تفكيك اللغة من تفكيك منظومة القيم

تفكيك اللغة من تفكيك منظومة القيم

يعد الالتفاف حول المكتسبات التراثية والثقافية واللغوية التي راكمها المغاربة عبر التاريخ، أمرا محسوما منذ وقت طويل، إذ يندرج تحت خطة معدة بإحكام تشمل كل المجالات بما فيها الميدان التربوي، ويتم تطبيقه وفق استراتيجية التدرج والاستنزاف، الغرض منها تفكيك مقومات الشعوب وقيمها الإنسانية المشتركة.

ولما كانت المدرسة هي مصنع مستقبل كل دولة وركيزتها في صياغة سياسات الأمم، فإن المهمة لبلوغ الهدف تبدأ من هناك، حيث تسهل الطرق التعليمية الموافقة للخطط المعدة في إنتاج جيل من الكائنات الشاذة والغريبة،الطائعة لغريزتها الحيوانية، الخاضعة لشروط الاستهلاك وقوانين سوق النخاسة والمستسلمة لتيار النموذج الأوحد.

لم تكن قضية الدخول المدرسي وما رافقها من صخب هذه السنة استثناء مغربيا، وإنما شملت دول الاتحاد الأوروبي أيضا وأفرزت وضعية عامة، قاسمها المشترك تذمر أسر الجنوب والشمال. تواجدي بأوروبا المتزامن للدخول المدرسي هذه السنة، وتتبعي لما يجري هنا وسط استياء هذه الأسر الأوروبية، الفرنسية والبلجيكية بالخصوص، من التعليم ودعوة العديد من النشطاء والفاعلين التربويين والعلماء المختصين سحب التلاميذ ومقاطعة المدارس، والسبب ليس لغويا لأن اللغة هنا خط أحمر ولا تدخل اللغة في المخطط كوسيلة للتفكيك، واللغة لا يشملها التفكيك لأنها القلعة الأخيرة لتماسك المجتمع والإبقاء على سلامتها هو تجنب لخروج الأمور على السيطرة، بينما القضاء على لغاتنا القومية وتفكيكها يصب في فرض لغة المهيمن. إنما السبب في استياء الأسر الشقراء هوإدماج وزارة التعليم بهذه الدول وبشكل فعلي لدروس التربية الجنسية في المناهج الدراسية للأطفال ابتداء من السنة الرابعة من عمرهم، بدعوى وجوب معرفتهم لحقوقهم الجنسية قبل أن يتمكنوا من طرح الأسئلة حولها، تتبعي للنقاش وللجدل حول هذه القضايا، سمح لي برؤية هذه التطورات من زاوية قد تختلف فيما إذا اختزلناها في سياقها الإقليمي دون الدولي، إذ لا يمكن قراءة واقعنا المغربي بمعزل عما يجري اليوم في فرنسا وغيرها. إن اهتمام الإعلام الفرنسي هذا الصيف والملفت للنظر، بحملة "كنْ رجلْ"، لم يكن مجرد خبر يُتناول بحياد، وإنما تعدى ذلك بأن كانت فرنسا طرفا في الصراع بدعوة الفرنسيين للتفاعل مع الجمعيات المغربية المناهضة للحملة ومساندة نشطائها وتشجيعهم، لسبب بسيط حسب التمثل الكلونيالي هو أن قيم اللائكية الفرنسية لا تحصرها الجغرافيا.

ولما كان الغرض هو تفكيك مقومات الشعوب فإنه من الطبيعي التعامل بدقة حسب طبيعة هذه الشعوب، فالوسائل ووتيرة الإنجاز يجب بالضرورة أن تختلف باختلاف العرق والدين، يدرك القائمون على مخططات التفكيك، أن الشعوب العربية تميل إلى نوع من الممانعة ومناهضة التغيير القهري، وغير متحمسة للتخلي بسهولة عن قناعاتها، لذلك يعمد على استدراجها واستنزافها بالتشكيك بدأ بالجزء للوصول إلى الكل، وبالفرع لبلوغ الأصل، وبالأقل أهمية لاستباحة عنق المهم، أثبتت الهجمات المسعورة والمتكرر على نبي الإسلام صلوات الله عليه وسلامه، في العقد الماضي، فشلها وعدم جدواها، بل وإفرازها لنتائج عكسية، واليوم نشهد تعديلا في الخطة مع إبقاء الهدف بالطبع، عبر استهداف صحيح البخاري وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من الرموز بما فيها المعاصرة. كذلك كان التعامل مع الإسلام والقرآن الكريم المستعصيين،عبر استهداف اللغة العربية باعتبارها الجسر الذي يؤدي لفهم الدين والقرآن بالشكل الصحيح، والأمر نفسه نشهده لتفكيك الأوطان عبر التشكيك في المقومات والثوابت الوطنية وزع الفتن والترويج لها إعلاميا.

وكما فوجئ الفرنسيون منذ سنوات، بكراسات تشيع الشدود الجنسي عبر نصوص تلقن للأطفال على غرار: أبي يرتدي تنورة ولِجون أُمَّانِ Papa porte une jupe et jean à deux mamans، طفحت كتبنا المدرسية هذه السنة، لتأخذ نصيبها من مخطط التفكيك، لكن هذه المرة تفكيك يأتي على الأخضر واليابس لأن يستهدف اللغة، بنصوص بئيسة، ينهل منها أطفالنا جرعتهم أولا بأول تمهيدا لجرعات أكثر جرأة، نصوص تنسج بأحرفها المألوفة مسار منعرج بالغ في الانحدارلتهوي متسارعة بالمنظومة التربوية المهترئة أصلا، لتبعدها عن الذكاء والإنجاز وتغتال الإبداع والتفكير، وكأنها تنافس الواقع المنحط خارج أسوار المدرسة لتقدم الأنموذج الأكثر انحطاطا، بل تسابق الزمن لتؤلف إيقاعا جديدا للرداءة، وتفرضه على الناشئة من السنوات الأولى لمسارهم الدراسيوتربيها على التطبيع عليها، وتتحدي في ذلك الدستور الذي ينص في فصله الخامس على رسمية اللغة العربية واللغة الأمازيغية، وفي تحد سافر حتى للرؤية الاستراتيجية 2015-2030 التي خرج بها المجلس الأعلى للتعليم، وتجاهل للتجارب والدراسات العلمية المحلية والدولية واستبعاد للخبراء والمختصين في الميدان اللغوي وإقصاء للنخب الوطنية والمثقفين وعامة الشعب المغربي الذي يرى أبناءه يُضربون في نسقهم اللغوي ويجترون لغة جديدة هجينة تتراوح بين العبث والجد، لإدخال الفوضى على لغة وسعت كتاب الله لفظا وغاية، تمهيدا للتفكيك والإفساد. إذا كان الشاعر حافظ إبراهيم قد أنطق اللغة العربية،شاكية وضعها في بداية القرن العشرين إبّان فترة الاستعمار الغربي، فماذا عساها تقول اليوم وقد تكالب عليها أعداءها وتخلى عنها بنو جلدتها، إلى حين مجيء حافظ جديد أبشرها أن الاستعمار الذي تآمر عليها قد أنجب الله وهو سبحانه من يخرج الحي من الميت،من أصلابهم من يقبل على تعلمها تحدثا وقراءة ومن يتحمس للحفاظ عليها، ومن سينصرها وإن خذلها المتخاذلون وتنصل منها الجاحدون، وخير مثال على هؤلاء المقبلين على اللغة العربية من الناطقين بغيرها، ميشال موظف بأحد البلديات ببروكسل فاجأني بلسان عربي وباهتمامهالكبير بلغة الضاد، وتحدثنا طويلا وسُر كثيرا عندما علم في مهمة لتدريب أساتذة اللغة العربية، وهو ينصت إلي وأنا أشرح له تجربتي في تعليم اللغة العربية بالانغماس، وقبل نهاية اللقاء تنبه إلى أننا تحدثنا عن كل شيء إلا عما جئت من أجله، واعتذر لي قبل أن يستطرد قائلا بابتسامة عريضة لا تفارقه: لكنها اللغة العربية.. لم يخفي ميشال امتعاضه،بأسلوبه الرقيق وخلقه الراقي الذي زاده اعتناق الإسلام رقيا، عما آلت إليه اللغة العربية، ولكنه بالتأكيد أخفى عني نظرته ونظرة العرب الجدد من أمثاله،المهينة والمحقرة لمن عافوا صدور أمهاتهم واستعذبوا غيرها، وهم أهل اللغة العربية والموكل إليهم الحفاظ عليها بدافع الدين وسلطة القانون (الفصل الخامس من الدستور)، إلا أنهم نصبوا أنفسهم طواعية أو كرهم وُكلاء لغيرهم يجهزون بتفان منقطع النظير على مقومات المغاربة، كما هو شأن دخولنا المدرسي هذه السنة يتنكرون للعربية ويستعذبون الناطقين بلسان العرب عودة للدخول المدرسي بأوروبا وموازاة مع إدخال دروس الحقوق الجنسية في المناهج الدراسية على غرار "بغريرنا ومسمننا وتسخين عظيماتنا"، يجري هنا الحديث عن قانون الموافقة الذي يتم سنه والذي بمقتضاه يجوز للمرضى الجنسيين مضاجعة القاصرين إذا أثبتوا أن ذلك تم بموافقة هؤلاء الأطفال، والقاضي الذي يبث في أمثال هذه القضايا في حالة اللجوء إليه، في الغالب لن يدين المتهم بدعوى أن الطفل الضحية قد تلقى في المدرسة كيف "يحمي" نفسه من خلال دروس تُعلمه بالتفصيل كيفية الاستمناء والبحث عن المتعة الجسدية وهو في السنة الرابعة من العمر. وفي سنواته الابتدائية ستتاح له فرصة التحدث عن تجاربه الجنسية الأولى وسيتقاسمها مع زملائه بتوجيه من معلمه. تماما بالطريقة نفسها التي تصاغ بها المناهج التعليمية في المغرب بعيدا عن الدراسات العلمية والخبراء المختصين اعتمدت وزارات التعليم في أوروبا على تقارير تشنيوألفريد كسني مغتصبي الأطفال والرضع بدعوى أنه يجري تجارب علمية ويُسوق له حاليا بكونه خبيرا مختصا.

وكما بدأت في وقت مبكر في أوروبا وتلتها في أوطاننا دعاوى الوصول للمرأة تحت غطاء تحريرها، يشهد الغرب اليوم توسيعا وتنويعا للعرض الجنسي لإشباع مختلف الغرائز المتمثل في شرعنة استباحة الأطفال والرضع بعدما استبيحالرجلوالمرأة على السواء.

وأما هذا الاصطفاف للمدرسة للتخلي عن اللغة العربية في حالة عدم وضوح سياسة لغوية،بعد اللوحات الإشهارية والبرامج الإعلامية، على الأسر المغربية أن تترجم إيمانها بمقومات بلدها إلى موافق واضحة من قضاياها الوطنية، إن الهاجس الذي بات اليوم يؤرق الفرد والأسرة والمجتمع أو حتى على مستوى الدولة هو هاجس الإرهاب، فالشاب المغربي الذي تلقى تعليمة بلغة أجنبية هو فرد بعيد عن هموم بلده،أما الذي تلقى تعليمه بلغة "البغرير والمسمن" فهو لا يتعدى أن يتفوق عن غيره ممن تعلم خارج أسوار المدرسة في فك شفرة اللوحات الإشهارية، وفي محطة من محطات حياته وأمام الضغوط ومختلف الإكراهات، كمن يتخبطه الشيطان من المس، وهو يبحث عن هويته، يميل في تلك اللحظة إلى تصديق كل شيء يقال له، لدرجة قد يصدق من يهمس له مثلا، أن ثمة عملا يمنحه تأشرة دخول الجنة دون تحمل عناء كل العبادات الأخرى، ويصبح مقتنعا بذلك حتى لو أدى ذلك لهلاكه وهلاك غيره. السبب هو بؤس رصيد تعلمه وعدم امتلاكه للتفكير والتفكير الناقد وعدم تمكنهمن وسيلة ليتأكد من خطأ أو صحة ما قيل له، وهذه الوسيلة طبعا هي اللغة العربية التي تعد كأي لغة أخرى ناقلة لثقافتنا ووعاء لخصوصيتنا كمغاربة، وبها يقرأ ويبحث ويصحح المفاهيم. فاللغة لم تكن أبدا محايدة وكونها وسيلة للتواصل فهي أيضا حمالة لكل ما يتبعها من معتقدات وقناعات ومعاني، لذلك لا ينبغي أن نتوقع نحن المغاربة أن تلعب اللغات الأجنبية دور لغتنا الوطنية، صحيح أن التعليم بالمغرب مر بتجربة التعريب ولكن هذه العملية كانت شبيهة بمن زرع بدرة لوردة جميلة في مكان ملوث يخلو من جميع الشروط وينتظر أن تتفتح ويستمتع بمنظرها. والسؤال اليوم هل جاء التعريب ليثبت فشل اللغة العربية وليبرر سبب الإجهاز عليها؟

يخطئ من يريد أن يخدم وطنه وهو ينتج من يفكر بغير لغته تماما كما يخطئ من يظن أنه يقرأ القرآن وبين يديه نسخة غير النسخة الأصلية العربية.

قيل: "للبيت رب يحميه" وعلى غرارها نقول اليوم أمام خيبة نصوص دخولنا المدرسي: "للفصحى رب يحميها"، إذ ليس هناك من يستطيع أن يدعي الدفاع عن اللغة العربية فلو كانت مهمة الدفاع عنها موكولة إلى أهلها لاختفت وانتهت منذ زمن بعيد، فالمستضعف لا يملك على الأرض في أحسن الأحوال إلا أن يدافع عن نفسه.

تتجلى قوة الفصحى في ذاتها وطبيعتها وخصائصها التي تميزها عن غيرها من اللغات وفي اقترانها بالقرآن الذي يحفظها ويضمن استمراريتها، فتجلب النفوس الطاهرة من غير بني جلدتها وتأسر قلوبهم الرهيفة والمتشوقة لمعرفة الحقيقة،تمد يدها وتنقذ من التخلف من يرى قيمته فيها وتتخلى على من يدير ظهره لغيرها، أهلها في تخلف متزايد ووضع منظومتنا التعليمية تهوي إلى غير مستقر، بينما هي في شموخ وترفع دائم، لا تأبه بمن يناهضها، بل تلزم أكثر من مليار ونصف المليار من العرب والعجم بالصلاة بها خمس مرات سرا وجهرا فلا تصح هذه العبادة إلا بها، لغة بهذا الحضور لا تحتاج لمن يدافع عنها، في المقابل نحتاج إليها في نهضتنا،وبدونها لن تقوم لنا قائمة سواء كنا عربا أو أمازيغ، إذ لا يمكن أن نتطور بلغة غيرنا، وتجارب الدول التي خرجت من عنق الزجاجة تؤكد صحة ذلك؛ قوتنا ونهضتنا المنشودة تكمن في استثمار مقومات شعبنا والحفاظ عليها وفي تنمية استعمال اللغة العربية بما فيها التدريس بعيدا عما يشوبها، وتأهيل الأمازيغية مطلب ملح، مع الانفتاح على اللغات الأجنبية لتسهيل التواصل والبحث العلمي والترجمة. أما العودة إلى حديث الدارجة وإدماجها في كتابة النصوص المقررة في التدريس فهو إصرار على التبعية وعشق للبقاء في عنق الزجاجة واستعذاب للعيش بين الحفر نهيك عن كونه نكوص باهض التكلفة المادية والزمنية، ومحفوف بالمخاطر وزج بالشأن اللغوي في متاهات لا نهاية لها، ولم يكن هذا التلهيج يوما مطلبا طيلة التعايش المشترك بين أطياف المجتمع المغربيوتدبير التنوع اللغوي، حتى جاء الاستعمار يفرض لغته ويُطْبق قبضته عن طريقها ويتحكم في قوت اليوموتفاصيل العيش. واجه المغاربة السياسات اللغوية الاستعمارية باللطيفولم تستهويهم دعوات التلهيج وإلا لما استهجنت الأسر المغربية ولما تفاجأت بما جاء في نصوص مناهج هذه السنة الدراسية.أمازيغ شمال إفريقيا اختاروا العربية وتشبعوا بالثقافة الإسلامية لكنهم احتفظوا بأمازيغيتهم ولم يصبحوا عربا، لأن دينهم الحنيف لا يذيب الهوية ولا يلغي اللسان، ولم يتجرؤوا على تشويه الأنساق بلهجة محلية أو لغة دخيلة، لأنهم أدركوا أكثر من غيرهم وهم يحفظون القرآن ويمارسون طقوسهم الدينية أن العربية لغة عظيمة لا تصنع إلا العظماء.

*خبير تربوي، الكاتب العام للائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية

[email protected]