حكومتنا لا تفتح بريد الجزائر

حكومتنا لا تفتح بريد الجزائر

نيران في بيت الجيران:

حينما يتنادى جيرانك أنِ البدار البدار، فالنار في الدار، فأول رد فعلك، الإنساني والمنطقي، أن تسعى لمد يد العون، إن قبِل جارك، فهي لن تلبث أن تشب في تلابيب منزلك، إن عجز دونها جيرانك.

لكن حينما يمانع جارك، ويعتبر نيرانه مسألة شخصية لا تهمك-إن لم يتهمك بكونك السبب-فماذا تفعل؟

هل تغلق بابك متأففا، وتفتح التلفاز لتكتفي بالتفرج على نيران مشتعلة، هنا وهناك، في هذا العالم العربي، مهملا كلية ما يقع بجوارك، أم تسارع لاستكشاف مواطن الهشاشة في منزلك المرشحة لتكون أول ما سيشتعل؟

هل تنصرف كلية عن هذه النوازل الملتهبة لتدردش في العالم الأزرق البارد مع محيطك الافتراضي، أو لتستمع إلى موسيقى هادئة تنسيك حتى في الحرارة التي بدأت ترتفع في "صالونك" اللصيق ببيت الجيران؟

دافعي إلى طرح هذه الأسئلة ما ألاحظه من لا مبالاة حكومية بالدروس السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تبثها الجُمعات الجزائرية، خصوصا إلى الأنظمة الاستبدادية في العالم قاطبة، ولو أنطقنا الجسد الميت لاتحاد المغرب العربي، بالشهادة الجيوسياسية، لأكد أنها جمعات مغاربية أيضا.

طبعا غير وارد عندي انتظار تدخل رسمي مغربي، حكومي، في الشأن الجزائري، فهذا حسم فيه وزير خارجيتنا: لا تدخل ولا تعليق.

طبعا حكومتنا أذكى من أن تنفس كربة جنرالات الاستبداد في الجزائر، وقد أصبحوا عباقرة حتى في حبك المسرحيات، من قبيل محاكمة الجهاز الفاسد نفسه لبعض رموزه من السياسيين والاقتصاديين، في مرحلة تعتبر رسميا مرحلة انتقالية ليس إلا.

هذا لا يقع إلا في الجزائر، حينما يتهافت على الدولة من ليس أهلا لأبسط أمورها، بله الاستراتيجية: مخاض ولادة جمهورية ثانية، بدون جينات فاسدة، جمهورية لا تتنفس برئة النظام المنهار.

هل تقرأ الحكومة بريد الجزائر؟

لقد افتقدت أمرين عند حكومتنا، التي يسيرها "مازوط" العدالة والتنمية، في زمن البراق:

الأول:

أراها لا تستحضر، في تعاملها مع معضلاتنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بل حتى الإدارية الصرفة، ضرورة الوقوف الصارم والحازم، والمرابط، على مسمع صيحات من الحراك الجزائري، الذي يبدو أنه أهم حدث شعبي "ثوري" يقع في الخريطة المغاربية منذ تأسيس اتحاد المغرب العربي (17 فبراير 1989).

ليس المطلوب أن تتفرج، منتبهة فقط، بل أن تشمر وتنهض لأمور المواطنين، وكأن نار الجيران شبت فعلا في تلابيبها.

أستحضر هنا الوضع الاقتصادي لوجدة-كمثال فقط -وهي على مسمع من المدافع الصوتية للأمن الجزائري، في نزال حراكي، ترشحه كل المؤشرات والوقائع المتسارعة لينتقل من السلمية إلى الصدامية.

إنها مدينة تكاد تكون اليوم مشلولة اقتصاديا× اذْ لم يرْقَ تدبيرها المحلي والحكومي–خصوصا الاقتصادي-إلى مستوى إعادة التهيئة التي أشرف عليها ملك البلاد شخصيا منذ سنوات.

ولأن الغالب في المصائب تتابعها، فإن السجن أصبح يتهدد رئيس بلديتها، ورئيس الجهة بها، فهل في هذا بداية لحل مشاكلها العويصة، أم هو مدخل لمرحلة أشد تأزما؟

لا اعتراض لي على القضاء، ولا علم لي حتى بتفاصيل ملفاته في النازلة، بل أستغرب أن تترك مدينة حدودية، تواجه اقتصاديا واجتماعيا مصيرها، بعد أزيد من قرن على انبناء اقتصادها–برضى من الجميع-على التهريب، حتى ارتقى فيها إلى مستوى حق من حقوق ساكنة الجهة الشرقية، وحتى غدا ركيزة أساسية في اقتصادها.

ألا يجب أن تتحرك الحكومة ببرامج تنموية فاعلة ومحصنة، وبسرعة بُراقية، إلى الثغر الشرقي، حيث لم يعد أمام الفاعلين الاقتصاديين سوى الإصغاء إلى الحراك الجزائري، منتظرين أن يفضي إلى جزائر أخرى قادرة على فتح كل حدودها بدون عقد؟

إذا كانت الحكومة ترى ألاّ ضرورة لفتح البريد الجزائري، بله قراءته، ألاّ تفتح حتى رسائل عاصمة الجهة الشرقية التي عيرها ابنها عبد العزيز بوتفليقة، ذات زهو رئاسي، بكونها لم يبق لها–اذْ جَزْأرَت اقتصادها-إلا أن ترفع الراية الجزائرية فوق السطوح.

وأستحضر ملف التكوين المهني، على مستوى الوطن كله، الذي لولا "الحَرْكات" السلطانية المتلاحقة، الممسكة بخناق السيد العثماني، لظلت حكومته تراوح مكانها في موضوع تنموي شبابي استراتيجي.

وأستحضر عَمىَ وصمم الحكومة، وهي لا ترى في الأغنية الكروية الجماعية "ظلموني ف بلادي" وثبة مطلبية تزداد اتساعا والحاحا، لأن شباب الكرة، الذي ظنناه كروي التفكير لا غير، حوّل ركحها إلى حزب سياسي مطلبي واحد، يجُبُّ كل الأحزاب، حتى ارتقى بهذا إلى الشهرة العالمية، وغدا نشاطه السياسي الكروي الإبداعي ظاهرة تستقطب المحللين والدارسين في عدد من القنوات الدولية.

وستتناسل كلمات "ظلموني في بلادي" لتفرخ كل تفاصيل الظلم الاقتصادي والاجتماعي في الجهات والأقاليم.

كل هذا والحكومة الرافضة لفتح رسائل الجزائر، معتبرة أنها غير ذات موضوع يهم المغرب، مصرة أيضا على عدم الإصغاء إلى رسائل الملاعب الوطنية.

وأستحضر نوازل أساتذة التعاقد، حينما ينظر إليها من زاوية التدبير المالي فقط، ومقتضيات الجهوية، وكأنها لا ترتبط عضويا بتكوين أجيال المغاربة، معرفيا، قيميا ومهنيا.

ألم يكن الأمر يقتضي-قبل تشريع التعاقد-دراسة مخرجاته التربوية والمعرفية، انطلاقا من تتبع مردودية عينة محدودة موزعة على كل الأكاديميات الجهوية؟

إن الحالة النفسية للأستاذ عامل أساسي في تحقيق المردودية.

ألا تتناقض الحكومة مع نفسها حينما تحدد غايات وأهداف البرامج التعليمية وفي الوقت نفسه تعرقل تحقيقها باعتماد موارد بشرية محبطة الهمم؟

إن المكاسب هنا لا يجب أن تقاس بعدد المناصب المالية المحررة في الوظيفة العمومية، بل بمستوى مخرجات المؤسسات التعليمية، ومدى قدرتها على خدمة النموذج التنموي الجديد والمرتقب.

ألا تفتح الحكومة، في محيط إقليمي ملتهب، حتى بريد هؤلاء الأساتذة؟

على أي لقد عرف أغلبهم كيف يحل مشاكله المالية، بتحويل منازلهم إلى أقسام دراسية، تدر أضعاف الراتب. لا أحد يسأل فيها عن المردودية المعرفية والتربوية، لأنها خارج تغطية جميع الرقابات الرسمية، وليس التربوية فقط.

من يدري؟ إن التعاقد دسَّاس، والزمن قُلَّبُ، هذا لسان الحال، الذي يمد يدا مطالبا الدولة في الشارع، والأخرى إلى جيوب التلاميذ، ولا يستحيي حتى من فقرائهم، وهم يشمون رائحة الفروض وقد شاعت قبل الأوان.

هذا من إغراءات "التعاقدات" المنزلية، وهي كثيرة، وكلها تضرب النزاهة والمصداقية التعليمية في الصميم. إنها من تناسلات التعاقد، أو على الأقل استفحلت معه، والبادئ أظلم.

إذا لم تغنم وظيفة قارة تطمئن لها، فاغْنم من زمن التعاقد القلق والرجراج، وحقق أقصى ما تستطيع من دخل، متحرر حتى من الضريبة. هذا لسان الحال، وستمضي بنا ثقافة التعاقد في اتجاهات أخرى: احتراف الإشهار التجاري داخل المؤسسات، الدعاية للأحزاب في الانتخابات، وأمور أخرى.

ومهما استحضرت، فإن ضعف همة حكومتنا في إبداع الحلول يظل هو هو، فاترا باردا خشبيا حد الملل.

هي تنشط منتفشة الشعر، لقضاياها الحزبية، وهي في هذا بأعناق زرافات، متبهنسة حينما تهب الرياح لتعرف مصدرها ووجهتها.

وقد ولد هذا، منها، ثقافة مواطنية وإعلامية غريبة، عنوانها مسلسلات فضائحية، شخصية، لا تنتهي.

أليس هذا اشتغالا حكوميا أيضا؟

لم يعد أغلب الناس يهتمون بمردوديتها، أصبح الاهتمام بأحوال أعضائها أولى، حتى غدا حجاب ماء العينين أعز ما يطلب في النقاش.

أيتها الحكومة إن "لا تدخل ولا تعليق" لا يعني الدخول إلى صالون التلفاز والاكتفاء بالتفرج على نيران الجيران والمحيط العربي.

إن أعواد الثقاب هي هي، والحطب هو هو، وما كان للشعب الجزائري أن ينهض لجلاديه الأزليين لولا حرمانه من ثرواته، ومن سعادة العيش في دولة بمؤهلات طاقية ضخمة.

إن الفساد المغاربي مغربي أيضا، ولا آتي بجديد في هذا، أضف فشل النماذج التنموية المغاربية، وإسناد الحقائب الحكومية لغير أهلها.

ها قد أفضى الحراك الجزائري، والسوداني، بسرعة إلى ملفات فساد كبرى، كانت قد أخرجت أعناقها منذ زمن، فماذا تنتظر الحكومة لتبحث في الملفات الاقتصادية الكبرى التي تضرر منها المواطن المغربي كثيرا؟

إنها ملفات لم تخرج أعناقها فقط، بل أرجلها وألسنتها أيضا.

إن الخطب الملكية تتْرى في هذا الأمر وغيره، فهل من مُنزل؟

الأمر الثاني:

في أي سلة جزائرية يوجد بيض البوليساريو اليوم؟

ألا تفتح حكومتنا حتى رسائل تندوف في زمن انفضاح العصابة؟

"يتبع"