همسات في آذَان المُتسابقين إلى كرسيّ رئاسة الحكومة الإسبانية

همسات في آذَان المُتسابقين إلى كرسيّ رئاسة الحكومة الإسبانية

تعرف إسبانيا هذه الأيام سباقاً محموماً، وتبارياً مستميتاً، وهرولةً حثيثة لم يسبق لها نظير نحو كرسي رئاسة الحكومة الإسبانية في قصر la Moncloa بالعاصمة الإسبانية مدريد بين مرشّحي الأحزاب السياسية الرئيسيّة في الجارة الإيبيريّة وهم: بيدرو سانشيس، السكرتير العام للحزب الاشتراكي العمّالي الإسباني رئيس الحكومة قبل تنظيم هذه الانتخابات الرئاسية الجديدة، وبابلو كاسادو، رئيس الحزب الشعبي الإسباني، وألبيرريفيرا، رئيس حزب "مواطنون"، وبابلو إغليسياس، السكرتير العام لحزب "نسطيع"، وسانتياغو أباسكال، رئيس حزب "فوكس" اليميني الشوفيني المتطرّف.

إنّهم يركضون، يُسرِعُون، يُهرولون، يتواجهون، ويتحاورون، يتوجّسون، يتباروْن عن كثب وبلا هوادة فيما بينهم، دون أن يُلوُوا على شيء من أجل الظفر بكرسي رئاسة الحكومة الإسبانية في هذا القصر العتيد، ولقد حدّدت نقطة نهاية الوصول إلى الهدف المنشود، وبلوغ المَسعىَ المقصود لهذا السّباق المحموم في الثامن والعشرين من شهر أبريل الجاري.

في آذان هؤلاء المتسابقين، أهمس وأقول:

نحو تمتين عُرَى صداقةٍ أوثق

ينبغي أن يضعوا في اعتبارهم العناصر الصالحة المشتركة، والمكتسبات الهامّة والمورثات الحضارية، والتاريخية، والثقافية، واللغوية الثرية بين المغرب وإسبانيا التي تحفزهما أكثر من أيّ وقتٍ مضى لوضع قاطرة التعاون الثنائي على السكّة الصّحيحة القويمة لتقريب المسافات، واستغلال واستخراج كلّ العناصر الإيجابية بينهما، في عصرٍ أصبحت فيه التكتّلات الاقتصاديّة، والسياسيّة، والثقافيّة، والبشريّة، والإنسانيّة بين الدّول والشعوب تتبلور بشكل لم يسبق له مثيل، وذلك لزيادة تعزيز وتقوية الأرضية الصّلبة لعلاقاتهما المتينة في مختلف مرافق الحياة المعاصرة، الثقافية منها على وجه الخصوص، حيث تكمن الأهميّة القصوى للدّور الحيوي والمحوري الذي ينبغي أن يضطلع به هذا القطاع الهام في هذا القبيل بين الجانبين.

فإسبانيا والمغرب بحكم موقعهما الجغرافي الممتاز، والجيو-استراتيجي المتميّز، كبلدين جارين متقاربين، انطلاقاً من "ماضٍ" حضاريّ تقاسماه، و"ثقافةٍ" رفيعةٍ نَسَجَا خيوطها سويّاً، و"إشعاعٍ" متألق انصهرا في بوتقته، وبحكم "الحاضر" الواعد الذي يعيشانه، و"المستقبل" المشترك الذي يتطلّعان إليه، ينبغي أن يجعل كل ذلك منهما بلدين واعيين كلّ الوعي بالدّور الهامّ المنوط بهما لتحقيق المزيد من التقارب، والتداني، والتعاون، والتفاهم، والعمل على نَسْج عُرَى صداقة أوثق، وترسيخ أواصر مودّة أعمق، ومدّ الجسور المتينة بينهما في مختلف الحقول، وبشكلٍ خاص في الميادين السياسيّة، والتجاريّة، والاقتصاديّة، والثقافيّة، والعلمّية، والاجتماعيّة، والسياحيّة، والتاريخية، وسواها من أوجه التعاون المختلفة الحيوية ذات الاهتمام المشترك بين الطرفين.

الموروث التاريخي والثقافي المشترك

أنتم تعرفون أنّ الصّداقة القائمة بين بلدينا، والتعاون المثمر الذي يجمعهما يَعكسان مقدارَ الرّغبة التي تحدوهما لزيادة بلورة طموحهما، وتوسيع وتعميق تعاونهما في شتىّ المجالات، وفي مخططات التعاون الثنائيّة، والمشاريع الاستثمارية، والإنمائيّة، والصناعية الكبرى المشتركة. كلّ ذلك ينبغي أن يواكبه تبادلٌ ثقافيٌّ خِصب متنوّع، وتعاون علمي مكثّف يزيدهما تعارفاً، وتقارباً، وتفاهماً، وتناغماً، وإشعاعاً، وتألقاً، ويعمل على زيادة تمتين أواصر الصّداقة والمودّة، وتوفير الاحترام المتبادل بينهما.

هذا على الرّغم ممّا يشوب علاقاتهما بين الفينة والأخرى من أخذٍ وردّ، وطبخٍ ونفخ، وفتقٍ ورتق...! ممثّلة في أمور وقضايا ثنائية، ومطالب تاريخية مشروعة مشهورة ما زالت عالقة تنتظر الحلول الناجعة لها على المدى القريب والمتوسّط وغير البعيد... وهي أمور لا تخفى عليكم، ولا على أحد، ويعرفها القاصي والدّاني على حدٍّ سواء!

ولا غرو ولا عجب، فالموروثات التاريخية، والثقافية، والحضارية المشتركة الزّاخرة بين البلدين الجارين تشكّل ولا ريب أرضية صلبة، وحقلًا خصباً، ممّا جعلهما ينفردان بخصوصّيات ومميّزات قلّما نجدها لدى سواهما من البلدان الأخرى، الشيء الذي أفضي إلى خلق نوعٍ من الاستمرارية والتواصل الدائمين في علاقات الطرفين منذ عدّة قرون؛ إذ يرجع التبادل الدبلوماسي بينهما إلى القرن السّابع عشر حيث كان للمغرب قصب السّبق في ذلك، فكانت البعثات، والسّفارات، والرّحلات الدبلوماسيّة المغربية هي البعثات الأولى التي زارت إسبانيا، بدءاً أو انطلاقا من بعثة ابن عبد الوهّاب الغسّاني، سفير السّلطان المولى إسماعيل خلال حكم العاهل الإسباني كارلوس الثاني (1690-1691)، ومروراً بالسّفراء الزيّاني (1758) وأحمد المهدي الغزال (1766) وابن عثمان المكناسي (1779) والكردودي (1885) إلخ.

هذه الاتصالات المبكّرة شكّلت في العمق "دبلوماسية سياسية وثقافية" من الطراز الرّفيع؛ إذ أولت جميع هذه السفارات، وكذا البعثات التي تلتها، لهاذين الجانبين على وجه الخصوص أهميّة قصوى، وعناية فائقة. هذه الجهود المتواصلة، والاتصالات الحثيثة بين هاذين الفضاءين المتجاورين خلقت نوعاً من الاستمرارية، زادها العنصرُ الجغرافي بينهما متانةً وتدفّقاً، وقوّةً وتواصلاً، فضلاً عن الجانب الحضاري والثقافي المميّز الذي يُعتبر عنصراً فريداً في بابه في تاريخ الأمم، كلّ هذه الخصوصيّات طبعت علاقات الضفتين على امتداد الحقب والعهود. هذا التقارب والتواصل والحوار الدائم القائم بينهما الذي لم ينقطع ولم يفتر قطّ عبر القرون لهو خير رصيدٍ وضمان لبناء مستقبل حافل بالآمال والتطلعات الواعدة.

كبح الأحكام الخاطئة

أذكّركم أنّه انطلاقاً من هذا المفهوم، وتماشياً مع هذا السّياق والسّباق، ما فتئ المثقفون في كلتا الضفّتين يؤكّدون على الدّور المحوري الهامّ الذي تلعبه الثقافة، أو بالأحرى ينبغي أن تضطلع به الثقافة في توثيق وتعميق العلاقات بين البلدين، للتصدّي للأفكار الجاهزة، وكبح جماح وعواهن الأحكام المسبّقة، وتصحيح التصوّرات الخاطئة المنتشرة، والمُستشرية فيما بينهما؛ فقد أصبح الاهتمام فيهما يتنامى بالفعل بشكل فعّال، خصوصاً في أوساط النّخب الثقافية، وكذا عند فئات واسعة من الجمهور.

إن الاقبال المنتظم والمتزايد لأصدقائنا الإسبان على زيارة المغرب، وإقامة أو توافد وتوارد الكثير من المواطنين المغاربة على إسبانيا، من شأنه أن ينسج جسورَ الاهتمام لمعرفة واقع وثقافة وتاريخ البلد الآخر. وينبغي على الطرفين التصدّي في هذا القبيل للمفاهيم المعوجّة التي لا تقدّم صّورتهما الحقيقية، والتي تنتشر أساساً لدى الشرائح ذات الثقافة الضيّقة والمحدودة، وبالتالي فالوسيلة الوحيدة لمحو هذه التصوّرات الخاطئة هي العمل سوياً على واجهات التربية والتعليم، والإعلام، والثقافة، والفنون في كل من المغرب وإسبانيا.

إنه مجال يتطلب منّا بذل مَجهودٍ مُضنٍ من أجل تعبئة مختلف وسائل الإعلام قصد نقل الصّورة الحقيقية والإيجابية عن كلا الجانبين، وصقلها، وتقديمها بالشكل الصّحيح غير المغلوط. والحقّ أن المثقفين الإسبان والمغاربة بالفعل لم يدّخروا وسعاً في بذل الجهود المتواصلة في العقود الأخيرة، والاضطلاع بدور طلائعي في تطوير وتفعيل وتلميع وإبراز الصورة الحقيقية بينهما.

الحوار الثقافي

لا تنسُوا أنّه ينبغي لكم والحالة هذه البحث عن كثب عن الوسائل الناجعة وعن الآليات العاجلة لزيادة إثراء الحوار الثقافي القائم بين الجانبين لإقرار أرضية صلبة للتفاهم بينهما في مختلف المجالات، السياسية، والاقتصادية، والتجارية، تتماشى وتتناغم مع المعطيات التاريخية، والموروثات الثقافية المشتركة بينهما، واقتناعهما بالتأثير الإيجابي المتبادل بين ضفّتيْ البلدين على امتداد القرون، ممّا جعل منهما ومن منطقة حوض المتوسّط عبر التاريخ فضاءً ثقافياً خصباً، كان له تأثير بليغ على أوروبّا وشمال إفريقيا ومختلف البلدان المجاورة، كما جعلت "الأندلس" في عزّ أوجها من العالميْن العربي-الأمازيغي والإسباني-الإيبيري عالماً متلاحماً، ومتقارباً، ومتشابهاً، ومشتركاً في العديد من المظاهر الحضارية، والثقافية، والفكرية، واللغوية، والأدبية، والإبداعية، وفي مختلف الأشكال الفنيّة، والتصاميم المعمارية، وفنون الهندسية، ومرافق الحياة الأخرى، هذه التأثيرات، والبصمات المتشابهة طبعت المنطقتين الجغرافيتين إلى حدٍّ أصبحتا تشكلان عالماً قائماً ينفرد بعلائق تاريخية وطيدة، وخصوصيّات ثقافية مميّزة فيما بينهما منذ عهود وعقود خلت.

لغة سيرفانتيس

وأنهي إلى وطيد علمكم أنّه من الملحوظ أن اللّغة الإسبانية في المغرب وفي سائر البلدان المغاربية والعربية كادت أن تؤول إلى التلاشي، والزّوال، والاندحار في العقود الماضية أمام الزّحف والزّخم اللغويين الكبيرين للفرنسية والإنجليزية، إلاّ أن لغة وثقافة "سيرفانتيس" طفقتا ولو ببطء تسترجعان مكانتيْهما السّابقتيْن، حيث بدأ يزداد الاهتمام بتعلّم هذه اللغة العريقة التي تربطها صلة قرابة وثقى مع لغة الضاد، وبدأ التفاعل على أوسع نطاق مع الأنشطة والتظاهرات الثقافية والفنية التي تنظمها "المعاهد الثقافية الإسبانية" الموجودة في مختلف المدن والحواضر المغربية، والتي تحمل اسمَ صاحب "دون كيشوت"(سيرفانتيس)، الشيء الذي يبشّر بتفاؤل بمستقبل الثقافة الإسبانية في بلادنا التي تعتبر من أقرب البلدان دنوّاً من إسبانيا جغرافياً، وتاريخياً، وثقافيّاً، واجتماعياً بحكم التعايش الذي تقاسماه خلال الوجود العربي-الأمازيغي في الأندلس الذي استمرّ زهاء ثمانية قرون ونيّف، ولا شكّ أن التبادل الثقافي بين الطرفين-والحالة هذه-لا بدّ أنه سيزداد زخما، وكثافة، ومتانة بين الأجيال الجديدة المقبلة في أفق بلورة فضاء تثاقفي مشترك يتقاسمه الجانبان على مختلف الواجهات.

الموروثات التاريخية المغلوطة

ضعُوا نصبَ أعينكم أنّ الموروثات التاريخية المغلوطة، ووضع التجافي والتباعد والتنابذ الذي كان يطبع العلاقات المغربية الإسبانية منذ عقود خلت، بين الفينة والأخرى، يرجع في الأساس إلى عوامل عدّة لا تخفى على أحد في الضفتين المطلتين الواحدة على الأخرى، لقد آن الأوان لجيراننا أن يعرفوا ويتيقنوا أن زمنَ المقولة الشهيرة والمأثورة المجحفة: "السّاحل خالٍ من المغاربة"، كناية على مثل دارج مشهور عندكم كثيراً ما تلوكه ألسنة ذوي طينتكم الإسبان يفيد بعدم وجود الخطر على سواحلكم، قد ولّىّ ومضى بدون رجعة، فالعقليات قد تبدّلت، والأجيال الحاضرة قد ارتقت سلاليم الوعي والانفتاح والتعايش، وأصبح مبدأ قبول الآخر، واستيعاب التنوّع الثقافي والهويّاتي، وتقبّل التعدّد العرقي والإْثنِي أمرا ًواقعاً في مختلف أصقاع وبقاع المعمور.

أخبروا جيراننا الإسبان بأنّه ينبغي عليهم التحلّي بروح العصر، والنظر إلى الأمور بواقعية براغماتية، وتبصّر وحكمة، فزمن الزّهو الاستعماري قد مضى إلى حاله، وانصرم بلا رجعة، ينبغي عليهم قبول النزاعات ومعالجتها بجرأة وموضوعية، هذه النزاعات التي فُرضتْ على الطرفين قهراً في زمن لم تكن مفاهيم السيادة والحرية والانعتاق قد تبلورت، والنظرة الشوفينية الضيّقة لم تعد تجرّ على الجانبين سوى التعنّت والعناد، وجيراننا الإسبان من بني جلدتكم مشهورون بالعناد، ولهم فيه اليد الطولى، والباع الممدود، وهو ما يطلق عليه سكّان الرّيف في لغتهم، (الذين يعرفونكم جيّداً، ولهم معكم صَوْلات وجولات!) "تاغنّانت"، فحتّى "هِتلر" شهد لكم بذلك، ولعلّكم تذكرون ولا شكّ أنّه أبى وامتنع ذات مرّة أن يلتقي من جديد بـ "الجنرال فرانكو" بعد لقائه الأوّل به خلال الحرب العالمية الثانية، حيث قال عنه قولته الشّهيرة في هذا القبيل: "أفضّل أن يُنزَع لي ضِرس بدون بنج على أن ألتقي ثانية بهذا الرّجل"!

قضايا عالقة بين البلدين

هذا العناد ربّما هو الذي جعلكم تتماطلون، وتتمنّعون حتى الآن في تقديم اعتذار علني عن استعمال أجدادكم للأسلحة الكيمياوية الفتّاكة ظلما ًوعدوانا ًفي حرب الرّيف التحرّرية الماجدة، وإلحاق الأضرار الجسيمة بأهلها الآمنين الذين ما زال أحفادهم يعانون من الآثار الوخيمة لهذه السّموم المحظورة إلى يومنا هذا المشهود، فضلاً عن موضوع إشكالية طردكم وإبعادكم "للموريسكيّين" الأندلسيّين المسلمين "المُهَجَّرين" قهراً وقسراً عن ديارهم ومواطنهم، والذين استقرّ معظمُهم في المغرب، وفي الجزائر وتونس (معروف أن العاهل الإسباني السّابق خوان كارلوس الأوّل سبق له أن قدّم اعتذاراً علنيّاً لليهود (السيفارديم) الذين أُبْعِدُوا من إسبانيا، ولم يقم هو ولا خلفُه الحالي العاهل الإسباني فليبي السادس بالبادرة التاريخية نفسها حتى الآن مع الموريسكيين المسلمين.

وأنتم الذين ستمسكون بزمام الأمور إلى جانب عاهلكم–صديق المغرب الكبير-نناشدكم أن تتحمّلوا مسؤوليتكم التاريخية حيال هذ الحيف، والتظلّم الذين لحقا بهذين الموضوعين الشائكين، وما انفكّ العديد من مثقفيكم ومثقفينا ومثقفي العالم الحرّ يثيرون هذين المطلبين في السنوات الأخيرة بلا هوادة لعلّ بلدكم الصديق يخطو هذه الخُطوة الجريئة حيالهما! ناهيكم عن موضوع مدينتيْ سبتة ومليلية المحتلّتين والجزر المغربية السّليبة المحاذية لهما.

التعدّد الثقافي ودور المثقفين

أنتم تعرفون ولا شكّ أنّ الحديث عن التعدّد الثقافي والتنوّع الحضاري بين المغرب وإسبانيا يحلو ويطول، والتاريخ لا يُقرأ في هنيهة، أن الزّائر الإسباني الذي يأتي إلى بلدنا أو الزائر المغربي الذي يزور إسبانيا يلمسان التاريخ والعمران المتشابه بينهما حيّا نابضا قائما في كل مظهر من مظاهر الحياة في البلدين، دراسةُ هذا التاريخ، والتعمّق فيه، واستخراج العناصر الصالحة منه أمر لا مندوحة لنا عنه، وهو أمر ينبغي أن يولى أهميّة قصوى، وعناية فائقة، وتتبّعاً متواصلاً من طرفكم ومن طرف المثقفين، والكتّاب، والمفكرين، والمسؤولين والخواصّ، ومن لدن مختلف الجهات العلمية والتاريخية والمرافق التربوية والتعليمية التي تُعنى بهذه المواضيع للتعريف بهذه الذخائر، في الجانبين، ونشر الوعي وتأصيله بشأنها لدى أبناء جلدتهما ليكون المستقبل الذي يتوقان إليه مستقبلَ رقيّ، وإشراقٍ، وتلاقٍ وتلاقحٍ بين ماضٍ عريق، وحاضرٍ واعد.

ولعمري أن لفي ذلك تجسيدا وتجسيما للعهود التي عاشها أجدادنا في شبه الجزيرة الإيبيرية على امتداد العصور الحافلة بالعطاء الثرّ، والتعايش والتسامح، والإشعاع الثقافي والعلمي الباهر الذي شكّل وما يزال جسراً حضارياً متواصلًا بين الشرق والغرب، وبين مختلف الأجناس، والإثنيات، والمِلل، والنِحل.

ولا يغيب عنكم أنّه كنموذج للتعاون الإسباني–المغربي في هذا المجال بشكل عام ما فتئ المثقفون المغاربة والإسبان في كلتا الضفتين يؤكّدون على الدّور المحوري الهامّ الذي تلعبه الثقافة على وجه الخصوص في توثيق وتعميق العلاقات بين الشعبين الجاريْن.

الصّراع ضدّ الجّهل

أذّكّركم بهذه المناسبة بما قاله العاهل الإسباني السّابق خوان كارلوس الأوّل خلال إحدى زياراته إلى المغرب: "إنه من الضروري أن نتعارف أكثر فيما بيننا، فما أفدح الجهل المتفشّي فينا، ينبغي أن نمحي من رؤانا المشتركة جميع الصّور المشوّهة، والأفكار النمطية المسبقة الخاطئة، كما ينبغي أن نقصي عنّا جميع الرواسب، وأن نقضي على بعض التأويلات التي تحول دون تعرفنا ونطردها من أذهاننا، أظن أن إسبانيا والمغرب ليسا ورثة القليل، ولقد طبعت فكرهما معرفة عامة كجارين عاشا على امتداد التاريخ واحدا بجانب الآخر، ولقد فرّقهما الجهل أحيانا بشكل يجاوز كل حدّ".

الهويّة التاريخية المُشتركة

وأسمحوا لي أن أذكّركم بشذرات من تاريخنا المشترك؛ إذ يؤكّد الدّارسون أن تاريخ هذه الشعوب وتراثها العريق مستوحيان من ينابيع متعددة أصيلة وروافد وافدة متداخلة، وإن اختلفت مصادرها وينابيعها، وتباينت لغاتها وألسنتها بين عربية إسلامية وأمازيغية، وإسبانية إيبيريّة، وما فتئت العديد من النصوص، والوثائق، والمظانّ، وأمّهات الكتب والمخطوطات، والأشعار، والآداب، والفنون، والعلوم التي أبدعها كتّاب، وفلاسفة، وعلماء، وشعراء، ومؤلفون مسلمون أقاموا واستقرّوا، أو ولدوا وترعرعوا، في هذه الرّبوع القصيّة الجميلة في الضفّتين، إلى جانب المعالم التاريخية، والمآثر العمرانية، والقلاع الحصينة، والدّور، والقصور، والجوامع والصوامع، والبساتين الفسيحة، والحدائق الغنّاء التي تبهر الناظرين، فضلا عن العادات والتقاليد الحميدة التي تأصّلت في أعراف هذه الشعوب في مختلف مناحي الحياة، كلّ ذلك ما زال شاهدا إلى اليوم على مدى الأوج الذي أدركه الإشعاع الحضاري الفريد في هذه الأصقاع.

فهذا الغيث الفيّاض الغامر والمتنوّع من الإبداعات الرفيعة في مختلف الميادين لا يمكنه أن يحيا وينمو ويزدهر من لا شيء، أو داخل حدود ضيّقة أو منغلقة، بل إنّه ظهر وترعرع وازدهر ووقف مشرئبّا اعتمادا على نبعه الأصيل، واغترافا من معينه الأثيل، وتاريخه التليد، وتراثه العريق، وموروثاته الحضارية والإنسانية ذات الرّوافد الثقافية المتعدّدة المشتركة بين بلدينا.

وإنّ لفي ذلك تجسيداً، وتقييماً، وتجسيماً للعهود الزّاهرة التي عاشها أجدادنا جنباً إلى جنب على امتداد العصور الحافلة بالعطاء الثرّ، والتعايش والتسامح، والتآخي والتداني، والإشعاع الثقافي والعلمي الباهر الذي شكّل وما يزال يشكّل من بلدينا جسراً حضارياً متواصلاً بين الشرق والغرب، وبين مختلف الأجناس، والأعراق، والإثنيات، والملل، والنحل، والديانات، ممّا جعل لهما شخصية خاصّة، وطابعاً مميزاً، وهويّة فريدة بين مختلف بلدان العالم.

*كاتب وباحث من المغرب عضو الأكاديمية الإسبانية-الأمريكية للآداب والعلوم-بوغوطا-(كولومبيا)