العثماني بين الحكومة المرتقبة والتنمية المنشودة

العثماني بين الحكومة المرتقبة والتنمية المنشودة

تعيش الساحة السياسية في المغرب على إيقاع الترتيب للتعديل الحكومي المرتقب مع الدخول السياسي لهذه السنة. التعديل المرتقب ليس تعديلا كسابقيه، كما أنه لا يأتي في ظرف عادي؛ بل إنه تعديل من نوع خاص، ويأتي في ظرفية خاصة تتسم بمعطيين اثنين:

- المعطى الأول هو أنه مطلب ملكي، وتم الإعلان عنه في خطاب العرش الأخير. كما أنه يأتي في ظل الحديث عن الكفاءات، وبعد إعفاء بعض الوزراء بسبب اختلالات في تدبيرهم للقطاعات التي كانوا يشرفون عليها.

- المعطى الثاني يتجلى في كون التعديل الحكومي المرتقب يأتي في إطار الحديث عن أعطاب النموذج التنموي وضرورة إعادة النظر في هذا النموذج، ليرتقي إلى معالجة الاختلالات وتلبية طموح المواطن المغربي وتحسين ظروف عيشه.

على الرغم من هذه الظرفية التي يأتي فيها التعديل الحكومي، فإننا نلاحظ أن الأحزاب السياسية تسارع الزمان لتقوية موقعها التفاوضي وجلب أكبر قدر ممكن من الامتيازات التي من شأنها أن تلبي قسطا كبيرا من شهية النافذين فيها للاستوزار وكأننا أمام أحزاب لا تريد أن تستوعب الدرس ولا رغبت لها في تطوير أدائها الحزبي ومواءمته مع مستجدات الساحة ولا مع طبيعة مرحلة سياسية تمر منها البلاد عنوانها الرئيسي: الكفاءة والتنمية.

بعيدا عن الحسابات السياسية سواء وسط الأحزاب المشكلة للحكومة وكذلك بعض الأحزاب المحسوبة على المعارضة، فإن المسؤولية تقع بالأساس على رأس السيد رئيس الحكومة؛ فهذا الأخير هو من تم تكليفه من قبل جلالة الملك بالتعديل الحكومي، وهو المطالب بالتقاط الإشارات الملكية التي تحدثت عن الكفاءة ونموذج تنموي جديد للبلاد.

الأكيد أن السيد رئيس الحكومة في وضعية لا يحسد عليها. وأكيد أنه يخضع لضغوطات من قبل أحزاب التحالف الحكومي التي تتعامل مع التعديل المرتقب بمنطق الربح الحزبي وليس الربح التنموي، وبروح سياسية سائدة منذ عقود وكأن الواقع السياسي لا يتحرك. كما أن هذه الأحزاب لا تريد أن تعي بأن البلاد أصبحت في مفترق طرق وأن عليها اختيار طريقها التنموي وهو طريق يفرض عليها تطوير أدائها وتجويد طريقة عملها لتكون في مستوى المرحلة. كما أن عليها أن تجتهد لتكون قادرة على مسايرة مضامين الخطابين الملكيين الأخيرين بمناسبة عيد العرش وثورة الملك والشعب. أما الاكتفاء بتصريحات لتثمين مضامين الخطاب الملكي وفي التفاوض حول تشكيل الحكومة يتم إغراقها بكتاب الدولة وكأننا نفصل هيكلة الحكومة لتلبية شهية كل من له نفوذ ويتهافت على الاستوزار، فهو أمر أصبح غير مقبول في مرحلة بناء التنمية، وعلى الأحزاب بذل جهد للارتقاء بأدائها التقليدي وأن تجعل خدمة الوطن وتنمية البلاد وتحسين شروط عيش المواطن فوق كل اعتبار.

المسؤولية إذا تقع على السيد رئيس الحكومة المطالب بالالتزام بروح الخطاب الملكي ودفع الأحزاب بدورها لتتمثل هذه الروح في مفاوضات التعديل الحكومي. إذا كان الخطاب الملكي بمناسبة ذكرى 20 غشت تحدث عن نموذج تنموي جديد، فإن البداية ستكون بطبيعة الحكومة المرتقبة التي يجب أن تُعطي إشارة قوية للمواطن المغربي تجعله يطمئن على مستقبله وتُنَمي فيه روح الأمل والتفاؤل بغد أفضل. أما حكومة كسابقاتها من 39 وزيرا، بينهم عشرات كتاب الدولة ووجوه لا ترتاح لها عامة الناس، فذلك أقل ما يمكن أن نقول عنه أنه بداية سيئة.

لا يعقل، ونحن نعمل على بناء نموذج تنموي جديد، أن تكون بلدان متقدمة ونامية تعتمد حكومات مُقلصة من أجل فعالية أكبر وتكلفة أقل ونحن الذين ما زلنا نبحث عن طريق التنمية والتقدم، نُغرق الحكومة بالوزارات وكتاب الدولة لتكون النتيجة معكوسة أي تكلفة أكبر وفعالية أضعف.

على سبيل المثال: سنغافورة، التي بلغ ناتجها الداخلي الخام 324 مليار دولار، حكومتها مشكلة من 16 وزيرا فقط؛ وإسبانيا يبلغ ناتجها الخام 1،3 بليون دولار (البليون=ألف مليار) وحكومتها مشكلة من 18 وزيرا؛ البرتغال يبلغ ناتجها الخام 217،6 مليار دولار وحكومتها مشكلة من 17 وزيرا؛ وفي بلدنا الذي لا يتعدى الناتج الداخلي الخام 109،1 مليار دولار حكومتنا تضم 39 وزيرا.

مقارنة بسيطة مع البرتغال التي يفوق ناتجها الداخلي الخام 200% نظيره المغربي أي أن البرتغال تنتج ثروة هي ضعف ما ينتجه المغرب، في حين عدد وزرائنا في المغرب يفوق نظيره في البرتغال بـ226% بمعنى أن وزراء الحكومة المغربية يفوقون نظراءهم في البرتغال بأكثر من الضعف. أما الدول التي يتجاوز ناتجها الداخلي الخام 2،5 بليون دولار فعدد وزرائها لا يتجاوز 31 في فرنسا و15 في ألمانيا.

استنادا إلى هذه المعطيات، وتحقيقا لمنطوق الدستور الذي يربط المسؤولية بالمحاسبة؛ فإن الأحزاب، التي تريد الدفع بعدد كبير من أعضائها للاستوزار وتجد في مقدمتهم زعيم الحزب، عليها أن تقطع وعدا للمغاربة في قدرتها على خلق الثروة ومضاعفة الناتج الخام الحالي والزيادة في نسبة النمو. إن استطاع المتهافتون على الاستوزار تحقيق هذا الإنجاز، آنذاك ينطلق الحديث عن التوزيع العادل للثروة وتقليص الفوارق الاجتماعية ومحاربة الفقر. هذه هي لغة النموذج التنموي الجديد، وهذه هي روح الخطاب الملكي. والأكيد أن الأحزاب السياسية إذا سارت على هذا النهج ستفكر أكثر من مرة قبل المطالبة بعدد كبير من المقاعد الوزارية، ولربما لم تجد من تستوزره من داخل حزبها؛ لأن المسؤولية جسيمة وكبيرة تتطلب الكفاءة والابتكار وليس عنوان حزب سياسي فقط.

*باحث في التنمية وتكنولوجيا الإعلام والتواصل