مقال خارج عن المألوف

مقال خارج عن المألوف

مقدمة

الفطرة أننا نتشبث بالحياة، سواء كنا في الأربعين أو في الثمانين أو حتى في المائة... سبحان الله. ما هي سوى رمشة عين ونلتحق بالعالم الآخر لنلتقي بأحبائنا الأخيار الذين سبقونا هناك حيث السعادة الأبدية. لعل في الموت خير. لعل الموت أفضل من الحياة. ربما أن الأمر مؤكد. فلا خوف علينا ولا هم يحزنون إن شاء الله. الحمد لله وحده الغفور الرحيم.

لا. هذه ليست مقدمة متشائمة بل قمة في التفاؤل في خضم ما يجري ويدور من أهوال في حياتنا الحاضرة. لقد خرب الوسطاء كل شيء. إنهم، مثلا، يشترون بصل الفلاح الكادح الذي لا حيلة له بدرهم واحد ويفرضون بيعه بـ16 درهما. هكذا يغتني الوسيط الكسول الخبيث ويفقر الفلاح الشريف المجتهد. وهلم جرا... نعم، الوساطة ليست مهنة بل فقط مجرد عملية سطو ممنهجة في إطار نظام تجاري عالمي فوضوي مقنن بدقة عالية.

كل شيء مفلس، ولا شيء يبشر بتبني الحلول. كل شيء ينذر باستمرار الأزمة خانقة الأنفاس وتكريسها أكثر فأكثر. لقد باتت قاعة الانتظار فسيحة جدا وما زالت مكتظة، بل وتزيد اكتظاظا يوما عن يوم بالمنتظرين المذعورين الذين لا يلطف عنهم أجواء الأسى والعذاب الخفي المفتعل سوى الإيمان بالله عز وجل في علاه.

نعم، هذه مساهمة غاية في التفاؤل. فمهما خاض الإنسان في مراجعة الفكر والأفكار والفلسفة جلبا للخير إن كان الصدق محركه، لا مناص من الحق والحقيقة: لن تقوم الساعة إلا على شرار الخلق. فيا بخت من جاءه ملك الموت وهو صادق. وإن الله أعلم والحمد لله. طيب.

مشاكلنا الراهنة متعددة وكثيرة ومازلنا ندور في حلقة مفرغة تنذر بتقدم ملموس في سلم الهاوية. اللهم لطفك يا رب العالمين.

إليكم، سيداتي سادتي، بعض الأفكار والآراء حول قضايا راهنة تخصنا، بعجالة أو باختصار شديد، ولكل غاية مفيدة، ولا داعي لضياع مزيد من الوقت والمساحة في التمهيد والمقدمات احتراما لذكاء القارئ الشريف اللبيب.

1ـ في ما يتعلق بالتنمية وشروطها:

نحتاج إلى تمكين الأشخاص الذاتيين الوطنيين المستقلين من المشاركة في طلبات العروض في ما يتعلق بالدراسات والأبحاث، لتقديم الحلول والتوصيات الاقتصادية والسياسية -التي قد تكون شبه مجانية- استشرافا للمستقبل القريب الذي قد يكون صعبا للغاية. فكفانا هدرا للمال العام والخاص في ملء جيوب بعض مراكز الدراسات الإستراتيجية المشبوهة ربما، والتي تجني الملايير مقابل تقارير مكررة منقولة بلا فائدة تذكر والله أعلم.

2ـ جوابا على سعار بعض الملاحدة المتصهينين زيادة:

بدون تسرع ولا ارتباك ولا حماس جامح من جهة، وبكل تسامح واتزان ورزانة من جهة أخرى؛ "عقدة التفوق" لا علاقة لها بالثقة في النفس. فكيف لمن كان مؤمنا مسلما موحدا أن لا يشعر بأنه على حق وبأن من يؤمن بأن "المسيح ابن الله"، مثلا، على خطأ، بكل تسامح في إطار لكم دينكم ولي دين؟ الحوار بين الديانات مستحب بكل هدوء وحكمة وفي إطار التسامح، ولكن ليس المشرك كالموحد، لأن المسلم يتفوق فعلا بالتوحيد ولا بأس في أن يفتخر المسلم،

بأدب ولباقة، لأنه موحد لا يشرك بالله شيئا. وأما الغناء والموسيقى والأناشيد، مهما كانت الكلمات والرنات جميلة، فمن الفن فقط وليست من العبادة في شيء. ولتعش الإنسانية في سلام في إطار المعاملات الأخلاقية الرفيعة.

وما أروع هؤلاء الذين لا شيء من ملذات الحياة يثنيهم أو يؤخرهم عن أداء الصلاة المفروضة والنوافل أيضا. إنهم فعلا من طينة خاصة. ترى الفرح ينير وجوههم عند سماع الأذان. مجرد وجودهم بيننا في البلد الحبيب يجلب السعادة والطمأنينة والأمل. فتبارك الله أحسن الخالقين وسبحان الله.

وأما عن صلاة التراويح في المغرب، فهي مشهد قوي ببعد إنساني رائع رهيب يضفي على شهر رمضان نكهة دينية إضافية جميلة بجمال الإسلام والإيمان والتوحيد. ويبقى الأمل في أن تمتلئ المساجد عن آخرها في كل موعد صلاة الفجر يوميا وعلى طول السنين والأزمنة الآتية بإذن الله. انتهى الكلام فعلا في هذا الصدد.

3ـ فسحة مرح قبل متابعة قراءة المقال الجاد:

حكيم القبيلة يسأل في الجزيرة العجيبة الغريبة الأعجوبة المعزولة في إطار الرواية الأدبية الإبداعية الخيالية المحضة: من يشرح للمعصعص عاص بن تزغزغ غين غين أن عدم الجهر بالمعصية ليس نفاقا بل خصلة حميدة ومن الأخلاق الرفيعة، والجهر والتفاخر بها في وسائل الإعلام ينم إما عن فساد أو جهل صاحبها، أو عن مرض نفسي يصعب علاجه. من يشرح للمعصعص عاص بن تزغزع غين غين بأن الأمازيغية ليست هوية بل مجرد لهجة أصبحت لغة بعد أن قبل الشرفاء مشكورين دسترتها؟

4ـ الدارجة والأمازيغية :

بعد تضمين الأمازيغية في الدستور سيأتي ربما دور الدارجة... ولكن حتى لو تضمن الدستور مائة لغة ولهجة، ستظل العربية هي اللغة الأم الأصلية العامة المنتشرة المتداولة والمعول عليها، في حين أن الأمازيغية، كما اللغات واللهجات الأخرى، ستبقى خاصة واستثنائية بحكم الواقع ونظرا لمحدوديتها على كافة المستويات وعلى جميع الأصعدة.

5ـ في ما يتعلق بالتعليم الوطني:

من قال بأن تدريس العلوم بالفرنسية خطأ جسيم على حق حتى لو كان خريج البعثة الفرنسية وأبناءه كذلك؛ فالناس يتعاملون مع الواقع المر المفروض عليهم، ولكن ذلك لا يمنعهم من قول كلمة حق: لم تنجح اللغة الفرنسية سوى في استمرار التخلف عندنا، ولقد حان الوقت للاستغناء عنها في تدريس العلوم في جميع المستويات التعليمية وماعدا ذلك كلام فاضي.

6ـ الكاتب هو الأسلوب:

المتمكن من اللغة وفنونها مجرد محرر ممتاز، وصاحب الأفكار الإبداعية النيرة يسمى مفكرا. وأما المثقف فهو الذي يستطيع التعامل مع جميع الأحداث بموضوعية وبكل تجرد ونكران الذات. المثقف عملة نادرة تكاد تنعدم في عصرنا هذا؛ لأن الإعلام فقد استقلاليته، والخوف بات سيد الموقف، والثقافة أضحت سلعة معروضة في سوق السياسة. إنها فعلا مأساة العالم والإنسانية التي فقدت البوصلة.

وسواء كان الأمر يتعلق برواية أو بسيرة ذاتية، بل كيفما كان الجنس الأدبي المعتمد، لا بد للكاتب من أسلوب يخصه ويميزه عن غيره. الأسلوب هو الكاتب. ومعلوم أن الأسلوب لا يمكن استعارته ولا اصطناعه؛ فالأسلوب ليس مجرد مصطلحات قليلة الاستعمال، متوفرة في القاموس، يمكن استعمالها في جمل وفقرات جافة بلا روح أدبية. الأسلوب يلزمه خيال خصب يستدرج الكلمات والمصطلحات تلقائيا وبدون عناء حتى لا تكون الكتب باهتة مصطنعة بلا طعم ولا رائحة. الأسلوب هو المظهر الخارجي للعقل والفكر لدى الكاتب الذي بلغ مرحلة النضج، فهو يعكس موهبة الكاتب وقدراته الإبداعية. والله أعلم.

7ـ قرار العفو في ما يتعلق بأحداث الحسيمة وجرادة قرار حكيم. نتمنى طي هذا الملف بالعفو على ما تبقى من المعتقلين، بالموازاة مع حل مشكل التدبير الإداري لكافة مشاكل المواطنين عبر حسن اختيار المكلفين بتدبير أمور السلطة من أصحاب المصداقية والكفاءة.

8ـ عسكر الجزائر وعسكر السودان على خطى عسكر مصر. احتجاجات قوية تليها محاكمات، ثم يبقى الحال على ما كان علية بل يزداد سوءا. وتبقى قراءة الأحداث في مصر والجزائر والسودان، بطريقة متأنية حكيمة عليمة، مفيدة للاستثناء المغربي.

9ـ خلاصة:

المشاكل كثيرة ومعقدة تحتاج إلى خبرة وحكمة وكفاءة ونزاهة ومصداقية وشجاعة لحلها بصفة شمولية. ولأننا ما زلنا على قيد الحياة، وقبل فوات الأوان، فإننا كمغاربة وطنيين شجعان نقول بكل تواضع: نحن لها !