قضية ستيفن هوغينغ بين تطرف النقد وتطرف الرد

قضية ستيفن هوغينغ بين تطرف النقد وتطرف الرد

أثيرت في هاته الأيام ضجة حول الكلام الذي صرح به أحد المثقفين المغاربة في حق العالم الفيزيائي الشهير ستيفن هوكينغ (Stephen Hawking) والأوصاف الفجة التي وصفه بها، ليأتى بعدها رد من أحد الذين يعرفون أنفسهم تارة ب"ناشط حقوقي" وتارة أخرى ب"ناشط أمازيغي" حسب ما تقتضيه ضرورة المقال.

مافاجأني حقيقة هي الجرأة في استخدام مصطلحات لاتليق بشخص مثقف في انتقاد عالم فيزيائي مرموق وكذلك الرد الذي لم يتطرق إلى الموضوع بل اتخذ وسيلة للهجوم على العرب والمسلمين والإسلام.

وهذا مادفعني، كباحث وأستاذ في الفيزياء التجريبية وخاصة التي تعنى بتخصص نظريات هوكينغ، أن أرد على الإثنين لتصويب البوصلة ووضع النقاط على الحروف.

بالنسبة لموضوع ستيفن هوكينغ فالرجل له مكانته الخاصة كفيزيائي نظري أدخل أفكارا جريئة في فيزياء الفلك و علوم المجرات والثقوب السوداء...

وكلنا نعلم أن الرجل كان يصرح من فترة لأخرى بكلمات تتجرأ على الدين والخالق أو تنكر وجوده أصلا، وهو الأمر الذي يخالفه فيه علماء كثر، يربؤون بأنفسهم عن الخوض في هاته المسائل، إما لإيمانهم بوجود الخالق أو لإبتعادهم عن كل ما من شأنه أن يمس عقيدة وشعور الأخرين و خصوصا أن معظم فرق البحث الكبيرة العابرة للدول والقارات تتكون من أناس متعددي الثقافات والملل والنحل.

كنت أتمنى من السيد المثقف أن يلتزم بأدب الإسلام الذي وصف لنا كيف أرسل الله موسى وهارون إلى فرعون ومع ذلك أمرهما بحسن الأدب "إذهبا إلى فرعون إنه طغى، فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى" وليته إلتزم بالأية الكريمة "ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم" فكونه وصف هذا العالم بأقذع الأوصاف وحاول أن يحط من قدره، جلب العديد من الإنتقادات ليس لنفسه أو حزبه فقط، بل لأمته كما فعل صاحبنا الناشط الحقوقي الذي وجد في هذا الكلام ضالته وأطلق العنان لمكنوناته ومكبوتاته في الحط من الإسلام ومن أبناء وطنه المسلمين بدون إستثناء.

الناشط بدأ كلامه بوصف هوكينغ أنه "أكبر علماء العصر" وهذه مسألة فيها نظر ولا يعتمدها الفيزيائيون في قواميسهم.

من حقك أن تصف نفسك بأنك لا تفقه شيئا في نظريات هوكينغ، وهذه حقيقة لأنك لم تدرسها ولن يتأتى لك ذلك وبالتالي لا يمكنك أن تحكم على أنه أكبر علماء عصره.

لكن أن تقول أن "أمة الإسلام لم تفهم شيئا من نظريات هوكينغ" هنا أنصحك بمراجعة معلوماتك وتصحيح حكمك الخاطئ، لأنك لو كلفت نفسك ببحث ببسيط على الإنترنت لأكتشفت مدى حضور علماء المسلمين في شتى مجالات الفيزياء المعقدة وخصوصا تخصص ستيفن هوكينغ.

ويكفي أن نذكر أنه من بين أول من نادى، بل برهن على توحيد القوى الأساسية في علم الجسيمات الأولية التي ينادي بها هوكينغ، هو العالم الباكستاني المسلم أحمد محمد عبد السلام الحائز على جائزة نوبل للفيزياء سنة 1979.

ثم تتمادى في هجومك القدحي علينا جميعا كمسلمين حينما تقول أن " بأنّ المسلم يستطيع أن يواجه سكان الأرض جميعا ويُفحمهم، لسبب بسيط هو أنه يجمع بين العاطفة الهوجاء والصفاقة وقلة الحياء" فبالنسبة لك نحن المسلمون قليلوا الحياء والأدب. ما هو الفرق بينك إذا وبين الذي تنتقده؟

لا تنه عن خلق وتأتي مثله ** عار عليك إذا فعلت عظيم

ما هكذا يكون الباحث ولا المفكر، وعليه أستطيع أن أؤكد لك أن هذا التعميم الذي أستعملته للتعليق على تصريح شخص واحد لا يقوم به حتى أفشل طالب عندي في الماجستير أو الدكتوراة، لأنهم ولله الحمد تعلموا علم الإحصائيات ونظم وقوانين الإحتمالات التي يبدو أنها لم تصل إلى مسامعك فأصبحت تعتبر الشخص الواحد يمثل أربعين مليونا من المغاربة ومليارا ونيفا من المسلمين.

بعد ذلك تنتقل لقصة أغرب من الخيال حينما تقول أن المسلمين المغاربة (بالمناسبة ألا تعتبر نفسك واحدا منهم؟) وتقول أن المسلمين المغاربة تستروا على الإنسان الذي أكتشف في جبل أغود لأنهم لم يعرفوا ما يفعلونه بقصة "أدم".

المشكلة أنك في ردك هذا ترتكب ما هو أسوأ وتسب عقيدة أمة بأكملها ليس لأنك على حق، بل لأنك لم تتجرد من حقدك الدفين على العرب والمسلمين هذا الحقد الذي تجاهر به في مقالاتك ومجالسك الخاصة.

تتكلم عن الميتافيزقيا التي يؤمن بها المسلمون من جنة ونار و سدرة المنتهى. وهنا أسوق لك سؤالا أتحداك أمام الملأ أن تجيبني عن الميتافيزقيا والنظريات الميتافيزقية التي أتى بها ستيفن هوكينغ وهي غريبة جدا من بينها واحدة سأتي على ذكرها. حينما يتنبأ العلم الحديث بأن الثقوب السوداء هي مناطق في الكون لايوجد فيها زمان ولا مكان، أي أنها الزمان والمكان ممتدين إلى ما لانهاية: هل تستطيع أن تشرح لي هذه الميتافيزيقيا التي من من بين مناصريها هوغينغ بنفسه؟ وماذا لو نادى بها مسلم؟ ماذا كنت ستقول؟ خرافات وشعوذة وهلوسات؟

بالنسبة لنا كفيزيائيين يبقى انتقاد السيد ستيفن هوكينغ مباحا ما دام الشخص أتى بنظريات، معظمها لم تثبت تجريبيا إلى الأن.

فمن غرائب الصدف أن هاته الضجة حصلت في هاته الأيام وأنا أستمتع بقراءة كتاب بالإنجليزية للفيزيائي الشهير ليونارد ساسكيند Leonard Susskind عنوانه:

”The Black Hole War: My battle with Stephen Hawking to make the World safe for Quantum Mechanics”

أي مامعناه "معركة الثقب الأسود: معركتي مع ستيفن هوكينغ حول جعل العالم أكثر أمانا لميكانيكا الكم". الكتاب يحكي أكثر من خمسة عشر سنة من الأخذ والرد والإختلاف بين مجموعتين من العلماء حول ما ذهب إليه ستيفن هوكينغ بأنه إذا ألقينا وحدة معلوماتية (bit of information) داخل ثقب أسود فإن هذه الوحدة تندثر تماما. قد تبدو هذه الفكرة ميتافيزيقة وغير ذي قيمة، ولو أتى بها أحد المسلمين لأنقض عليه صاحبنا الحقوقي وأسمعه الويل والثبور بأنه من الغيبيات الخرافية التي يؤمن بها المسلمون.

لكن بعض العلماء أمثال ساسكيند تنبهوا إلى خطورة ما يطرحه هوكينغ والذي يعني أن قانون الحفظ الفيزيائي (Conservation laws of physics) سوف ينهار و هو المبدأ الذي يعتبر من أعمدة الفيزياء.

هاته المعركة انحاز إليها علماء أفذاذ عارضوا هوكينغ، منهم العالم الهولندي الحائز على جائزة نوبل للفيزياء جيرارد تهوفت (Gerard T’Hoft) والذي كان لي شرف اللقاء به في إحدى المؤتمرات.

الكتاب من الحجم المتوسط يضم حوالي 450 صفحة أستمتع بها الواحدة تلو الأخرى لم أر فيها كلمة حمار أو بغل أ و قرد، كما أن رد هوكينغ عليهم لم يتهمهم بأنهم يهود أو مسيحيون جهلة بل كان النقد علميا والرد علميا وهو الأمر الذي إفتقر إليه الإثنان في تدخلهما . فإذا كان هذا حال الطبقة المثقفة في النقاش ببلدنا، فلا نستغرب إذا من لجوء بعض أفراد الشعب إلى السيوف و العنف لحل حواراتهم وإختلافاتهم.

إن الأمانة العلمية تقتضي أن يعتذر كل منكما: السيد المثقف أن يعتذر للعلم والعلماء، والسيد الحقوقي عليه أن يعتذر للمغاربة بعد أن نعتهم بأقبح الأوصاف وأهان عقيدتهم.

ولا أجد حكمة أختتم بها مقالي هذا خيرا من مقولة الإمام علي عليه السلام "لو سكت من لا يعلم، وتكلم من يعلم لقل الخلاف".

*أستاذ البحوث ومدير نظم الأبحاث جامعة تكساس أي أند إم فرع قطر