عريضة امحمد خليفة.. أي آفاق؟

عريضة امحمد خليفة.. أي آفاق؟

قبل 20 سنة، أطلق 500 مفكر وعالم ومثقف، نداء للاعتراض على مشروع ميثاق التربية والتكوين سنة 1999.

وقد ذكر الراحل، الدكتور إدريس الكتاني، في كتابه الصادر سنة 2000، "ثمانون عاماً من الحرب الفرنكفونية على الإسلام واللغة العربية"، تفاصيل القصة، وأخبرني ذات مرة وأنا في بيته، أنه شعر بالحسرة والضيق والألم، بعد أن مررت الدولة المشروع، غير عابئة بالاعتراضات والعرائض، وأضاف قائلا، الدولة لاتحفل لا بالعلماء ولا بالمفكرين ولا بالمثقفين ولا بأهل التخصص ولا بالعرائض ولا بأي شيء.

مبادرة القيادي الاستقلالي، امحمد الخليفة، مبادرة مهمة، لصالح الرافضين لبنود فرنسة تعليم العلوم، التي احتدم بشأنها الصراع خلال الثلاث أسابيع الأخيرة، لكن…

ألم يكن من الأفضل تجنب آلية العرائض، التي جربت مئات المرات، أو على الأقل الاقتصار في التوقيعات على طبقة وشريحة من الموقعين؟.

إن إعطاء الانطباع من خلال التوقيعات، أن المعركة معركة حركة إسلامية، هو رهان فاشل ومعركة خاسرة، شأن معارك ومحطات سابقة،

يحتدم فيها النقاش المجتمعي والصراع السياسي، ينبري قادة الحركات والتيارات الإسلامية، لإصدار بيان، وتوقيع عريضة، تحتل أسماء القادة المراتب الأولى، ثم تذيل بمئات أسماء الأتباع الملتحقين، وينتهي الأمر. قبل حوالي أسبوعين، حدث نفس الأمر، أطلق مائة شخص، عريضة، ثم تبناها نشطاء، وحولوها لعريضة شعبية، لم تفلح إلا في جمع حوالي 2200 توقيع، لحد كتابة هذه الأسطر.

فهل ستكون مبادرة امحمد الخليفة نسخة ثانية من تلك العريضة، عريضة من أجل العريضة، توقيع من أجل التوقيع؟

الظاهر من الأسماء الموقعة، أنه نعم.

عريضة تعطي انطباعا من خلال أسماء كثيرة، أن الأمر يتعلق بمعركة أخرى للحركة الإسلامية ضد خصومها.

كان الأمر سيكون مختلفا ومؤثرا بشكل أكبر، لو تم الاقتصار على سياسيين ومثقفين وأكاديميين ونشطاء حقوقيين ونقابيين وفنانين وممثلين…

ليس هناك إشكال أن تضم اللائحة إلى جانب ذلك، قيادات إسلامية وازنة، ذات شهرة وصيت عالمي، مقبولة داخل أطياف أخرى… لكن ملأ العريضة بأسماء قيادات الصف الثالث وحتى الرابع، داخل حركات إسلامية، بعضها منغلقة على أتباعها وأنصارها، هذا حتما رهان خاسر.

لايتعلق الأمر، بعرائض الحركة الإسلامية، بل كل عريضة تركب على التقاطب المجتمعي، وتقسم المجتمع تقسيما إيديولوجيا أو عقائديا، وتنصب نفسها متحدثة باسم القيم التي ينبغي أن تسود، لايمكن إلا أن تفشل فشلا ذريعا، كما هو شأن عريضة تغيير نظام الإرث، التي أطلقها أصحابها التنويريون، مثل بالون اختبار، ثم لاذوا بالصمت، بعد أن صدموا بحجم التجاوب مع مبادرتهم، واقتصاره على بني جلدتهم وقبيلتهم.

إن عرائض الأسلمة وعرائض العلمنة، ينظر إليها المجتمع بريبة، ينظر إليها على أنها عرائض لاتعنيه، تخص أصحابها في إطار صراع المواقع، فينأى بنفسه عنها.

مبادرة امحمد خليفة، كانت ستكون بتأثير أكبر، لو اقتصرت على الشخصيات الوطنية، وأهل التخصص، والفاعلين الوازنين في المجتمع، ولا بأس بالشخصيات الإسلامية التي اكتسبت رمزية نضالية وطنية أو حتى إقليمية أو دولية، والاقتصار على عدد محدود منها.

أما وأن الأمر غير ذلك، فإننا أمام عريضة تشبه سابقتها، لتلحق بسابقاتها، وتوضع على الرف، ليعلوها الغبار، ثم لنتفقدها بعد عشرين سنة، كوثيقة تاريخية، وحتى بمنطق تسجيل موقف للتاريخ، ينبغي انتقاء الموقعين، ليكونوا في مستوى الحدث التاريخي.