الإسلام العلماني

الإسلام العلماني

أعلن مجموعة من المثقفين والفاعلين الحقوقيين الذين ينحدرون من أصول إسلامية، في ألمانيا خلال الأيام الأخيرة، عن تأسيس مبادرة أطلق عليها اسم "الإسلام العلماني". وقد جاءت المبادرة المذكورة كرد فعل على النفوذ المتنامي "للإسلام المسيس"، الذي عزز نفوذ منظمات تقدم نفسها بوصفها ممثلة لمسلمي ألمانيا؛ لكنها لا تعبر عن صورة الإسلام المتسامح، ولا تؤمن بقيم الديمقراطية والحقوق الكونية.

الحديث عن دين علماني يعني النأي بهذا الدين عن أي استغلال سياسوي، وهو ما ينطبق على كل الأديان، سواء كانت سماوية أو وضعية؛ لكن ما الداعي إلى الحديث عن "إسلام علماني" في بلد اختار منذ زمن بعيد الفصل بين الدين والدولة؟ وإلى أي حد يمكن نقل مبادرة "الإسلام العلماني" إلى دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط من أجل كبح خطر حركات وأحزاب الإسلام السياسي؟ وهل هذه التنظيمات على استعداد لإجراء "مراجعات" حتى لا تستثمر الدين في الصراع السياسي؟.

الحديث عن إسلام علماني في ألمانيا يؤكد أن فئة من الذين يدينون الإسلام في هذا البلد يدركون أن التأطير الديني الذي يتلقاه المسلمون هناك لا يؤسس لقيم التسامح والسلام، وأن الجهات التي تمول الجمعيات الإسلامية هناك هي في الغالب الأعم تسعى إلى تحقيق مكاسب سياسية من أجل الحفاظ على نفوذ ما داخل ألمانيا وغيرها. ولأن المسلمين أصبحوا يشكلون نسبة مهمة من النسيج الاجتماعي الألماني بسبب احتضان البلد لملايين المهاجرين القادمين أو المنحدرين من دول وأصول إسلامية، فإن الحاجة إلى اندماج كامل لهؤلاء في السياق الثقافي والاجتماعي للبلد الذي يقيمون فيه أصبحت تفرض نفسها بإلحاح، وخصوصا في ظل تنامي خطابات التطرف والكراهية التي تحولت في كثير من المناسبات إلى ممارسات إرهابية، سواء في ألمانيا أو غيرها من الدول الأوربية. ومن ثَمَّ، ارتأى بعض المثقفين المسلمين المقيمين بألمانيا تأسيس مبادرة "الإسلام العلماني"، من أجل إبعاد التدين عن خطر خدمة أجندات سياسية تسيء إلى الوجه الحضاري لهذا الدين وتجعل المسلمين في قفص الاتهام باستمرار.

الحاجة إلى إسلام علماني مطلب يفرض نفسه بقوة في ديار الإسلام قبل غيرها، إذ إن توظيف الدين واستغلاله سياسيا يكاد يكون ملمحا مشتركا في مختلف دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط التي تهمنا في هذا المقام. وعلى الرغم من إقرار بعض النصوص القانونية والدستورية التي تمنع مثلا تأسيس أحزاب سياسية على أساس ديني أو ترفض استخدام الرموز الدينية في الشعارات الحزبية وفي الحملات الانتخابية في بعض دول المنطقة، فإن تنصيص الدساتير على الإسلام كدين للدولة يجعل إمكانية تحييد الدين بشكل كامل في الممارسة الحزبية والسياسية أمر غير ممكن، خصوصا أن معظم التشريعات المعمول بها في هذه الدول تزاوج بين مقتضيات المرجعية الإسلامية والقوانين الوضعية. ومن ثَمَّ، لم يكن بالإمكان منع تشكيلات الإسلام السياسي من الانخراط في المشهد الحزبي في المغرب وتونس ومصر وغيرها من دول المنطقة؛ وهو ما منحها حضورا خاصا بعد موسم "الانتفاضات الشعبية" التي عرفتها تونس ومصر وليبيا وسوريا منذ 2011، وأدت إلى صعود ملحوظ لنجم الأحزاب الإسلامية، واستطاعت بعض هذه الأحزاب الوصول إلى السلطة وتدبير الشأن العام. فهل كانت مرجعيتها مؤثرة في قرارها السياسي؟

يمكن الإجابة عن السؤال من خلال مثالين اثنين: ففي المغرب، اغتنم حزب العدالة والتنمية رياح ما يسمى بـ"الربيع الديمقراطي"، واستطاع أن يتصدر المشهد الحزبي في انتخابات 2011 و2016؛ لكن مرجعيته الإسلامية لا تبدو مؤثرة بوضوح في سلوكه السياسي لسبب أساسي هو أن السلطة هي التي تحتكر الشأن الديني من خلال مؤسسة "إمارة المؤمنين". ولذلك، اختار حزب العدالة والتنمية خطا سياسيا مهادنا على هذا المستوى؛ حتى لا يصطدم بالمؤسسة الملكية. ومع ذلك، فإن الحزب لا يستطيع التنكر لمرجعيته عندما يتعلق الأمر بمواقفه المعلنة في كثير من الملفات؛ من قبيل: ترسيم الأمازيغية والنقاش حول المساواة بين الجنسين في الإرث وغيره من الحقوق، بالإضافة إلى سلوكه الانتخابي الذي يستغل العمل الإحساني، ويوظف الخطاب الديني لدغدغة العواطف... ثم إن توزيع الأدوار بين الجناح السياسي (هياكل الحزب) والجناح الدعوي (حركة التوحيد والإصلاح) للحزب يثبت أن الفصل بين السياسي والديني في الخطاب الرسمي للحزب ليس قرارا إستراتيجيا، بل هو شكل من أشكال "التقية".

المثال الثاني شهدته تونس التي حملت ثورتها الياسمينية حزب النهضة الإسلامي إلى قيادة الحكومة في عهد الرئيس السابق المنصف المرزوقي، وما زال حزب "النهضة" حتى الآن يشارك في تدبير الشأن العام إلى جانب حزب "نداء تونس" الحاكم. وقد خطا الحزب الإسلامي خطوة غير مسبوقة في تاريخ حركات الإسلام السياسي في المنطقة، عندما قرر خلال مؤتمره العاشر في شهر ماي 2016 أن يتخلى عن خطه الدعوي ويتحول إلى حزب سياسي مدني. وعلى الرغم من الشكوك التي أفرزها القرار، واعتباره من طرف الكثيرين مجرد مناورة سياسية حتى يتجنب المصير الذي آل إليه إخوان مصر بعد انقلاب السيسي المدعوم شعبيا على سلطتهم سنة 2013. وقد يكون لهذه الشكوك ما يبررها إذا نظرنا إلى مواقف الحزب من النقاش الحقوقي في تونس، حيث لا تعتزم الكتلة البرلمانية لحزب النهضة التصويت لفائدة مشروع قانون المساواة في الميراث؛ لأن الموقف الرسمي للحزب يرفض إقرار المساواة في الإرث، وهذا يعني أن المرجعية الإسلامية للحزب هي التي تحكم اختياراته السياسية على الرغم من انخراطه في شروط الدولة المدنية. وبالتالي، فتبني "إسلام علماني" في السلوك السياسي ما زال بعيد المنال في المشروع المجتمعي لحزب النهضة.

هكذا، أثبتت التجارب أن احتضان حركات الإسلام السياسي ممكن، من خلال فسح المجال أمامها للمشاركة السياسية والانخراط في المؤسسات والاحتكام إلى صناديق الاقتراع؛ لكن ذلك يظل غير كاف بدون الحسم في مدنية الدولة. إن الحزب الحاكم في تركيا لا يشكل تهديدا كبيرا على مدنية الدولة، لأنه منخرط في المشروع العلماني وملتزم بشروطه على الرغم نفوذه في الشارع التركي. أما في دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط، فإن خطر الإسلام السياسي يظل قائما، سواء كان في السلطة أم في المعارضة. كما أن الصراعات الإقليمية حوّلت حركات الإسلام السياسي إلى وقود لإثارة النعرات وفرض الولاءات هنا وهناك، وأصبحنا اليوم نعيش صراعا معلنا بين المشروع الإخواني الذي يدين بالولاء "للإسلام القطري" والمشروع السلفي الذي يمثل "الإسلام السعودي". وفي الحالتين معا لا يمكن الوثوق في المشروعين لأنهما لا يعترفان بالديمقراطية، ولا يؤمنان بالقيم الكونية وبالمساواة وحرية المعتقد والمواطنة.

05 دجنبر 2018.