حنين فرنسا إلى الثورات

حنين فرنسا إلى الثورات

فرنسا كانت دائما بلد الثورات والاحتجاجات والتمردات، ثورة 1789 التي مهد لها فكر الأنوار وبروز حركة مناوئة لما كان سائدا من استبداد وهضم للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ومن أبرز زعمائها Montesquieu الذي طالب بفصل السلط، وVoltaire الذي ندد بالتفاوت الطبقي، وJean Jacques Rousseau المنتصر للحرية والمساواة.

وقد مكنت هذه الثورات من إجراء تحولات جذرية في فرنسا وامتدت أثارها إلى باقي المجتمعات الأوروبية، كما نتجت عن الثورة الصناعية تحولات مجتمعية؛ إذ أفرزت مجتمعا منقسما بين أرباب العمل البورجوازيين وطبقة العمال الكادحين بأجور متدنية؛ الشيء الذي أدى إلى الاحتجاجات وبروز النقابات العمالية، وانخراط الكتاب والمفكرين في التشخيص والتنديد، مثلا مؤلف Germinal للكاتب EmileZola.

ولعل ما يحدث اليوم، ومنذ أحداث 1968، لا يعدو أن يكون إلا امتدادا للماضي الحافل بكثير من الثورات في محطات تاريخية مختلفة، وأن الاحتجاجات الأخيرة التي تميزت برمز مشترك هو السترة الصفراء وحدت جميع الفرنسيين، وأن الانتساب إلى الحركة لا يشترط ايديولوجية معينة، أو اعتبارات عرقية أو مهنية أو طبقية، فالحركة تهم جميع الفرنسيين، واجهها الرئيس ماكرون بانتقادات لاذعة وبعجرفة الأمير الصغير le petit prince، على حد تعبير بعض الصحافيين، رئيس مفتقد للتجربة والحنكة السياسية متخصص في المعاملات البنكية والمصرفية على شاكلة بعض النيوليبراليين المستبدين، لم يكلف نفسه عناء إعادة فرض الضرائب على الثروات؛ الشيء الذي سيزيد من إشعار الشارع والمواطن البسيط بالظلم والحيف، في تكريس بيّن لخرق العدالة الاجتماعية.

وإن استمرار الاحتقان وانتشار أعمال العنف والتمرد الشديد، بل والمساس برمزية بعض المآثر، كقوس النصر الذي تعرض للتخريب وبلغت كلفة الخسائر اللاحقة به وحده مليون يورو، مع تسجيل 248 حالة إضرام نار، منها 112 سيارة محروقة، و230 عقارات محروقة، و263 إصابة بجروح، وإحراق مقر ولاية للأمن مع منع الوقاية من إطفاء النار به، والقبض على 678 شخصا، من بينهم 412 بباريس وحدها، عقب أحداث السبت الأخير، كل ذلك جعل الحكومة تتراجع بصفة نهائية عن فرض ضريبة إضافية عن الوقود.

لكن حركة السترات الصفراء تطالب برفع الحد الأدنى للأجور إلى 1500 يورو، كما امتدت الاحتجاجات إلى الطلاب والمزارعين، كيف لا والرئيس اعتبر البعض بمثابة "لا شيء"، وسياسته اللاشعبية جعلت القدرة الشرائية تتراجع، ناهيك عن اقتناع الشعب بأن ثقته تتراجع فيه، وظهر أن 72 في المائة من الفرنسيين مؤيدين للغاضبين.

وبالرغم من أن هذه الأحداث لا تحمل رسالة وليس لها قائد، فإنها تحولت إلى حركة تمرد عارم جمعت اليمين واليسار دون وجود لمن يقود الحركة الجماهيرية، التي تحولت إلى كرة حارقة تخطت حدود فرنسا ووصلت إلى بلجيكا وهولندا وألمانيا، في مظهر غير معتاد وغير متعود عليه من العنف والدمار تخطى الحركات الاجتماعية المستحدثة.

وإذا تجسدت خيبة أمل الماركسيين في عدم تمرد المقهورين، فهل يعتبر من حصل على ظروف العيش الكريم ويتمتع بكافة الحقوق هو الأكثر استعدادا للتمرد؟ فإذا كانت ثورات الربيع العربي تحولت إلى ثورات مضادة تذيق البعض التقهقر وأنواعا متنوعة من الظلم والانتهاكات، فماذا سيكون مصير أحفاد ثورة فكر الأنوار في ظل الحركات الاجتماعية الجديدة؟ ورغم كل هذا العنف وصيرورة باريس قطعة لهب، مع الاستمرار، والتهديد بسبت مقبل يبعث على التوجس والحذر، فلا أظن أن الأحداث شملتها التغطية الإعلامية بالشكل الذي تفعله لما يتعلق الأمر بالتعليق وتغطية وتهويل ما قد يجري أو ما تشهده بلادنا أحيانا من حركات احتجاجية !