوعا، يتكون من عدد كبير من المجالات التي تدخل في خامات التراث الحضاري الوازن، الذي يشكل في كلياته ثقافة إنسانية غنية بكل المقاييس.

السؤال: ما علاقة هذا التراث الوازن بالصناعات الثقافية والإبداعية في عالمنا اليوم؟

-2-

الصناعة الثقافية هي كافة الأنشطة والممارسات الاقتصادية التي تتسم بدرجة من التعقيد في تحويل المواد الثقافية إلى سلع وخدمات، فهي تسهم في الرفع من قيمة الرأسمال اللامادي وتطويره ليصبح أداة اقتصادية مؤثرة في التنمية البشرية/المستدامة.

استعمل هذا المصطلح "الصناعة الثقافية" لأول مرة سنة 1947 من طرف الألمانية اوركارمر في كتابها "جدل التنوير"، وبعد ثلاثة عقود أصبح يستعمل في الترويج للمصنفات الفنية والثقافية اقتصاديا بأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.

وحاليا أصبحت الصناعة الثقافية والإبداعية من أسرع الصناعات نموا في العالم، تدر عائدات هامة، وهو ما جعل/يجعل الرأسمالية الثقافية في طريقها إلى التبلور بعدما أثبتت أنها خيار إنمائي مستدام يعتمد على مورد فريد ومتجدد هو الإبداع البشري الذي يقدم للمتلقي حلولا وأفكارا جديدة ومبتكرة نابعة من الخيال، أو من مهارة الابتكار.

ولأن الصناعة الثقافية والإبداعية صناعة واسعة ومترابطة تشمل الكتاب واللوحة والقطعة الموسيقية والبرنامج التلفزي والسينما والمسرح والحرف الفنية والإعلان والسياحة وتصنيع الأدوات الموسيقية والحرف الفنية التقليدية وغيرها، أصبحت هذه الصناعة فاعلة في أي مجتمع، لها قاعدة علمية واقتصادية تمكنها من الانتشار لتكون في قلب عصرها بتفاعلاته وصراعاته وتطلعاته.

في عالم اليوم لا يمكن للمجتمع أن ينجز تنمية بشرية أو تنمية مستدامة في غياب الثقافة الداعمة لخططها، وهو ما يتطلب من السياسات الاقتصادية دعما مستمرا للصناعة الثقافية، وتوفير بنية تحتية متطورة لها. يعني ذلك أن الثقافة أصبحت في قلب الاقتصاد العالمي، تتنافس على استغلال قيمتها المضافة في سبيل تحقيق الأهداف الكبرى للتنمية.

-3-

مغربيا، وقبل أن نتطرق لإشكاليات الصناعة الثقافية والإبداعية، علينا أن نسأل عن الموقع الذي يحتله المغرب اليوم في المجال الثقافي، ماذا قدم المفكرون والكتاب والأدباء التنويريون للثقافة الإنسانية؟ ماهي الفنون التي برع فيها الفنانون المغاربة؟ كم عدد المتاحف والأكاديميات التي شيدها المغرب لاحتضان مواهبه؟ كم شيد من مكتبة عامة لحفظ إنتاج العقل المغربي عبر الأزمان والقرون؟ كم شيد من مسرح وأوبرا لبلورة الإبداعات المغربية؟ من هم علماء ورموز الفكر والفن والمعرفة الذين أطلق المغرب أسماءهم على الشوارع والمتاحف والمعاهد والمدارس...؟

لا شك أن المغرب يملك رصيدا ثقافيا غنيا ومتنوعا، وأن موروثه الثقافي كبير وعظيم وواسع وشامل، يتكون من عدد هام من المجالات التي تدخل في خانات التراث الثقافي القابل للتصنيع، إلا أن هذا الرصيد مازال بعيدا عن تحويل قيمه المعنوية والروحية إلى قيم مادية، أي تحويله إلى صناعة وإلى سلع اقتصادية، على غرار الرأسمال أو الرصيد المادي، وهو ما يجعل المغرب الراهن يحتل رتبا عالمية متدنية إنْ على مستوى التنمية البشرية، أو على مستوى التجهيزات الني تتطلبها الصناعات الثقافية والإبداعية.

حتى الآن، القطاع الثقافي بالمغرب وحده الذي لا يملك ذراعا اقتصادية، كما هو حال القطاعات الأخرى. إن المجالات الثقافية والإبداعية التي أصبحت منتجاتها تصل إلى 10٪ من إجمالي الصناعة العالمية، لا تشكل بالمغرب ذراعا اقتصادية، كما هو حال الصحة والرياضة وصناعة الملابس وغيرها، في حين إن الصناعة الثقافية في عالمنا تمتد من صناعة الأقلام والورق والأدوات التقنية إلى أقراص وأشرطة الكتاب والأغنية والمسرح والسينما، وكل المواد الثقافية المرئية والمسموعة والمكتوبة.

نعم، إن ما نطمح إليه في مغرب اليوم هو أن يكون لنا مشروع ثقافي يقوم على تحديت الثقافة المغربية، لكي تكون ثقافة عصرية قابلة للتصنيع، أن يكون لنا مشروع ثقافي يستمد قوته من الأسئلة المطروحة علينا، ماذا لدينا؟ ماذا يجري حولنا؟ وأي ظروف تحيط بنا؟ وما الذي يتوجب علينا عمله من أجل أن نكون في قلب عصرنا لا خارجه؟ بعد إنجاز هذا المشروع سيكون علينا التوجه إلى الصناعة الثقافية والإبداعية التي أصبحت تشكل طريقا ممكنا ومستحيلا للصناعة التي نطمح إليها في زمن الألفية الثالثة.