السراويل القصيرة والحروب الصغيرة

السراويل القصيرة والحروب الصغيرة

من المساوئ البارزة للنقاش السياسي في بلادنا ميله الشديد، في جانب منه، إلى اختلاق المعارك الصغيرة، وإذكاء نيران البلاغات والردود الشخصية، والبحث عن الفرص وانتظار المناسبات لتصفية الحسابات الذاتية، الفكرية منها والسياسية، بعيدا عن الميدان الحقيقي والموضوعي لخوض المعارك؛ وهو ما يعني أننا نضيع المزيد من الوقت في صناعة المزيد من التباعد والتقاطع بين المكونات والأطاريح المختلفة، مما يضر بقضايانا الأساس، ويؤجل مواجهتنا لمعضلاتنا الجوهرية.

نعم، الشكر موصول والتقدير الجميل واجب لكل من أحب هذا الوطن، وأسدى له خدمة، من قريب أو بعيد، حتى وهو سائح عابر، أتانا ضيفا، يطلب كرمنا وحفاوة ديارنا وأهلينا، لا عاقل في بلادنا يقول بعكس هذا.. شكرا لهؤلاء الشابات البلجيكيات على هذه الالتفاتة الجميلة والمعبرة، والتي تدعونا إلى التوقف قليلا، بقصد التفكر وأخذ العبرة، بعيدا عن حرب السراويل، والصراعات الوهمية بين الثنائيات الضدية، التي يتم النفخ فيها كثيرا في بلادنا، الأصالة والمعاصرة، المحافظة والحداثة، الرجعية أو الظلامية والتقدمية وهلم جرا..

دعونا قليلا نفكر في بعض الأسئلة الأساس، لماذا ظلت العديد من طرقاتنا، وممراتنا على هاته الحال، مدة ليست باليسيرة؟؟، لماذا نحكم على مجموعة من المواطنين الغلبة بهذا النوع من العزلة القاتلة، والحرمان من كل شيء؟، لماذا لم نستطع تشييد مسالك وطرق جديدة بالمواصفات الدولية، إلا فيما نذر، وظللنا لأكثر من خمسين عاما نستعمل طرقات ومسالك المعمرين؟، وحين ننجز طريقا، نشد على قلوبنا كلما حل الشتاء، خوفا من انهيارها على رؤوسنا، أين تذهب الميزانيات المرصودة للإصلاح؟.

ما تقوم به مؤسسات المجتمع المدني من شراكات ومبادرات شيء جميل، ولكنه لا يغني عن المسؤولية الأساس، الجمعيات وجدت لتساعد في حدود ما تطيقه أنشطتها، ولكنها لا تنوب عن الفاعل الرئيس، والمسؤول الرئيس، إلى متى سنظل ننتظر من يأتي من قريب أو بعيد ليعلمنا أصول العمل، وفروض الإتقان؟ كان على ضيفاتنا البلجيكيات وغيرهن أن يجدن طريقنا معبدة، ومسالكنا مبلطة، بعد ستين عاما من الاستقلال.

هذه بعض عناصر النقاش الجدي الذي علينا فتحه _ في نظري _ بدل التقاذف بتهم الإرهاب والانحلال الخلقي، بين مكوناتنا الفكرية والسياسية. لست أدري كيف يحلو للبعض أن يتحولوا إلى مخبرين، يمدون الجهات الأمنية بأسماء الإرهابيين، ومخالفي القانون، وكأن بلادنا غارقة في أتون التطرف البغيض، مما يؤسف له غاية الأسف؟

من معضلات النقاش الفكري والسياسي في بلادنا هذا الخلط أو التخليط في الأدوار، وهذه الرغبة غير المفهومة في القضاء على المخالفين، عبر اختلاق حروب صغيرة، تبعدنا كثيرا عن قضايانا الأساس.