آه لو كان حقا شهرا للمراجعة

آه لو كان حقا شهرا للمراجعة

آه لو جعلنا هذا الشهر حقا فرصة للمراجعة الحقيقية، لكنا تخلصنا من كل هذه الأغلال التي تطوقنا من كل الجوانب. رمضان شهر التوبة والغفران، هكذا نقول ونردد كل عام، ولكن الحقيقة غير ذلك تماما، بالنسبة إلى معظمنا، ولنكن صرحاء، فالتوبة تعني المراجعة، والمراجعة تعني التغيير، ولا تغييرا حقيقيا بلا إرادة ولا رغبة صادقة، تعلق الأمر بالمستوى الفردي أو الجماعي. كل الذي يتغير في رمضان عندنا هو عوائدنا في الأكل والشرب والسمر، هو طقوسنا في ترتيب الموائد وإعدادها، أما حقائقنا، أما بواطننا، أما ما نحن فيه، وعليه، فنرفض لكل هذا أن يتغير، ولذلك لا غرابة أننا حين نتحدث عن التوبة والمراجعة إنما نقصد بذلك الآخرين؛ فالمذنبون هم الآخرون، هذه هي صيغتنا المفضلة، حتى الحاكمون عندنا يقولون لنا دائما إن الفساد هناك وفي أولئك، وما ندري ما هناك وما أولئك. رمضان شهر العودة إلى الذات، ونحن نكره مواجهة ذواتنا، لأننا نكره رؤية الحقائق عارية، كما هي، ونفضل دائما أسلوب التأجيل، والهروب إلى الأمام، وإلى متى، لا أحد يدري.

آه لو اتخذنا رمضان حقا شهرا للمراجعة الحقيقية، لكل اختياراتنا، وإخفاقاتنا، وكذبنا، ونفاقنا، وسرقاتنا الكبيرة، قبل الصغيرة، وإفسادنا الطويل والعريض والمركب. قوة هذا الشهر بالنسبة إلى المؤمنين به تكمن في كونه شهر مواجهة للذات، الفردية والجماعية، فلا أحد يجهل حقيقته حين يخلو إلى نفسه، في لحظة صفاء، وصحوة ضمير.

مؤسف جدا أن ننتظر انتهاء رمضان لنعود إلى عوائدنا القديمة، إلى ما درجنا عليه من قبح، فردي وجماعي. مؤسف جدا أن يتحول رمضان في ديارنا إلى موسم لتغيير العوائد على الموائد، لا لتغيير النفوس، ومراجعة الاختيارات والمسلكيات، الفردية والجماعية، وإعادة قراءة المسارات، الفكرية والأخلاقية والسياسية لذواتنا وتجمعاتنا جميعا.

رمضان يأتي ليخلصنا من قبحنا القديم، لينفخ فينا روحا جميلة، نحتاجها لمجابهة قضايانا وأعطابنا، وبنفس جديد. رمضان يأتي زائرا لطيفا، ليعيننا على طرد هذا الفساد الذي استوطننا، وعشعش في نفوسنا وديارنا، وسيطر على تفاصيل حياتنا كلها، ولزمن غير يسير، لأن له حماة ورعاة ومدبرين، فهل نقوى على فعل المواجهة؟ إنها رسالة رمضان العميقة، رسالة التغيير الكبير، تمهيدا لتدشين البداية الحقيقية، التي ننتظرها جميعا.