ما دلالة رفض "البغرير" المعروف وقبول "السؤدد" المجهول؟

ما دلالة رفض "البغرير" المعروف وقبول "السؤدد" المجهول؟

المواقف والآراء ذات العلاقة باللغة والهوية تؤكد، في غالبيتها، ما سبق أن قلته عن التحوّل الجنسي، أي القومي والهوياتي، الذي اجتاح المغرب، وشمال إفريقيا بصفة عامة، كوباء فتّاك جعل ضحاياه من المغاربة ينكرون أصولهم ويحتقرون انتماءهم ويرفضون لغتهم، وينتحلون انتماءت أجنبية ويمجّدون لغات الآخرين ويحاربون كل ما هو محلي ومغربي أصيل.

وقد رأينا، مع انطلاق الدخول المدرسي 2018 ـ 2019، كيف استلّت السيوف وشُحذت السكاكين استعدادا لذبح الدارجة على محراب العربية انتقاما من هذه الدارجة، لأن ثلاث كلمات منها أساءت الأدب بتسلّلها إلى نصوص عربية بالكتاب المدرسي. لقد اتخذت هذه الحملة ضد الدارجة، لدى العديد من المثقفين والبرلمانيين والمسؤولين السياسيين، بمناسبة ورود لفظ "بغرير" في كتاب مدرسي للمستوى الأول ابتدائي، شكل هستيريا جماعية يجهل المصابون بها الدوافع الحقيقية لسلوكاتهم الغريبة وغير السوية. وهكذا أصبحت كلمة "بغرير" تهدّد الأمن اللغوي للمغرب، ووحدته الوطنية ، وتشكّل شذوذا ومسخا...

هؤلاء "التطهيريون" الرافضون لكلمات دارجة في كتاب مدرسي لتلميذ الابتدائي، خوفا من تدنيسها لطهارة العربية، غالبا ما يدافعون عن موقفهم التطهيري هذا، عندما تعوزهم الحجج العلمية واللسانية والبيداغوجية، باللجوء، ضمنا أو تصريحا، إلى حجتهم القديمة، المسكوكة والمكرورة، وهي أن العربية لغة القرآن. وهنا، وبناء على منطقهم التطهيري، ينبغي عليهم، حتى يكونوا منسجمين مع موقفهم التطهيري الرافض لكل لفظ غريب عن العربية ولا ينتمي إلى معجمها، أن يرفضوا القرآن الذي يحتجون به. لماذا؟ لأن القرآن نفسه يشتمل على عشرات الألفاظ للغات أجنبية عن العربية، كالفارسية والأثيوبية والأمازيغية ـ نعم والأمازيغية ـ والعبرية والسريانية الحاضرة في النص القرآني بنسبة كبيرة... وهذا قرآن وليس مجرد كتاب لتلميذ في المستوى الأول، ويتضمن العشرات من الكلمات الغريبة عن العربية وليس فقط ثلاث أو أربع كلمات. هذا هو المأزق الذي يضع فيه هؤلاء التطهيريون أنفسهم لأنهم لا يعون، كما سبق أن أشرت، الدوافع الحقيقية التي تحرّك سلوكهم ذا الطابع الهيستيري الجماعي.

هؤلاء التطهيريون الرافضون للدارجة، لا يرفضون، رغم ذاك، العيش بها عندما يستعملونها طيلة يومهم، بها يتواصلون؛ بها يبيعون ويشترون؛ بها يعاشرون زوجاتهم على أسرّة النوم؛ بها يحلمون؛ بها يأكلون ويشربون؛ بها يسبّون ويمدحون؛ بها يحبون ويكرهون... لكن ما أن وردت "كلمة "بغرير" في كتاب مدرسي، حتى انتفضوا مستنكرين ورافضين لها، كأن الكلمة أجنبية أو غير مفهومة أو تمس بالنظام العام، أو ستتسبّب في رسوب التلميذ. لكنهم لم يستنكروا ولم يرفضوا كلمة "السؤدد" التي يتضمنها النشيد الوطني، الذي ليس مجرد نص قصير موجه لتلميذ في سنته الأولى بالتعليم الابتدائي مثل كلمة "بغرير"، وإنما هو من رموز الدولة وشعاراتها. وهذا النشيد يحفّظ للتلاميذ دون أن يفهموا معنى "السؤدد"، ولا حتى مضمون النشيد، ودون أن يحتج أحد على ذلك. بل إن الكثير من المغاربة يرددون النشيد الوطني دون أن يفهموا شيئا من عبارة: «منتدى السؤدد وحماه، دمت منتداه وحماه»، التي يشتمل عليها. فبناء على معيار عنصر الفهم وعنصر التداول والاستعمال، فإن استخدام كلمة "بغرير" أفضل، لغويا وبيداغوجيا وتواصليا، من استخدام كلمة "سؤدد" الغريبة والشاذة وذات الاستعمال العتيق والنادر والاستثنائي. هذا يبيّن أن دفاع التعريبيين عن العربية هو دفاع عنها من أجل الدفاع عنها، وليس من أجل وظيفتها المرتبطة بعنصر الفهم وعنصر التداول والاستعمال، كما أشرت، وإلا لرفضوا كلمة "سؤدد" لأنها غير مفهومة ولا متداولة ولا مستعملة. بل لرفضوا العربية كلها لأنها غير متداولة ولا مستعملة في التخاطب والتواصل. وهنا يُطرح السؤال: ما الفائدة من نشيد وطني وموجّه إلى المواطنين إذا كان هؤلاء لا يفهمون لغته وكلماته؟ بل يحق التساؤل كذلك: هل هذا النشيد الوطني مصاغ بلغة وطنية، علما أن اللغة الوطنية تُعرّف باللغة التي يتخاطب بها المواطنون في وطن ما؟

هذا هو التهديد الحقيقي للأمن اللغوي، المتمثّل (التهديد) في فرض لغة لا يستعملها أحد في حياته اليومية، عكس الدارجة ـ وكذلك أمها الأمازيغية ـ التي هي لغة حية ومستعملة في الحياة اليومية. وهذا هو الشرط اللغوي للاستبداد والطغيان، لأن قطع لسان الشعب، أي منعه من استعمال لغته الفطرية والطبيعية، هو المقدمة الضرورية لمنعه من التعبير عن رفضه للاستبداد واحتجاجه على الظلم والتسلط باستعمال اللغة التي يعرفها ويتقنها. ولهذا فإنه من الصعب أن تكون هناك ديموقراطية حقيقية حين تكون لغة السلطة لغة نخبوية لا يتقنها ولا يستعملها الشعب كلغته الفطرية (لغة الأم) والطبيعية، كالأمازيغية والدارجة في المغرب.

لماذا إذن كل هذا الرفض للدارجة؟ لأنها تذكّر هؤلاء الرافضين لها بأنهم أمازيغيون إفريقيون في هويتهم وانتمائهم، وليسوا عربا أسيويين. وهذا ما يزيدهم حنقا وغيظا على هذه الدارجة، التي أرادوا استعمالها في الأصل لتسوية تحوّلهم الجنسي، من جنسهم الأمازيغي الحقيقي والطبيعي إلى جنس عربي زائف ومنتحل، فإذا بكلماتها، مثل "بغرير"، تفضح تحوّلهم الجنسي هذا وتكشف عن حقيقة انتمائهم الأمازيغي الإفريقي، الذي ظنوا أنهم تخلّصوا منه بإخفاء هويتهم الأمازيغية الحقيقية بمساحيق التجميل الخاصة بالعروبة، كما يفعل الشخص المتحوّل جنسيا من ذكر إلى أنثى عندما يضع الملابس ومساحيق التجميل النسائية حتى يظهر أنثى كما يرغب في ذلك. لكن منكبيْه، وحتى قبل أن يزيل ملابسه لتنكشف حقيقته، يفضحان ذكورته التي أراد التنكّر لها والانسلاخ عنها. هذا هو الشذوذ الحقيقي والمسخ الحقيقي اللذان أصابا المغاربة المعادين لانتمائهم الأمازيغي، الحقيقي والطبيعي، الرافضين لكل ما يذكّرهم بهذا الانتماء الأمازيغي، مثل كلمة "بغرير".

قد تتعدّى هذه المسألة الخاصة بثلاث كلمات من الدارجة تضمّنها كتاب مدرسي، موضوع التعليم ولغة التدريس وتأليف الكتب المدرسية، لتصبح قضية تمسّ مفهوم الوطنية، ومعيار حضورها لدى المغاربة المناوئين للدارجة ـ أو أمها الأمازيغية كذلك. فإذا سلّمنا أن "بغرير" منتوج محلي ينتمي إلى هذا الوطن الذي هو المغرب، وأن اسم "بغرير"، الدال على هذا المنتوج، ينتمي إلى اللغة الدارجة التي نشأت وتشكّلت، هي كذلك، في هذا الوطن المغربي، فالنتيجة أن الذي يعارض استعمال كلمة "بغرير" بدعوى أنها غريبة عن العربية، فهو في الحقيقة يعارض ما هو وطني بدعوى أنه محلي وليس أجنبيا. مما يعني أنه يفضّل ما هو أجنبي وغريب وبعيد، مثل كلمة "سؤدد"، عما هو محلي ووطني وقريب مثل كلمة "بغرير". وهذا موقف قد لا يعبّر فقط عن نقص في الوطنية، بل قد يشكّل خيانة صريحة ومباشرة، رغم أن أصحاب هذا الموقف لا يعون ذلك، بحكم أنهم ضحايا للتحوّل الجنسي، القومي والهوياتي، الذي غسل أدمغتهم وأفئدتهم من حب كل ما هو محلي ووطني، وملأها بحب كل ما هو أجنبي وخارجي، وقادم من الربع الخالي بشبه جزيرة العرب، ودون أن يطلب منهم هؤلاء التعلّق بما هو عربي ولا التنكر لما هو وطني مغربي، مثل الدارجة والأمازيغية. ولهذا فإن من لا يعتز بالأمازيغية وصنوتها الدارجة، ولا يدافع عنهما، لا يحق له أن يدعي أنه وطني وذو غيرة وطنية.