الغذاء حاجة بيولوجية وممارسة ثقافية

الغذاء حاجة بيولوجية وممارسة ثقافية

لقد ربط سبحانه وتعالى بين إعمار الأرض بالعمل والإنتاج من جهة، وأكل ما يتحصل من هذا الجهد، وبين استحضار الغاية من وجوده، والمصير الذي سيؤول إليه، من جهة ثانية، في العديد من الآيات: «فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه، وإليه النشور». وهي دالة على تمكينه من الأرض، وتسخير له ما عليها من دواب وغيرها؛ فاندماج الرمزي بالمادي هو ما يميز سلوك البشر، مهما اختلفوا عقيديا، وتباعدوا حضاريا. مع تنوع الممارسة واختلاف السياق.

الأبعاد الرمزية للغذاء

إن حضور الغذاء، بأبعاده الدينية والرمزية، لا يقل عن أبعاده البيولوجية؛ فأدب الطعام والولائم حافل بالأدعية السابقة واللاحقة للوجبات، كما حثت الأديان على اتخاذ الإطعام وسيلة للتكفير عن الذنوب والخطايا. كما اعتقد فيه الكثير أنه كاف لدفع البلاء والمصائب، وأنه أيضا وسيلة للشكر والحمد حين النجاة من الملمات.

ويختلف شكل الإطعام ونوعيته، من بيئة إلى أخرى، تبعا لعقيدة أهلها وثقافتهم؛ فقد تحرم شريعة ما غذاء، في حين تجعله أخرى قربة يتقرب بها. وقد يحرم في زمان ويباح في غيره من الأزمنة. ونصوم نهار رمضان، لغايات تعبدية، هي نفسها كانت وراء التنصيص على عدم إباحته في أيام التشريق، التي قال عنها الرسول (ص): «إنها أيام أكل وشرب وذكر لله». هذه الإشارة التي عض البعض بالنواجذ على الأمر بالأكل، وغفل عن الذكر الذي له أوجه كثيرة، ديس تحت أقدام التقاليد التي طغت على غيرها، ونحن نحيي سنة الأضحى.

مفهوم الأمن الغذائي وانعكاساته الصحية

لقد لفت القرآن الكريم الأنظار إلى نعمة الأمن الغذائي، الذي يتحقق برحلتي: الشتاء والصيف، الموجب للحمد. كما أن السعي إلى كسب رهانه دل عليه أكثر من شاهد؛ وهو ما يفسر حرص الإنسان على توفيره لنفسه ولمن يعول، حتى اختزل كل الكد والجد في تحصيل «طرف الخبز»، كما بالنسبة للبعض، ونوعًا لآخر.

ولأهمية الموضوع، أنشأ العالم منظمة عالمية تهتم بشؤون الغذاء والزراعة، في إطار الأمم المتحدة، تعمل جنبا إلى جنب العديد من الهيئات الأخرى: السياسية والحقوقية والثقافية وغيرها. والتي عرفت الأمن الغذائي بـ: «حصول جميع السكان وفي جميع الأوقات على أغذية كافية ومأمونة ومغذية تلبي حاجتهم وأذواقهم الغذائية لكي يعيشوا حياة ملؤها النشاط والصحة»؛ فلم يعد توفر الغذاء كما وهو ضروري، كاف لتحقيق الأمن الغذائي، ما لم يحتو على العناصر الاقتياتية، الضامنة لنمو سليم، ولصحة بدنية وعقلية ونفسية، القمينة بدفع متناوله إلى الحركة والإنتاج، مساهما في البناء الحضاري لأمته.

إن الوجبة التي تلقي بالمرء إلى أقرب ركن للاسترخاء من عناء جهد الهضم، وكأنه خارج للتو من معركة، والتي تشل أطرافه عن الحركة وأداء حتى العبادة، كما نشهد ذلك عند الإفطار في رمضان، وأيام الأعياد وكل المناسبات. فتغدو العملية الغذائية مجرد تكديس للدهون ومصدرا لكثير من الأمراض كالسمنة، وما يستتبعها من المتاعب الصحية، والتي يعتبرها الكثير في الوطن العربي علامة على الرخاء ورغد العيش.

أهمية الغذاء في الاجتماع البشري

إن «مفهوم الأمن الغذائي نفسه متغير حسب ثقافة الغذاء الإنساني» (سلف برونيل)؛ فنجد ثقافة تعلي من شأن الأكل في الأفراح والأتراح، يحضر في الحل والترحال، ومصدرا للتباهي وإعلان التميز، واستجلاب الذكر الحسن بين القوم. وحضوره يغطي على كل أشكال الحضور الأخرى، ويقزم جدواها. لا يستطاب نشاط إلا إذا صاحبه الأكل وأخذ مركز الصدارة: فالرحلات والأسفار لا تستطاب إلا إذا اتخذ الأكل بنزينا ووقودا يذكي الحماس لمتابعته. والمنتديات لا يكتب لها النجاح، إلا إذا كان الأكل يؤثث موائدها، أما الأفكار فتأتي لاحقا. والولائم أصبحت وسيلة لاستقطاب الأنصار والمريدين، وشراء الذمم، والعزاء لا تصل مواساته، كما التهنئة لا يستحقها أهلها، إلا إذا نصبت الخيام، وأريقت الدماء، وعلا دخان التنور في الأجواء. هذا الحضور والذي مثل «منذ فجر التاريخ وإلى الآن أكثر من مجرد ضرورة حيوية». وهم ما جعل أكبر الإمبراطوريات تقوم بمحاذاة الأنهار، كالنيل ودجلة والفرات واليانغستي بالصين. كما استعملته الدول وسيلة للضغط أو الابتزاز السياسي في إطار ما يسمى بالمساعدات الغذائية. بل تعدى الأمر تطويع الإنسان، إلى تطويع الآلهة وجلب رضاها بإطعامها وتقديم لها القرابين. وهكذا نجد أن الغذاء احتل كل المساحات: السياسية والدينية وغيرها.

وثقافة أخرى تحصره في مهمته الطاقية، للانطلاق في الأرض لعمارتها، والاستمتاع بما تتيحه الحياة من مباهج ليس الأكل أهمها. فسعت إلى تحطيم ما يقوم به التنظيم الاجتماعي، المتمثل في الوجبة الجماعية، وتعويضها بالأكلات السريعة والصناعية، ربحا للوقت والتفرغ لما تعتقده أهم. فنجد البعض يتناول وجبته وهو يطلع على بريده الإلكتروني أو تصفح المواقع الإلكترونية... تحت ضغط الزمن الذي لم يعد يسعف الإنسان في إنجاز ما يرغب فيه، وما هو مطلوب منه؛ وهو ما أدى إلى تحول رهيب في نمط الأغذية وعولمتها، فأصبح يشكل تهديدا حقيقيا لصحة البشر، ميسوريه قبل فقرائه، بالإضافة إلى انعكاساته السلبية على البيئة. الشيء الذي دفع أمثال كيلوغ أن يصرخ: «إنه لمن الخطيئة أن نستلذ الطعام".

اختلالات النمط الغذائي وانعكاساته التنموية

أصبح الغذاء التنموي مطلبا للعديد من المنظمات والهيئات على المستوى العالمي، حيث يعد الجوع معيقا للتنمية. فـ«القضاء على الفقر المدقع وتحقيق التنمية المستدامة أمر غير ممكن بدون توفير غذاء يكفي للجميع» (بان كي مون). حيث يعاني حوالي 821 مليونا من ساكنة العالم من الجوع، ولا تجد ما تسد به خصاصها من الغذاء في أدنى مستوياته، بغض النظر عن نوعيته. بالمقابل نجد مجتمعات الوفرة تسكنها هاجس نوع الغذاء. وتعاني البلاد العربية من الاختلالين معا؛ فمن جهة، هناك حوالي 33 مليونا يعانون من نقص الغذاء، وهو رقم مرشح للارتفاع. وقد كان وراء موجة الربيع العربي، حسب جين هاريغان. ومن جهة ثانية، هناك هدر غذائي، حيث يقدر الخبراء أن ثلث ما ينتج من الطعام مصيره القمامة، وتزداد كميته في المناسبات الاجتماعية والدينية، هذه الأخيرة التي تشهد لهفة على تخزين الأطعمة، حتى يخيل للمرء وكأن الأمة مقبلة على فترة مجاعة. الشيء الذي يتناقض مع موروثنا الثقافي والديني، الذي لا يحصر الاحتفال بالعيد في الطعام فقط، والحافل بقيم الاقتصاد والكياسة، والتي بغيابها، ارتفعت نسب الأمراض المرتبطة بالتخمة الغذائية، أو بالاعتماد على الغذاء المصنع بالوسائل التكنولوجية.

فلهول ما أصاب العالم من فقدان الغذاء، أو نوعيته لدى آخرين، جعلت الأمم المتحدة تضع من أهداف الألفية للتنمية المستدامة 2030: «القضاء على الجوع وتوفير الأمن الغذائي والتغذية المحسنة وتعزيز الزراعة المستدامة». لكن هذه النوايا المعلنة، لا يمكن لها أن تعرف طريقها إلى التحقيق، ما لم نقم «بما نأبى القيام به، أي التوجه نحو تغيير جذري في سلوكنا الغذائي» (جاك أتالي).