خسائر جسيمة في غياب المواطنة عن قناعاتنا

خسائر جسيمة في غياب المواطنة عن قناعاتنا

المواطنة والديمقراطية أية علاقة

إن موضوع المواطنة، كما تنص عليه وثائق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، تناولته دراسات أكاديمية وحقوقية بحتة لتستخلص أن بنية المجتمع الحداثي وتماسكه يقتضي إيجاد صمام أمان يتجسد في روح المواطنة، وهو بمثابة إسمنت مسلح يربط بين جميع مكوناته. كما أثبتت دراسات سوسيوقتصادية، ذات طابع ميداني صرف، أن هناك علاقة جد متينة بين المواطنة والديمقراطية؛ فكلما كان هناك اعتراف وتبنّ لحقوق المواطن من قبل نظام سياسي ما، كلما أمكن إيجاد مناخ للديمقراطية، وبالتالي وجود تنمية حقيقية. والعكس صحيح. على أن غياب روح هذه المواطنة لدى الفرد وبالمعنى الذي يكفل له العيش الكريم، ويشركه كعنصر فاعل في التنمية البشرية له عواقب وخيمة. سنحاول تشخيص بعض مظاهرها لدى الفرد والمجتمع عامة والخسائر المادية والأدبية الجسيمة المترتبة عنها.

وفي سبر لأعماق حياتنا اليومية من خلال استعمالاتنا، كأفراد ومجتمع، للمرافق الاجتماعية كالتعليم والصحة... سنقف على شعور عارم بالتذمر لدى شريحة واسع من هؤلاء المرتفقين يتحول ببعضهم إلى عدوانية سافرة تجاه الوطن ومؤسساته وممتلكاته، تتجلى في أنماط سلوكية مخربة، سنعرض لها تباعا فيما يلي:

التعليم وغياب المواطنة

نلاحظ على مستوى التجهيز أن هناك وسائل وأجهزة ومعدات عديدة وبنفقات مليارات الدراهم دب إليها العطب والشلل في ضوء غياب شبه تام لأجهزة الصيانة والترميم، وكأن هذه الأخيرة هي الأخرى نخرتها "سوسة" ضعف أو انعدام روح المواطنة... ولسان حالها يقول: "فليذهب الكل إلى الجحيم ما دام لا ناقة لي ولا جمل فيها" ! أو "ما دامت الدولة لا تكترث لحاجياتي"... إلخ.. فأجهزة الحواسيب والاستنساخ التي تعد بعشرات الملايين تحولت، في ظرف وجيز وقياسي، إلى حظيرة المتلاشيات! كما أن واقع مختبراتنا التربوية، في المؤسسات التعليمية، يشهد على عطل شبه مشلول لأجهزة ومعدات ووسائل تعليمية، ومختبراتية بتكلفة تكاد تتجاوز مليار من السنتيمات في كل مؤسسة.. كما أن تبعات انعدام هذه الروح تلقي بظلالها على سيارات الدولة التي لا تعيش في المتوسط أكثر من سبع سنوات... حتى تنضم إلى أسطول "المتلاشيات ". !

الصحة وغياب المواطنة

في مجال الصحة: إذا حاولنا تشخيص ومعاينة واقع تجهيز مستوصفاتنا ومستشفياتنا، سنقف على خسائر تعد بعشرات المليارات من السنتيمات تطال العبثية بمستوى التجهيز والصيانة.. كان الأمر متعلقا بالمعدات أو وسائل التشخيص والإنجاد والإسعافات كلها وسائل متهالكة، وكأن أيادي مستعمليها هي أيادي وأذرع لماكينات فولاذية وليست بشرية!.

وقد نقف على خسائر أكثر فداحة مما يتصور المرء إذا نحن أجرينا مقطعا تشريحيا في كل المجالات القطاعية والخدماتية بمؤسسات الدولة ومكوناتها بكلفة مئات الملايير من الدراهم من التجهيزات والآليات والمعدات والوسائل أصيبت بالتلف في زمن قصير، قد لا يتجاوز في المتوسط ست إلى سبع سنوات .

روح التخريب بدلاً من روح المواطنة

يواكبنا في حياتنا اليومية انعدام هذه الروح "روح المواطنة" لدى شرائح عريضة من المجتمع بمختلف مشاربه.. ففي القطارات ومحطاته يخجل المرء من نفسه إذا دخل دورة المياه، حتى ولو كانت في الدرجة الأولى... كيف لأناس وما أكثرهم يلوثون وفي أحيان كثيرة يمزقون ويعطلون أدوات وأجهزة معدة أصلا للسهر على راحتهم ؟!

روح التخريب هذه عادة ما تقترن لدى الفرد بشعور "عدم الملكية"؛ وهي رد فعل بشعور الإجهاز على كل شيء يقع تحت يده ما دام هذا "الشيء" غريبا عنه، ولا يمت إليه بصلة أو لا تربطه به شراكة ... حتى الشغل أو الوظيفة التي يزاولها تأخذ حصتها من هذه الروح المدمرة "انعدام روح المواطنة وروح المسؤولية"... لذا نجد أعدادا غفيرة من الموظفين في القطاعين معا، وخاصة القطاع العمومي، لا يتجاوز حجم عمل الواحد منهم %60 من الحجم المطلوب. هذا على مستوى الكم، أما على مستوى الكيف و"الجودة "والإتقان فحدث ولا حرج، وقد لا نبالغ إذا قلنا بأنها لا تتجاوز في أحسن الظروف % 20 من درجة الإتقان والجودة المنتظرة !. وهذه "السوسة" ملحوظة في وثائقنا ومستنداتنا الإدارية وكذا تقاريرنا، ومنجزاتنا عموما، فالأخطاء والأعطاب واضحة وفي تزايد مستمر، حتى إن المواطن العادي الذي يريد اقتناء شقة سكنية، لا بد له أن يضع في الاعتبار أن العيوب والشقوق ستزوره حتما في عقر داره "الجديدة " بعد حين!

الغش مرادف لانتفاء روح المواطنة

أما مرافقنا العمومية كالطرق والمعابر والقناطر فما زال لسان حال العموم يلهج بمقدرات المستعمر في متانة البناء والتشييد، وأحيانا يبكي أمجادا ولت... وإلا فما معنى أن تنهار قناطر ومعابر ومسالك طرقية صرفت عليها ملايين الملايين، بنيت بالأمس القريب فقط، في حين ظلت طرقات وقناطر "الفرنسيس " قائمة إلى اليوم !!.

نعم روح الغش قد تكون مرادفا لانعدام روح المواطنة المسؤولة.. فيقع البلد كله تحت طائلة النهب والسرقة والتخريب... والتي تكلفه مليارات الدولارات، تتجدد كل حين أشبه بسرطان لولبي ذي خراطيم متعددة تسكن في دواليب الدولة ..وتكلفتها المالية هذه قمينة بأن تواجه كل التحديات والصعوبات الاقتصادية التي يشتكي منها مغربنا.

روح المواطنة وآفة غيابها

بيد أن جهاز المراقبة والزجر والمتابعة لدينا في ظروفنا الحالية ضعيف، وقد يتعطل أو يتعذر أمام طوفان الفساد والتخريب الذي يضرب في كل اتجاه ..!

وعلينا والحالة هذه أن نكون واعين بنتائج انعدام هذه الروح "روح المواطنة" وما يستتبعها أحيانا من تطورات أخطر بكثير مما نتصور كأن نجد "تيارا اجتماعيا أو عرقيا" من الدعاة للحركات الانفصالية.. وهي موجودة في أنحاء كثيرة من العالم، والمغرب جزء منه، تحت مسميات وذرائع عديدة "كعدم الاستفادة من خيرات البلاد" .. و"التقاسم المنحاز لجهة دون أخرى"، " واللاشراكة في تدبير الشأن العام"، و"شعور التهميش"، "والطبقية المفرطة أو الفوارق الاجتماعية الفجة"، و"مصادرة الحقوق والحريات" أو وجود مواطنة تمييزية وبالدرجات: مواطن من الدرجة الأولى، ومواطن من الدرجة السفلى... وهي كلها في الأخير مسميات ومواقف ترضع من ثدي واحد هو انعدام روح المواطنة .

وقد وقفت العديد من الديمقراطيات الغربية على أهمية عنصر المواطنة المسؤولة من خلال دراسات وأبحاث جد معمقة مدعمة بمعاينات وتجارب ميدانية استغرقت سنوات لتخلص إلى نتائج مهمة، كانت الحجر الأساس في إنشاء جملة من البرامج والأنشطة والممارسات الحقوقية سعيا منها إلى توثيق صلة المواطن ببلده وتعميقها، ليس بالشعارات الجوفاء أو بعض بنود المواطنة الطنانة التي تطبع عادة بعض الدساتير في الدول المتخلفة، ولكن بمنح الفرد رزمة من الحقوق في شتى المجالات، كشريك وفاعل في المجتمع، حتى ولو كان هذا الفرد يحمل جنسية أجنبية !!.. وذلك لتحسيسه بروح المواطنة وما يترتب عنها من تنمية بشرية واقتصادية مستدامة.

غياب روح المواطنة بوابة إلى الإرهاب !

هناك سلاح ناعم أشد فتكا من النووي، يتلصص أصحابه داخل مؤسسات الدولة ودهاليزها ليفاوضوا كبراء المسؤولين حول صفقات جد مغرية يسيل لها اللعاب مقابل وضع أيديهم على ملفات أو أجهزة أو منظومة أسرار بالغة الحساسية. مثل هذه المواقف تعد بحق اختبارا عسيرا لروح مواطنة المسؤول، ما إذا كانت قوية متجذرة في صاحبها أو هشة قابلة للمساومة.

ولعل مثل هذا السلاح الفتاك ـ الإغراء المادي ـ قد يكون وراء وقوع عدة حوادث إرهابية شاهدها العالم مؤخرا كحادث انفجار الطائرة المصرية بشرم الشيخ، وحادث فندق بتونس، والطائرة الماليزية... على أن مثل هذه الحوادث وغيرها قد تكون واردة في بعض الدول التي تعاني من ضعف أو انتفاء روح المواطنة داخل مؤسساتها أو تمييز عنصري...، فيسهل اختراقها من قبل هذا الفيروس الإرهابي.

اللامواطنة وخيانة الوطن

لا يمكن في هذه العجالة تعداد كل أشكال اللامواطنة التي تعيش في المجتمع أشبه بسرطان يدمر مؤهلاتها ومواردها الاقتصادية. فقط سنكتفي بالتأشيرعلى نماذج منها :

* متملصون من أداء الضرائب بالمليارات في قطاعات حيوية كالصيد البحري، ومقالع الرمال، واستيراد السلع؛

* ناهبون ومهربون للمال العام، ولا يستثمرون منه في بلدهم المغرب ولو سنتيما واحدا؛

* عقد صفقات وهمية بعشرات المليارات في البناء والتجهيز، ومكاتب دراسات المشاريع؛

* غض الطرف عن ملفات فساد من فئة الحجم الثقيل؛

* التأشير على دخول سلع بالمليارات ولا حظ لخزينة الدولة فيها؛

* غض الطرف عن مؤامرة تحاك ضد الوطن.