الصدق أفضل حجاب..

الصدق أفضل حجاب..

على هامش نقاش حول اهتمامات الناس في مطلع سنة 2019، أثيرت قضية برلمانية نزعت حجابها في باريس وأعادت ارتداءه في بلدها الأصلي، حسب بعض المصادر الإعلامية الوطنية والدولية، فكان هذا الطرح أو الرأي المختصر.

القضية ليست في كون الحجاب ليس شرطا للانتماء إلى "حزب القيادات الانتهازية" كما قال أو قد يقول أحد من بسطائهم، ولكن الأمر يتعلق بقضية خداع ومكر وتحايل على الناخبين والناخبات الذين صوّتوا لصالح تلك "الأخت"، مثلا، على أساس أنها "أخت"، يعني متحجبة تناهض "العري"، وإذا به يتضح أنها تنزع الحجاب وترتدي الملابس الأوروبية، رغبة منها في إظهار أطرافها، كلما غادرت بلاد ناخبيها الذين بفضل طيبوبتهم، أو "غبائهم" و"سذاجتهم"، ما زالت تلك "الأخت" تحتل مناصب عدة وتتقاضى أجورا شهرية خيالية، حسب مصادر إعلامية، ناهيك عن كون تلك المنتخبة بالتحايل لا تتمتع بأية كفاءة استثنائية أو مهارات خاصة، بل فقط تردد الأسطوانة القديمة نفسها التي تحفظها عن ظهر قلب وبلغة خشبية مستهلكة، حسب مصادر إعلامية أخرى.

لم يصوت الناخبون على تلك البرلمانية لجمالها؛

لا أبدا، هذا أمر مستبعد جدا، بل لقد حصلت على أصواتهم لأنها تنتمي إلى حزب سياسي اعتقدوا أنه محافظ ديني، ولأنها تقدمت إليهم بحجاب صدقوا أنه يعكس الأخلاق الرفيعة ويمثل الفضيلة، ولم يتصوروا أنه مجرد خدعة لاستمالة الناخبين في إطار نفاق اجتماعي عظيم والله أعلم.

بل لقد منحوها أصواتهم لأنها استعملت خطابا يناهض "العري" و"المجون" إلى آخره، كمثل تلك البرلمانية الأخرى من نفس "حزب القيادات الانتهازية" التي كانت تأخذ الكلمة لتطرب الناخبين بمفردات قوية ضد المهرجانات الموسيقية، قبل أن تعود إلى "رشدها" بعد حصولها على المنصب والمال والجاه، ولسان حالها يقول: "وليذهب الناخبون إلى الجحيم!".

ومما جاء في بيان "حزب القيادات الانتهازية"، في شأن كل الذين انتقدوه اعتمادا على سلوك إحدى أو بعض منتخباته اللواتي اعتبرن مخادعات، بأن في ذلك: "دليل عجزٍ عن مواجهته في ميدان التنافس السياسي الشريف"..

لا حول ولا قوة إلا بالله. ما هذه التخليطة العجيبة الجديدة في الأوراق السياسية؟ فهل العمل السياسي "الشريف" يبيح لساسة أو لقادة حزب تلك "المرجعية الدينية" ما لا يبيحه لغيرهم؟ أم أنها مسألة ضحك على ذقون الشرفاء النزهاء الحكماء العقلاء العالمين العارفين، من قبل حزب سياسي تغلغل في المجتمع بأسلوب لا يعكس حقيقته؟ أفمن "البوكير حلال علينا وعلى أبنائنا حرام على غيرنا" ننتقل إلى "بذلة العمل الدينية"، وهلم جرا؟ ما هذا الورش؟ ما هذا "الهولكوست النفسي الاجتماعي العجيب الغريب الجديد"؟

عفوا، ولكن للموضوعية السياسية شروطا. لا حاجة لنا كمسلمين إلى حزب سياسي يدعي "المرجعية الإسلامية" ما دامت الدولة تحفظ هذه المرجعية. وإذا كان من حزب يتميز باسمه وبرمزه الانتخابي عن باقي الأحزاب في أذهان الناخبين "بإسلامية مزعومة"، أو يتحكم في شطر من ضمير جمعي طيب "ساذج" بأسلوب ماكر مخادع، فعليه إما تغيير اسمه ورمزه الانتخابي أو الانسحاب كليا من الساحة السياسية حتى لا يفاقم الأوضاع، وحتى لا يتسبب في مضاعفة عدد المتعاطين للمخدرات، وحتى لا يتسبب في تحقيق رقم قياسي جديد في ما يخص نسبة الأمراض النفسية أو العقلية في المجتمع..

ولتكن الأمور واضحة، المشكل لا علاقة له بغطاء الرأس وبالتبرج وباللحية، بل يكمن فقط في الكذب على الناخبين. فكما على "المرشح اليساري"، مثلا وبصفة عامة، أن لا يتقدم إلى الانتخابات مدعيا، مثلا، أنه لا ينطق بالشهادة فقط لأنها مسألة شخصية، لـ"يسرق" بعض الأصوات أو كي لا يفقد أصواتا مصيرية، على "المرشح المتدين" أيضا، مثلا وبصفة عامة، أن لا يبالغ في الرياء أو في مظاهر "التقوى والإيمان" حتى لا يخدع الناخبين.

وفي كلتا الحالتين، إذا ثبت الكذب واتضحت الخديعة، فمن المفروض توفر إمكانية الطعن في نتائج الدائرة الانتخابية المعنية لإسقاط "المنتخب الكذاب" أو "المنتخبة الكذابة"، وتنظيم انتخابات جزئية لانتخاب مرشحين أو مرشحات على الأقل لا يكذبون باستغلال عقيدة الناس.

أن تقرر سيدة عادية لا تمتهن السياسة نزع حجابها بعد طول سنين من ارتدائه فذلك شأنها وحدها، وتلك حياتها الشخصية التي يحمي حدودها القانون؛ ولكن أن تستعمل سيدة تمتهن السياسة "الحجاب الشرعي"، و"الخطاب الديني"، لنيل تعاطف الناخبين وكسب أصواتهم فقط بهدف الاستفادة من ريع البرلمان، وما إن تغادر البلد في عطلة إلا وتنزع حجابها نزعا، فهذا يعني أنها ربما تتاجر بالدين وبأنها ليست أهلا للثقة، ولا تستحق أصوات ناخبيها الطيبين. فالحرية الشخصية هنا تتعلق فقط بمن لا يجني مالا بفضل الانتخابات، كما أنها لا تعني البرلمانيات والبرلمانيين في شيء، لأن الناخبين لهم حقوق على منتخبيهم ومنتخباتهم.

خلاصة: لقد فشل "حزب القيادات الانتهازية" في الترويج "للإسلام المعتدل" أو دعمه؛ ولكن من المنتظر أن تعرف نسبة التدين، لدى عامة الناس، تصاعدا مثيرا على المدى المتوسط كردة فعل على تلاعبات وألاعيب وخداع "حزب القيادات الانتهازية" العجيب الغريب، وللحديث ربما بقية. والله أعلم..