التفكير في النقد السينمائي المغربي

التفكير في النقد السينمائي المغربي

بمناسبة الذكرى الثالثة والعشرين لتأسيسها عقدت الجمعية المغربية لنقاد السينما 1-7-2018 مؤتمرا لتجديد مكتبها المسير.

بفحص سوسيولوجي فالجمعية تنظيم مهني يضم 33 عضوا حضر منهم 24. كلهم رجال وجلهم يشتغلون بالتعليم وخاصة تدريس مادة الفلسفة لذلك يكثر مصطلح "إستيطيقا" في مقالاتهم وهي مفرطة في التنظير.

بمعاينة فورية لعمل الجمعية يتكشّف أنه قد وقع تحول كبير في الواقع السوسيولوجي للجمعيات الثقافية في المغرب. تم الانتقال من واقع اجتماعي يقوم على التطوع وامتلاك الأعضاء لوقت فراغ كافي للمبادرة (كان اسمه النضال) إلى بيئة سوسيولوجية يندر فيها التطوع ووقت الفراغ.

في المشهد المغربي عدد الأفلام أكثر من عدد أعضاء المؤتمر وعدد المقالات أقل من عدد الأعضاء. معدل سن الأعضاء خمسة وأربعين سنة، الأصغر سنا يكتبون بكثافة بينما لدى الأعضاء الاكبر سنا صبر هائل في التعامل مع الإدارة وتعقيداتها لذا يتولون قيادة الجمعية.

ليس هناك ناقدة في المؤتمر الذي كان ذكوريا. هذا بسبب المجتمع لا قرار للجمعية. الجمعية جزء من سوسيولوجيا التنظيمات المغربية. لابد من كوطا (محاصصة) لتقدم النساء في المجال. وهذا واقع لا أمنية. ومع ذلك فالجمعية مستمرة في عملها كإطار مستقل في بيئة تنظيمية تقدس التبعية والولاء. بفضل هذه الاستقلالية فمؤتمر الجمعية لا يشبه مؤتمرات اتحاد الكتاب حيث تحل الكراسي محل الكلمات في التخاطب.

في المناقشات التي عرفها المؤتمر لتطوير عمل الجمعية تعكس المقترحات المغرقة في التفاؤل حجم الآمال المعقودة على التنظيم للمساهمة في تطوير الحقل السينمائي. للتدليل على تأثير الجمعية ذُكِر أن كل المخرجين الشباب المغاربة الذين حصلوا على جوائز الجمعية بداية هذا القرن شقوا طريقهم بقوة. يسهل على المخرج الذي يرحب به النقاد أن يستمر ويخرج للحقل العام. الأفلام التي يتجاهلها النقد تبقى يتيمة والتي يكتب عنها تخلد وتصير مرجعا للسينفيليين.

بيئة ثقافية تخلط بين النقد والمعارضة

إن التفكير النقدي ضروري لتطور السينما، لكن الفعل النقدي مرفوض في بيئة ثقافية تقوم على الولاء والعلاقات الشخصية. كل فعل نقدي صريح لا يُرحب به. كل ناقد هو مُعارض. لذلك تقدم وسائل الإعلام الرسمية وجهة نظر واحدة يجملها المغاربة في تعبير "العام زين" أي كل شيء بخير في البلد. لذلك فكل ملاحظة غير "العام زين" تقود للإقصاء والإبعاد. وغالبا ما يشبه إيقاع الأفلام التي يعرضها التلفزيون المغربي إيقاع نشرة الأخبار.

للتلاؤم مع هذا الإيقاع يكتب بعض النقاد المغاربة عن الأفلام الأجنبية فقط، وهم بذلك يتجنبون الكتابة "أفلامنا" حفاظا على العلاقات الودية. صداقة المخرجين مضرة بالنقاد. وحين يكتب الناقد عن الفيلم المغربي يستخدم الشفرة والرموز يقول مثلا "تعاني السينما المغربية من ندرة السيناريوهات الجيدة"، وهو يقصد "توجد الكثير من السيناريوهات السيئة". ولتجنب الصدام هناك من توقف عن الكتابة، ولو طبقنا معيار الاتحاد الدولي للنقاد السينمائيين FIPRESCI بأن الناقد هو الذي يكتب ثلاثة مقالات شهريا على الأقل لقل عدد النقاد.

كيف تغطي صحافة النكافات أنشطة المهرجانات السينمائية؟

لذلك يفسح المجال للصوت غير الناقد ويتم الترحيب بتغطية صحافية تطبل وتزمر، وتوصف في المغرب بصحافة "النكافة". تظهر النكافة في الأعراس وهي امرأة لها وظيفتان: على مستوى الصورة تزين العرائس وتلبسهن سبع بذل. وعلى مستوى الصوت تزغرد وتمتدح العروس وأمها بصوت مرتفع.

تبرز صحافة النكافة في حفلي الافتتاح والاختتام فقط وهي تفهم في الأناقة والبساط الأحمر ولا تفهم في الأفلام.

ولتجنب هذا النوع من التغطيات العابرة لابد من النقد. والنقد ليس "أحب أو لا أحب" دون تعليل، النقد السينمائي ليس تفاعلا مع صورة فايسبوكية. النقد ليس حكم قيمة: سئء تافه رائع جميل مذهل ضعيف... هذه مجرد انطباعية.

النقد الفني متأثر بالفلسفة، بعلم الجمال وعلم النفس وعلم الاجتماع. تقول المحللة الأسلوبية كاتي وايلز "تصف إستيطيقا - المشتقة من معنى الكلمة اليونانية مدرك perceptive - إدراك واستحسان ما هو جميل، كما أنها تستعمل إلى حد بعيد في نقد أعمال الفن، وخاصة الرسم والنحت والأدب" معجم الأسلوبيات ترجمة خالد الاشهب المنظمة العربية للترجمة الطبعة الأولى بيروت 2014 ص 39. وحسب موسوعة كمبردج في النقد الأدبي فقد "عززت الفلسفةُ الدراسةَ الأدبية وسلحتها بالجرأة" ينطبق ذلك على النقد السينمائي أيضا.

يتطلب النقد مثابرة ونفَسا في زمن طغى فيه الاستسهال وانعدمت فيه النزاهة الفكريةً. كل ناقد يجامل لا يعتد به. يتطلب النقد مشاهدة مركزة لطرح فرضيات في التقديم وتفعيلها في التحليل بعرض أمثلة إثبات من متن بصري محدد. يتطلب النقد إصدار أحكام متولدة عن تحليل موثق يتبع منهجا استقرائيا في التحليل الفيلمي للوقوف على الدال السينمائي وبعده الاجتماعي والنفسي والسياسي، يتطلب النقد التركيز على لغة الصورة، على السيمولوجيا. يتطلب ميلا غير عادي للبحث والتمحيص، يتطلب اجتماع المعرفة والكفاءة التحليلية التي تشتغل على فيلم محدد وليس على السينما بالجمع.

المهرجان الذي لا يكتب عن أفلامه يتبدد مع القفاطين والبذلات التي تتجاوزها الموضة. من هنا سحر النقد السينمائي.