تعليم "الدارجة".. بمقرر "بغرير"!

تعليم "الدارجة".. بمقرر "بغرير"!

رحم الله مربي الأجيال، الراحل الأستاذ أحمد بوكماخ..

قال لي في حوار معه: "أستغرب لحالة التعليم.. أطفال يحمل كل واحد منهم 10 كيلوغرامات من الكتب..."..

ومعه الحق..

كانت كتب المعلم الكبير، "اقرأ"، يتم تناقلها من تلميذ إلى أخيه، فإلى بنات وأبناء الجيران..

ومن كتب بوكماخ، أنشأت المدرسة العمومية أجيالا تلو أخرى من الأطر الفاعلة الفعالة بالداخل والخارج..

وما زال بوكماخ حاضرا في الذاكرة التعليمية الوطنية..

فعودوا إلى الأستاذ بوكماخ، إذا أردتم خيرا للفكر المغربي..

وسؤال ما زال مطروحا هذه الأيام: من لهم مصلحة في تصفية التعليم العمومي؟!

إننا في خضم مهزلة تعليمية!

نحن في موسم تعليمي تقوده أكلة "بغرير"..

مهزلة لم يسبق لها مثيل، تمارسها حكومة تقحم الدارجة "البغريرية" في المقرر الدراسي الوطني..

ما زالت حكومتنا، على غرار سابقاتها، تعتبرنا مجرد حقل تجارب..

وتكرر في تعليمنا، وبقية أحوالنا، أخطاءها وأخطاء غيرها..

واليوم أوصلتنا إلى "الدارجة" البغريرية..

وتعود بنا إلى نقاشات عربية سابقة..

وما نحن فيه الآن هو نفس النقاش الذي حصل سابقا في لبنان ومصر وغيرهما..

نقاش يدور حاليا عندنا، بعد أن أغمضت "وزارة التعليم" عينيها، وفرضت تدريس "الدارجة" : "العامية" المغربية بالمقرر الدراسي العمومي..

الفكرة في أصلها ليست مغربية..

انطلقة من لبنان مع شعراء العامية، وأبرزهم "سعيد عقل" الذي تزعم التخلي عن العربية الفصحى، واعتماد اللهجة العامية لغة قومية لبنانية..

وانتشرت الفكرة في مصر ودول عربية أخرى مع شعراء العامية..

وفي المغرب شعراء العامية، وهم كثر، أبدعوا في "الزجل"، ومبدعون آخرون في فن "الملحون"، ومنهم الراحل الكبير: الحسين التولالي..

وفي كل الدول المغاربية مبدعون في عاميات موازية هي من صلب شعوب المنطقة..

وفي مختلف أرجاء العالم عاميات مواكبة للغاتها الأساسية..

ومن العاميات ما ارتقى إلى لغات رئيسية..

ومن نماذج العاميات التي أصبحت لغات أساسية: الفرنسية، الإيطالية، الألمانية، الإنجيليزية، وغيرها... هذه في الأصل عاميات تطورت إلى لغات، بفضل الأشعار والفنون، أي بفضل مجتمع مثقف ذواق..

ونحن في المغرب بعيدون عن هذا الواقع، لأن الدولة منذ الاستقلال وهي لا تعبأ بالتعليم.. ولا بالثقافة العامة.. بل هي تحارب التعليم العمومي، وبالتالي الوعي السياسي والثقافي الاجتماعي...

وتبقى اللغة الفصحى ذات مكانة خاصة، لأسباب منها الدينية..

ولكن الفصحى لم تتطور..

وأصبحت "العربية" - حسب منظمة اليونسكو - من اللغات المعرضة للانقراض..

وكل لغة لا تتطور، هي لغة تذبل شيئا فشيئا.. وتنقرض..

وهذا شأن "العربية"..

لغة راكدة في تعابير قديمة جدا.. وتغيب عنها نبضات العلوم الحديثة، عكس لغات أخرى منها الإنجليزية التي تتغذى قواميسها بتعابير ومصطلحات وأفعال جديدة تماشي التطور العلمي والتكنولوجي العالمي..

- العربية في حالة ركود!

وأي مجهود إنقاذي، في الوقت الراهن، يقتصر على حركات أدبية..

وتغيب عن العربية علوم العصر، رغم أن العربية كانت في زمن مضى لغة الطب والفلك والرياضيات وغيرها...

وهذا الواقع المزري استغلته أحزاب عندنا للإجهاز على "لغة الضاد.. لغة القرآن"..

وعندما وصل حزب "تجار الدين" إلى رئاسة الحكومة، غامروا بأحوالنا في اتجاهات مختلفة، وبقضايا متنوعة، وقرروا فرض "الدارجة" في المنهج التعليمي الأساسي..

ووجدوا لهذه المخاطرة مبررات..

وأغمضوا عيونهم، وصموا آذانهم، عن كل الملاحظات والاحتجاجات، وفرضوا "الدارجة" في الابتدائي..

ولا يعبأون بأي رأي آخر..

يعتقدون أن وصولهم لرئاسة الحكومة يخولهم فعل ما يريدون، كما يريدون..

وقال أحدهم: "الحكومة تخطط لإصلاح أعطاب التعليم المغربي"..

- وننتظر أن تخطط الحكومة!

وفي انتظار أن تخطط، بدأت هي عملية التنفيذ..

وها هي العامية مفروضة على التعليم الأولي، أحب من أحب، وكره من كره..

والحكومة قد عودتنا على الفعل قبل التفكير..

التفكير عندها يأتي بعد الفعل..

هي تقفز إلى الفعل.. وعندما يقع مشكل، تقول إنها تخطط لإصلاح العطب..

وهي كلها أعطاب..

معطوبة بالطول والعرض..

- ولا ترى أن من الممكن إحياء العربية!

وتطوير لغة الضاد يستوجب تعميم التعليم، وتكوين المجتمع، بثقافة عامة، في مختلف الميادين..

وعلى الدولة أن تتجنب اللف والدوران.. وأن تمكن الإعلام الوطني، بمختلف تلاوينه، من واجب التوعية الاجتماعية..

وبهذا تتكون للبلد قدرات لتطوير اللغة الوطنية من خلال تطوير روافدها العامية واللغات الأخرى مثل "الحسانية" و"الأمازيغية" وغيرها.. وهكذا يتكون للبلد قاموس لغوي في مستوى التطور الحضاري العالمي..

علما بأن المكان الطبيعي "للدارجة"، في الوقت الراهن، هو الفضاء العمومي، أي الشارع والتفاعل الاجتماعي.. وليس المدرسة!

أليست الأمازيغية في المدرسة العمومية؟ أم تراكم قد تراجعتم؟

- لا نراكم إلا عابثين..

وعلى الدولة، بكل مكوناتها، أن تكف عن التعامل مع "الدارجة" بنوع من العقلية الدونية، وما تتخللها من تعابير تخلو من الاحترام الواجب..

واحترام الدولة للعامية سيكون احتراما للغات مغربية أخرى، ذات حضارة وتاريخ عريق، ومنها الأمازيغية والحسانية وغيرهما..

عندنا عمق حضاري يمكن توظيفه لتقوية لغة وطنية مؤهلة لأن تكون هي أيضا لغة البحث العلمي والتطور الحضاري..

والدولة دورها دور أساسي في رسم سياسات عمومية لا تفرق بين لغات البلد، ولا بين لهجات البلد..

الفوارق الطبقية تشكل هي الأخرى عرقلة في طريق إنتاج لغوي وطني في مستوى تطلعاتنا المشتركة..

وإن في فسيفسائنا التواصلية الوطنية ما يمكن تطويره لغويا، إذا كانت عندنا ديمقراطية حقيقية، وتعليم مدني حديث، وتعامل من الدولة مع كل فئات الشعب، على قدم المساواة..

وبتعبير آخر، نستطيع تطوير أية لهجة إلى لغة قوية، فيها جذور أمازيغية حسانية عربية أندلسية وغير هذه من الامتدادات الجذرية المهمة..

نستطيع كما استطاعت إسبانيا ومالطا وغيرهما..

"مالطا" كونت لنفسها لغة من لاشيء.. لغة هي خليط من تعابير مختلفة، ومعها حوالي 30 بالمائة من العربية، وها هي تتطور، وتصبح هي أيضا لغة البحث العلمي في جزيرة صغيرة سياحية هي "مالطا"..

ويبقى المحور لأي تطور ليس في وجود لغة جاهزة، بل في سياسات عمومية لا تعرقل تنمية الثقافة، وتنمية الإنسان، وتنمية البلد..

ونحن إلى الآن ما زلنا في الطريق.. ونبحث عن طريق.. وطريقنا - إذا كانت - هي بنا سائرة إلى أين؟!

- إلى مقرر تعليمي يسوده "بغرير"؟!

أهذا مقرر دراسي يقود إلى بحث علمي؟

على من تضحكون؟

وتتضاحكون؟

[email protected]