المدرسة وصناعة الغباء

المدرسة وصناعة الغباء

في كتابه "الكتب في حياتي" للكاتب والرسام الأمريكي هنري ميلر، يحكي أنه قرر عدم إدخال ابنه الوحيد إلى المدرسة، وفور تأكد زوجته من هذا القرار الذي اعتبرته خطيرا، قامت بإبلاغ الشرطة واتهمت الكاتب الكبير بالجنون، وبعد شد وجذب ونقاش طويل، سألت زوجها ما الذي جعلك فعلا تسير في هذا الاتجاه المنحرف؟ فأجابها بصمود وثقة تامة بأن المدرسة لا تنتج المعرفة، وإنما تنتج الغباء، وابنك سيكون واحدا لا محالة من هؤلاء الأغبياء.

منذ مدة طويلة والنقاش محتدم حول وضع المدرسة العمومية، والذي أجمع جل المهتمين على أنه وضع كارثي بكل ما تحمله الكلمة من معنى. من هنا نطرح ببساطة سؤالا بديهيا وواضحا وهو: في ماذا تصلح هذه المدرسة؟ ولماذا لا نبحث عن بديل آخر؟.

بداية يجب أن أوضح شيئا أساسيا قد أثار انتباهي، وهو أن أغلب المنتقدين للمدرسة الخصوصية هم من يبعثون أبناءهم لمتابعة الدراسة بها، وقلة قليلة منسجمة مع خطابها وتحترم ما تقول.

الملاحظة الثانية والخطيرة جدا أن أغلب المنتقدين لوضعية التعليم بالمغرب هم النقابيون والسياسيون والحقوقيون والجمعويون والمثقفون بالمغرب، والغريب جدا أن هؤلاء جميعا يُدَرِسُونَ في المدرسة العمومية، وهم على دراية كاملة بالوضع التعليمي ومشاكله، وكذلك لهم تجربة طويلة في الميدان، ويتوفرون على شهادات عليا، لكن النتيجة كما يعرف الجميع جد مخيفة.

وبالمقابل نلاحظ أن المدارس الخصوصية التي أصبح الجميع يتهافت عليها، يعمل بها مجموعة من الأساتذة المبتدئين، لا يتوفرون على شهادات عليا وليس لديهم أي تكوين، ومع ذلك نلاحظ أن "المردودية" مرتفعة بالمقارنة مع المدرسة العمومية. إذن أين يكمن المشكل؟ هل في المدرسين؟ هل في المقررات المدرسية؟ أم في طريقة التسيير والتدبير؟ أم في تواكل الآباء؟.

بصراحة، سألت العديد من الأساتذة الأكفاء الذين يُدَرِسُون بالمدرسة العمومية لماذا يتابع أبناؤكم دراستهم بالمدرسة الخصوصية؟ فكانت الإجابة قاتلة ومحزنة، عندما قالوا لي بالحرف: "المعلمين ماكيقريو حتى حاجة"، "ولا يحترمون أنفسهم وعملهم"، وبمجرد ترسيمهم يلتحقون بإحدى النقابات للدفاع عنهم سواء كانوا ظالمين أو مظلومين، وبذلك تجد أغلبهم يقتاتون من منظومة الريع والكسل.

الآن الصورة واضحة وضوح الشمس، لا تحتاج إلا تفلسف أو تنظير شاق، في نظري المتواضع جدا أن مشكل التعليم بالمغرب ليس مشكل اللغة بالمرة، ولا مشكل مقررات، ولا مشكل غني أو فقير، ولا مشكل قسم أو مرحاض، ولا حتى سور غير موجود أو آيل للسقوط، وغيرها من التبريرات التي أراها مفبركة بإتقان لغرض في نفس يعقوب؛ المشكل مشكل ضمير رجل التعليم وكفاءاته وقدرته على الفعل، والإيمان بما يقوم به.

كنت أحضر بعض اللقاءات بمندوبية التعليم بمدينة قلعة السراغنة منذ خمس عشرة سنة خلت، وكان المندوب الإقليمي لا يتوقف عن تذكير الأساتذة عندما يشتد الصراع بينهم قائلا لهم: "المعلم هو القسم، والقسم هو المعلم".

وحقيقة بعد كل هذه السنين، لازلت أتذكر أساتذتي الكرام الذين أثروا فينا وفي شخصيتنا وفي تكويننا، بتوجيهاتهم، بشخصيتهم، بثقافتهم ومجهوداتهم ومعلوماتهم القيمة وحضورهم الدائم. كنا نتلقى أكثر من درس، في درس واحد، كان الأستاذ إمبراطورية قائمة الأركان.

وعندما نعود إلى مقولة "المعلم هو القسم" فهذا يحيلنا مباشرة علة أنه سيد القسم، هو الآمر والناهي، هو من يتحكم في شريانه وهو المسؤول عن التلاميذ، في تعليمهم وفي توجيههم وتربيتهم؛ نعم تربيتهم لأن لديه سلطة رمزية لا تتوفر لأحد سواه.

وعلى هذا الأساس فالمعلم الذي لديه مهارات وكفاءة وحضور قوي هو من يتحكم في القسم كليا ويجعل مجاله يغني السيمفونية التي يشاء على حد تعبير نيتشه، ومن ثم يصنع من تلامذته ما يشاء، لأنه يؤمن بذلك إيمانا شديدا. وعندما يصبح المعلم يردد بمناسبة وبدون مناسبة "ماشي شغلي، أش كتعطيني الوزارة قردة والدة"، فهذا مؤشر على أكثر من سقوط مدو للجميع، وهذا ينبئنا بوضوح تام بأن المدرسة ليست هي المشكل، والمشكل الحقيقي يكمن في المدرس، وبالضبط في خواء المدرس من كل حس إنساني ووطني.

مند يومين قرأت بالصدفة حياة توماس أديسون، واندهشت كثيرا لهذا المخترع العظيم الذي أنار القرية الكونية عندما قال: "عندما وصفني الأستاذ بالفاسد والغبي وتم طردي من المدرسة ظلت أمي تلعب دور الأم ودور الأستاذ، واثقة بي كل الثقة، ولولا إيمانها بي لما أصبحت مخترعا أبدا".

وفي سنة 1931 توفي هذا العبقري الذي لم تعترف به المدرسة (الغبية) على حد تعبير هنري ميلر، وترك ما يربو عن 1000 براءة اختراع، وفي إطار رد الاعتبار إليه وفي يوم جنازته طلب الرئيس هربرت هوفر من الأمريكيين إطفاء الأنوار في منازلهم كوسيلة لدفع الجزية للرجل الذي أعطاهم الكهرباء من حياته وبحثه المضني وإيمانه بنفسه دون أن يؤمن به الأستاذ "الغبي" يوما ما.