نشوز أم دلال تركي؟؟

نشوز أم دلال تركي؟؟

حرضت صفقة صواريخ S400 بين تركيا وروسيا الكثير من التعليقات حول مآل تركيا داخل حلف الأطلسي الذي تنتمي إليه؛ فالصفقة لا تخرج عن صنف الصفقات المألوفة في المجال العسكري فقط، بل ويعسر هضمها من قبل المحللين الإستراتيجيين، غريبة إلى درجة أنها جعلت تركيا كتلك الزوجة المتمردة التي تعقد قرانا جديدا قبل أن تتخلص من زوجها الحالي، أي صفقة لا تتناغم مع (الذوق ) ومع الولاء المفروض أن تبرهن عليه تركيا لحلفائها الإستراتيجيين. وبالتالي، نفهم كيف أنها تخلط الأوراق بشدة على الساحة الدولية بالنظر إلى الدور المتعاظم الذي أصبح لأنقرة في الكثير من الملفات التي وضعها مؤخرا الربيع العربي على طاولتها.

والحقيقة أنه مع تفانين إردوغان في نصرة الإسلام السياسي لم يعد يستبعد أن يصدر منه مثل هذا السلوك تجاه أصدقائه الأصليين لإظهار امتعاضه أو عدم رضاه عن التصرفات (الرعناء ) للراعي الأمريكي حياله، خصوصا حين يدير ساكن البيت الأبيض ظهره للإسلاميين ويضرب صفحا عن ترديد معزوفة النموذج التركي المعتدل المتماهي مع العلمانية التي كانت تخدم الأحلام العثمانية الوردية في العودة إلى العالم العربي من بوابة الإسلام المعتدل.

بهذه السياسة المناهضة حاليا للإسلام السياسي تسحب أمريكا البساط من تحت قدمي إردوغان، الذي كان قد تحول إلى قِبلة لكل الإسلاميين التواقين لاستنساخ التجربة التركية والإمساك مثله بناصية الحكم. زد على ذلك شعور إردوغان نفسه بالاغتراب داخل حلف الناتو. هذا الشعور الذي ظهر واضحا في سياسته الخارجية المتمردة التي صار ينهجها تجاه الحلفاء الغربيين، وخاصة بعدما صمت الأمريكيون والأوروبيون عن التنديد الواضح بمحاولة الانقلاب الأخيرة الفاشلة في أنقرة، بل وصدور مؤشرات عنهم دل على أنهم كانوا فوق ذلك متعاطفين مع الانقلابيين ويتمنون نجاحهم. دون أن ننسى بطبيعة الحال امتعاضه من إصرارهم على إيواء عدوه اللدود فتح الله غولن وتبخيسهم المدبر لليرة التركية للتنغيص عليه اقتصاديا.

لكن لإردوغان أيضا مآرب أخرى يتطلع إلى قضائها من هذه الصفقة المثيرة للجدل مع فلاديمير بوتين؛ منها:

1ـ تكريس صورته كزعيم لا يقف عند حدود تحقيق نهضة تركيا الاقتصادية، بل يتخطاها لتحقيق عزتها الإستراتيجية والعسكرية إقليميا ودوليا؛ وهو ما يضفي على حكمه بعدا سلطانيا وتوسعيا عزيزا على قلبه يتجاوز زعامة الأمة التركية إلى تنصيب نفسه مدافعا أول عن بلاد الإسلام يهيئ ما استطاع من عدة ومن رباط الصواريخ.

2ـ إظهار تركيا الحليفة لأمريكا بسبب عضويتها في الناتو في إهاب الغريمة لها والمستهدفة منها، مما يقوي الالتفاف حولها إسلاميا من طرف الجماهير العربية الرافضة للانبطاح أمام الغرب، النافرة من كل من يمالئ الشيطان الأكبر أو يتهاون أمام رغبته في الاستيلاء على مقدرات بلدانها؛ فإردوغان يعرف أن الجماهير العربية عاطفية جدا لا تحكم عليك إلا من خلال درجة الوئام أو الخصومة التي تجمعك بأمريكا.

3ـ رغبة إردوغان في التنطع على الشريك الأمريكي وتبصيره بأن أرض الله واسعة وأن روسيا يمكن أن تكون شريكا قويا لتركيا، خصوصا إذا استمر تجاهل التطلعات التركية للاندماج في الاتحاد الأوروبي وعدم التعامل معها بالعدل كحليف له نفس الحقوق لا حليفا أدنى وأبخس درجة من باقي الحلفاء الغربيين.

يعتقد الكثيرون خاطئين أن تركيا لا تعزف على نفس الوتر العسكري مع أصدقائها الغربيين، وأن ما قامت به يشكل نشوزا عن أهداف الحلف، وارتماء لا يستسيغه المنطق وأعراف الأحلاف العسكرية في حضن الغريم التقليدي للولايات المتحدة الأمريكية منذ الحرب العالمية الباردة، أانها ستواجه تبعا لذلك عقوبات أمريكية ثقيلة، وستدفع الثمن باهظا؛ بينما تركيا ترى نفسها لا تقوم بغير توظيف الفزاعة الروسية بدهاء لتتمنع وتتدلل على أمريكا وتحذرها مما قد تخسره جراء تنكرها لها كشريك يعول عليه إقليميا. فإذا عز الحضن الأمريكي فهناك من يحضنها شرقا وشمالا ويغمرها بصواريخه وأنظمته الدفاعية، خصوصا لما ينزع عنها الغرب صورة النموذج الأمثل الذي يحتذى به.

إنها تطالب أمريكا بهذه الصفقة المدروسة جدا في دهاليز مؤسسات التخطيط الإستراتيجي التركية بأن تكون تركيا الوكيل الحصري لحلف الأطلسي في منطقة الشرق الأوسط كلها من خلال التبشير أمريكيا ومن جديد بالإسلام العلماني لحزب العدالة والتنمية وتقصره تركيا في العالم العربي المثخن بالمشاكل المزمنة من دون بقية الأمم الإسلامية الأخرى التي تعاملها معاملة الند للند وأولهم إيران الخامنئي.