حصان الملك

حصان الملك

تقديم

أعزائي أطفال هسبريس؛ وإن لم تفكر هسبريس، بعد، أن تحجز لكم ركنا بها .

إني أعرف أن البعض منكم الآن، إلى جانب آبائهم أو أمهاتهم، وكبار إخوتهم، يتطلعون إلى هذا الفضاء الأزرق الذي لا يكف عن منافستهم في الزمن الأسري.

لهذا بدا لي أن أواظب، في هذا الشهر الفضيل، على إمتاعكم، كلما سنح الوقت بذلك، بقصص شيقة من هنا وهناك؛ أنتظر أن تعبر إليكم مباشرة، أو من خلال "هسبريسيي" الأسرة.

وهي للكبار كذلك، الذين لم ينصرفوا كلية عن متع الطفولة.

***

في بعض الأدغال الإفريقية كانت هناك ممالكُ، يجلس على عروشها ملوكٌ مستبدُّون.

رعايا مملكة "طوبا طوبا"، مثلا، لم يكونوا يستطيعون حتى النظر إلى ملِكهم؛ لأنهم يعتبرونه نصفَ إله؛ هكذا كان يخبرُهم السَّحرة.

كان لملكهم طوبُومْبو حصانٌ أبيضُ جميلٌ جدا؛ وكان يحبه حبًّا جمًّا، ويُفضله حتى على أعزِّ أبنائه.

ذات يوم جمع الملك رعاياه، ووقف أمامَهم خطيبا، وهو يمتطي ظهْر فيلٍ عظيم:

اسمعوا يا شعب طوبا طُوبا؛ إنكم تعرفون حصاني الأبيض، وتعرفون حبي الكبير له؛ اتركوه يسْرح في بساتينكم كما يشاء؛ ليلا ونهارا.

وأحذِّركم كلَّكم: من سوَّلت له نفسه أن يأتيني في يوم ما بخبر موته، رفَسْتُه بفيلي هذا حتى الموت.

ومضت الأمورُ وِفق مشيئة الملك؛ لا أحد يعترض الحصانَ الأبيض، ولو بدا له أن يدوس الأطفالَ، ويُسقط الأكواخ على رؤوس أصحابها.

إلى أن تولى ثُعبان كبيرٌ المهمة.

بينما كان الحصان يرعى في بستان رجل فقير؛ يدوس غِلاله كما يشاء، لدغه الثعبان لدغة صَهل لها صهِيلا حادا، مُودِّعا الدنيا.

احتارت الرعية في الأمر؛ من يُخبر الملك طوبومبو بما حصل لحصانه؛ وكلماتُه، وهو فوق الفيل، لا تزال تترَدد في الأدغال.

لا أحد تشجعَ للأمر؛ حتى حلَّ بالمملكة أحدُ حكماء الأدغال، الذين يُتقنون فن مخاطبة الملوك.

لما أذِن له الملك، ووقف بين يديه، وهو مُحاط بفرسان الملك من اليمين والشمال، تنَحْنح وقال:

عِم صباحا يا أقوى ملك في الأدغال؛ يا أذكى وأشجَع الفرسان؛ يا سيدي ومولاي حامي الإنْس والجَان؛ يا صاحب الأفضال على كل إنْسان وحِصان.

تملْمل الملك طوبومبو واسترخى على غير عادته؛ ثم قال:

الله الله كم يُعجبني كلامُك يا حكيم، كأنه من عيون الماء، وألحان الطيْر، كأنه في قُوته صدْرَ حصاني الأبيض. واصِل واصل.

ويواصل الرجل وهو ينتقي أحسن وأعذبَ العبارات؛ لأنه يعرف أن اللسان أحد ّمن السِّنان.

إلى أن كان لا بُدَّ من التطرق للموضوع الخطير.

ابتلع الحكيم ريقَه بصعوبة وقال :

يا مولاي، في هذا الصباح وأنا أعبُر البساتين المخْضرَّة بفضل روْث حصانكم وبركاتِه، لاحظت أنه مُمدَّدٌ في وضع غيرِ طبيعي.

ماذا تريد أن تقول يا حكيم؟ واصل.

رأيته مُمَدُّدا، وعيناهُ شاخِصتان في فراغٍ، واسِعتان؛ ورأيت قوائِمه مُمدَّدة لا حِراك فيها؛ كما رأيت ذُباباتٍ خضراءَ تحوم حول فمِه.

أما الرائحة يا مولاي؛ الرائحةُ المُنبعثة من جهة الحصان فلم تكن جيدةً.

ينتفض الملك واقفا، ويقول مُزمجرا:

تريد أن تقول إن حصاني الأبيض ماتَ؟

لا يا مولاي أنتَ من يقولُ هذا؛ أنت الذي قلت إن حصانك الأبيضَ ماتَ.

أنا قلت كذا وكذا، أما أنتَ الملكُ فقد أصدرْتَ حُكمك كما يفعلُ الملوك الحكماء، ولا أحدَ يعْصي لهم أمْرا.

بُهت الملك من بلاغة الحكيم ونباهتِه، ودِرايته بمُخاطبة الملوك، فعيَّنَه نائبا له؛ وبَعث من يتولى أمْر الحِصان النَّافق.

فِعلا اللسانُ أمْضى من السِّنان.

وقديما قال الشاعر العربي:

لسانُ الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤادُه **فلم تبقَ غيرُ صورةِ اللَّحم والدَّم

وإلى قصة أخرى