هل تنجح الرابطة المحمدية...؟

هل تنجح الرابطة المحمدية...؟

كانت المدرسة دوما وسيلة للتنشئة على قيم السلام، والتربية على الحوار كأسلوب لفض المنازعات وتقريب الرؤى لدى الصغير، قبل أن تستفحل مظاهر العنف وتغليب منطق القوة على منطق التعقل والجنوح إلى اللين لدى الكبير؛ وغيرها من الظواهر المجتمعية المخلة بالشخصية الوطنية، والمهددة لاستقرار المجتمع وتماسكه، حينما أبانت المقاربة الأمنية والقانونية محدودية فعاليتها في القضاء على آفات اجتماعية وسياسية وحقوقية و...وتبقى العدوانية والسلوكيات المتسمة بالعنف واحدة من الظواهر التي تم التشكيك، بل الحسم في عدم مقدرة المدرسة على معالجتها؛ ما جعل التوسل لدى جهات أخرى مشروعا، كالرابطة المحمدية لعلماء المغرب، لكنس ما ترسب من نفايات العنف، وقاذورات العدوان، داخل الحرم المدرسي، الذي استبيح عرض ودم رواده بكل فئاتهم، وما فتئ ضحاياه يتكاثرون كما ونوعا.

المدرسة فضاء للسلطة الخلاقة:

ويدخل في مفهوم العنف «الاستعمال المفرط للقوة من خلال نفي القانون ونفي حق الفرد» (نوربير سلامي)؛ وهو ما يجعل من ممارسته، وخصوصا من طرف رواد المدرسة معلمين ومتعلمين، أو داخل أسوارها، علامة ومؤشرا دالا على فشل هذه المؤسسة، رغم الهياكل الموازية التي تم إرساؤها بالمدرسة، كمجلس اليقظة، ومجلس الإنصات، ومرصد القيم...التي طالما راهن عليها الجميع لتكون منبعا للسلوك المدني، والحاضنة لقيم المواطنة، المضمنة في المقررات الدراسية والحياة المدرسية، على أمل أن تعم البلاد، ويسلم من شرورها العباد، باستدخال مفاهيم السلطة في نفوس الناشئين، باعتبارها العامل الضامن للحق عندما «تظهر في البنى العقلية الذاتية في القبول للقوانين المسطرة» (بورديو). فالسلطة لا تعني القمع دائما، وإنما لها دور تربوي في تقويم المرء وتحكيم الواقع وتنظيم السلوكيات، للحد من اللهث وراء ما يشبع اللذات والرغبات. وهذا بالضبط ما تسعى إليه الشرائع السماوية، المتمثلة في قولهم «إخراج المرء من داعية هواه».

إعادة الإنتاج البيداغوجي من المدرسة إلى الرابطة:

لما لم تفلح المدرسة في ترسيخ قيم الاحترام والرحمة والتسامح...في نفوس الناشئة، تم التفكير في إسناد الأمر إلى الوعاظ والمرشدين الدينيين، علهم يلامسون شغاف قلوب المتعلمين، باعتبارها المضغة «التي إن صلحت صلح الجسد كله»، ووسيلتهم في ذلك الخطابة في تبليغ المضامين المعرفية، والأحكام الفقهية التي تزخر بها المكتبة الإسلامية؛ في وقت تعلقت قلوب الناشئة بحوامل معرفية أكثر تطورا، لم تدع للأسلوب اللفظي، والبيان الشفهي، حظا ووقتا للالتفات والإصغاء له، مهما أغرق في سرد القصص، وتسلح بخطاب الترغيب والترهيب. نذكر بهذا، ونحن نستحضر أسلوب الوعظ والإرشاد في المساجد، التي لم يعد يحفل بها الرواد، وهي التي كانت محط اهتمام وإقبال إلى عهد قريب، وإليها تشد الرحال، طلبا للأجر، واكتسابا للمعرفة الشرعية من مصادرها الموثوقة، وتم الاستغناء عنها بما ينشر على الحوامل الرقمية، المندسة في الجيب، فهي رهن طوعه متى شاء وأنى شاء، بعرض يثير الألباب والأفئدة، غثا أو سمينا كان، مادام سريع الهضم ولا يتعب الفكر ويستفز العقل.

ولما لم تستطع الظاهرة الكلامية أن تحوز الاهتمام الذي تحوزه الظاهرة الرقمية، بما تحمله من قيم تغذي العنف والعدوان، جعل الشك يتسرب إلى النفوس في إمكانية القضاء على مظاهر العنف في المدرسة ومحيطها، بنهج خطابي فر منه الطفل والمراهق والراشد في المساجد، ليجد نفسه أمامه في المدرسة التي ينبذ المحتويات التي تقدم له داخلها، لأنها في نظره فقدت صلاحيتها ومبررات وجودها، رغم اتكائها على ركائز سيكولوجية وبيداغوجية، أثمرت في سالف العهود، لكنها اليوم تقف عاجزة عن شد انتباه الطفل والمراهق، وتحفيزه على استيعابها والإقبال عليها، لأنها لا تواكب ما يعرفه وسط عيشه من مستجدات معرفية وتكنولوجية، هي محط انشغاله ومثيرة فضوله؛ فالمدرسة والأستاذ والوضعيات التعليمية أبعد ما تكون عن خلق الدافعية للتعاطي معها، ولا تثير لديه رغبة لاستكشاف خباياها والنهل من معينها، فقد أكل عليها الدهر وشرب كما يردد الكثير من المراهقين.

أسباب العنف وتجلياته:

يحدثنا علماء النفس والسلوك أن العنف ما هو إلا أسلوب لتجاوز التحديات، «متخذة شكل الحيوية والنشاط؛ فالتربية والتهذيب تحوله وجهات إيجابية، ومن ثمة يكون للاعتداء قيمة عندما يكون تكيفيا» (أندرسون وبوشمان). فالسلوك في نهاية المطاف ما هو إلا تجل لعوامل داخلية وخارجية تتفاعل ثم تطفو على السطح، اتجاه النفس أو اتجاه الآخر، لذا فإن كل معالجة ترجو لنفسها النجاح لا ينبغي أن تقف عند الظواهر، بقدر ما ينبغي أن تغوص داخل الذات وفي محيطها بمختلف أبعاده. «فمعرفة السبب نصف العلاج»، كما يقال. ولا يمكن الحديث عن سبب واحد للعنف، كالفراغ الروحي كما يروج في حلقات العلم بالمساجد، ولا الفقر رغم كفره، دائما مشتلا للتفريخ الجانحين وقطاع الطرق، ولا هو فقط الحرمان من الحقوق السياسية والثقافية...سبيل لتدمير الآخر والفتك بممتلكاته، بقدر ما كان وراء شحذ الهمم النضالية للوقوف في وجه الاستبداد وانتزاع الحقوق. كما كان الفقر حافزا لطلب العلم والكد للارتقاء الاجتماعي. ولا يخلو مجتمع بشري من زاد روحي وعاطفي، اجتهد الإنسان في إذكائ جذوته في النفوس، مهما اختلفنا حول أحقيته في التقديس. لكن كل هذا وغيره، في تداخله وتشابكه، مع القصف الثقافي التي يتعرض لها الصبيان من طرف مدافع أدب الأطفال، من أفلام وقصص وروايات وألعاب، التي تروج للعنف بأنه الأسلوب الوحيد لحل المشاكل وطريق نحو النجومية والثروة. ومن ثم يغدو «العنف مكونا أساسي للشخصية إذا لم يتم إدماجه في مجموع بنيات الشخصية بفضل عمل وجهد صعب، حتى يتمكن الفرد من اكتساب سوك جديد متكيف» (كلود بالي).

تهافت الخطابة أمام الممارسة:

وهذا الجهد الصعب المتحدث عنه، والذي أتبث جدواه، أكثر من أن يتمثل في خطابة، مهما كان بيان وفصاحة صاحبها، بل بالإضافة إلى ذلك، لا بد من توجيه الطاقات وانخراطها في برامج عملية تستحوذ على اهتمامات الفرد، وإدماجه في مشروع مجتمعي وإنساني، يبذر في الطفولة، ويزهر في المراهقة، ويثمر في الرشد، حين يجد المجال لممارسة قدراته ويلقى التثمين الذي ينمي ذكاءه الوجداني: كالثقة وضبط النفس والقدرة على التواصل...لكون هذا الذكاء مكملا للذكاء المعرفي، «فالانفعالات الوجدانية تساعد العمليات العقلية المتصلة بالفكر والذاكرة على حل المشكلات» (أعمال جاردنر وجولمان وسالوفي ومايرو)؛ وهي مهام ينوء بحملها متخصص في حقل معرفي واحد، مهما تسامت مصادره.. ولا الألفاظ في غياب الممارسات التي يجد فيها النشء ذاته وتلبي حاجاته لإبراز طاقاته وتفريغها.. والمختبر الحقيقي لاكتساب مهارة التواصل، وتدبير المشكلات بعيدا عن إيذاء الذات أو الآخر.