كم مبادرة يحتاج المغرب

كم مبادرة يحتاج المغرب

في كل واقعة تتعلق بحدث اجتماعي تكون له تبعات "أزماتية"، تثار مسألة الدعوة إلى إطلاق مبادرة مدنية ما حول الموضوع. وتختلف هذه المبادرات وخلفيتها بحسب نوعية الحدث، لكنها في الغالب تكون موجهة للبحث والدعوة إلى مخرج ما.

وإذا كانت هذه الظاهرة تعتبر دليلا على حركية المجتمع، فهي أيضا قد تكون مؤشرا سلبيا على فشل الوسائط التقليدية في القيام بمبادرات من المفترض أنها هي المؤهلة للقيام بها دستوريا ومؤسساتيا، باعتبار هذه الوسائط هي الأداة المؤطرة للمجتمع المفترض فيها أنها تحمل مطالبه إلى الجهات المسؤولة المعنية بالحل.

وقد عايشنا انطلاق مبادرات مدنية وشبابية بعد احتجاجات الحسيمة التي تجددت اليوم للبحث عن مخرج للملف، كما يتم الحديث عن الدعوة إلى مبادرة لحل حالة الشد والجذب بين الأساتذة المتعاقدين والوزارة، وهي مبادرات تظل غير مؤسساتية، بل عبارة عن تلاقي إرادات أصحابها التي تنطلق افتراضيا وتتحول حسب كل حالة إلى خطوات عملية.

وإذا كانت هذه المبادرات صحية ومطلوبة، فهي أيضا تطرح أسئلة حول عدد المبادرات التي نحتاج لإطلاقها في ظل هذا الوضع الاجتماعي المخنوق والمحفوف بالمخاطر، خاصة مع الإجماع الحاصل، دولة ومجتمعا، على حاجة المغرب إلى نموذج تنموي جديد.

وإذا كنا إلى حدود اللحظة لم نبلور عناصر هذا النموذج الاجتماعي الذي قد يكون مدخلا لتجديد التعاقد التنموي بعد التعاقد والتوافق السياسي المجسد في دستور فاتح يوليوز، فإن ذلك يؤشر على استمرار حالة الاختناق الاجتماعي، خاصة في أوساط الشباب؛ إذ يظلون هم أكثر المتضررين من الاختيارات الاجتماعية والاقتصادية للحكومة، وفي كل أزمة يكونون هم ضحيتها الأول، خاصة عندما تنطلق سلسلة الاحتجاجات الاجتماعية وتعجز الحكومة عن تقديم عناصر حل مقبولة للمحتجين.

أكيد أنه لو استمر الحال على ما هو عليه سنحتاج إلى مبادرات متعددة في كل لحظة من لحظات الأزمة الاجتماعية، لذلك، ولنخرج من الوضعية الحالية، يبقى التوجه نحو التفكير في إطلاق مبادرة وحيدة نحو فتح نقاش موسع على سؤال أي نموذج تنموي نريد؟ وبأي تعاقد اجتماعي؟

والأكيد أن مراحل الإجابة على كل هذه الأسئلة المرتبطة بالسؤال الاجتماعي لن تحتاج إلى القليل من التوافق بل إلى الكثير منه لصياغة العناصر الاستراتيجية للمشروع التنموي البديل المحقق للعدالة الاجتماعية والمساواة، خاصة وأن الملك سبق له أن أعلن عن فشل النموذج التنموي التقليدي بصيغته الحالية؛ إذ لم يحقق الانتقال الاجتماعي داخل المجتمع، وهو ما يعطي انطباعا على كون عملية الانتقال الديمقراطي ببلادنا غير مكتملة، وذلك بفعل كونها كانت مركزة على ما هو سياسي ومؤسساتي ونجحت في تحقيق العديد من المطالب المتعلقة ببناء الدولة في شقها المدني والسياسي.

لكن الجانب الآخر الذي بدونه يظل هذا الانتقال عاجزا عن استكمال كل عناصره، هو المتعلق بالشق الاجتماعي والاقتصادي، خاصة منه ما يتعلق بمطالب اجتماعية فئوية، أهمها فئة الشباب التي تشكل أكثر من ثلثي المجتمع والتي تظل أكثر الفئات معنية بالسؤال الاجتماعي، لكونها، حسب الأرقام التي قدمتها المندوبية السامية للتخطيط، هي أكثر الفئات إقصاء من دورة الإنتاج الاقتصادي والاجتماعي؛ هذا الاقصاء أكيد أنه ينعكس على مختلف المجالات الأخرى، على رأسها السياسي والمؤسساتي، وهو ما قد يفسر عزوف الشباب الكبير عن المشاركة في الحياة السياسية، خاصة في لحظتها الديمقراطية الانتخابية.

اللحظة مواتية لفتح نقاش موسع على غرار النقاش الذي عشناها قبيل إخراج دستور فاتح يوليوز، قد يكون المجلس الاقتصادي والاجتماعي هو المؤهل لفتحه لموقعه الدستوري وللتراكم الذي خلقه من خلال التقارير السابقة، ويقدم على الأقل عناصر استراتيجية كبرى لتحقيق الانتقال الاجتماعي، من مجتمع اللاعدالة اجتماعية إلى مجتمع المساواة الاقتصادية، وسيكون مدعوما بخطاب الملك الذي خلص فيه إلى فشل النموذج التنموي وحاجة المجتمع إلى إقلاع اقتصادي تنموي حقيقي نستكمل به عناصر الانتقال الديمقراطي.