رواء الكرسي

رواء الكرسي

لأكثر من ثلاثة عقود، والمقرئ أبو زيد يحدث الناس عما حققه الآخرون، فينال، من خلال حديثه عن إنجازاتهم، شهرة لم ينلها المعنيون بالأمر أنفسهم، وقد ساعدته على ذلك قدرته على صنع الفرجة، وموهبة لسانه في الرقص على النغمات التي تشتهيها آذان الناس، وكذا خبرته الطويلة في حركة التوحيد والإصلاح، التي تعتبر مؤسسة ليس لها رأس مال غير الثرثرة بلا جدوى، والكلام بلا طائل.

إن السر من وراء قدرة المقرئ على التأثير في الناس هو موهبته العجيبة في التهويل والمبالغات، فمِن أمريكا التي منعت جميع الدول من استقبال عبد المجيد الزنداني إثر إعلانه اكتشاف دواء السيدا، إلى أمريكا التي صارت اليوم تُوَثق علومها وحضارتها باللغة العربية بشكل سِرّي، سري، سري، إلى نجم الدين أربكان، الزعيم التركي، الذي صنع دبابة تشتغل بأربعة عشر نوعا من أنواع الوقود، إلى المجاهدين العرب الذين حينما انتقلوا من الشيشان إلى البوسنة صاروا يحتلون مدينة في ثلاث دقائق، إلى رواية "رواء مكة"، التي تنقل المسلم من بركة الشك إلى واحة اليقين.

إن اللجوء إلى مثل هذه المبالغات الفجة التي لا يقبلها عاقل، إنما هي من الأساليب الرخيصة التي يلجأ إليها القصاصون والحَكَواتيون، أعداء الصدق والأمانة، الذين لا هم لهم سوى جمع الناس حولهم، والتلاعب بعقولهم، وشد انتباههم حتى نهاية الحكاية، مهما كلف ذلك من ثمن، حتى ولو كان على حساب قلب الحقائق، وتدليس الوقائع، وهذا ما يفسر ما صرح به حسن أوريد، من كونه قد خجل من مكالمة المقرئ وشكره؛ لأنه يبدو أنه قد سمع من المقرئ عن نفسِه ما لا يعرفه هو نفسُه.

مخطئ من يظن أن المقرئ قد قام بإشهار مجاني للرواية المعصومة، فقد مكنت طلعته البهية هذه من بعثه من بعد موات، بعدما أوشكت فضيحة "أذكى من هاوكينغ" على أن تقبره إلى الأبد، ومن جهة أخرى، فقد أوحى إلى الناس بأن السيد أوريد كان ساخطا على الله فصار راضيا عنه، وهو ما يقابله في عقول الدهماء أن الرجل كان له موقف سيئ من المرجعية الإسلامية التي يتبناها حزبه؛ فآب ورجع عن غيه، وهي إيحاءات في غاية الدناءة والصفاقة؛ لذا، تجندت الكتائب الإلكترونية لتوزيع فيديو المقرئ، مرفوقا بنسخة إلكترونية للرواية على تطبيق "واتساب"، وكأن الكاتب عضو من الأمانة العامة للحزب الذي نزل من السماء.

إن الشعب المغربي هو من يؤدي ثمن السِّنة التي تأخذ المقرئ في البرلمان، وثمن الحُلْم الذي يراه هناك، ويؤدي أيضا فاتورة أجرته، وتنقلاته، وتعويضاته، ومعاشه البرلماني، لذلك فليحدثنا عن "رَواء السلطة" الذي جعله لا يصدح في وجه حكومته التي قامت بمجزرة في حق الوطن والمواطنين، ويحدثنا عن "رواء معاشات البرلمانيين والوزراء"، و"رواء التبعية لصندوق النقد الدولي"، وليحدثنا عن معاش صاحبه الذي يعيش عيش "ما فوق الحمار ودون البغل"، أما رواية "رواء مكة"، فهي آخر ما يشغل العاقل مادامت مجرد فيض من المشاعر والأحاسيس.

إن بزة المقرئ التي كانت تلازمه أينما حل وارتحل، حتى قال عنها سنة 97م إن فيها صفتين من صفات الإلاه: الوحدانية والقدم، لم تعد كذلك، من كثرة البزات التي نَعِم بها طيلة أربع ولايات برلمانية متتابعة، والمبادئ الراقية التي بشرنا بها قبل اقتحام الفعل السياسي، لم تعد كذلك؛ لأن رواء الكرسي قد فعل فعلته، فسلب العقول، وذهب بالأبصار، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب.

https://www.facebook.com/zaouch.nor