الجَزائرُ في زَمَن الكُوليرَا

الجَزائرُ في زَمَن الكُوليرَا

المجتمع الجزائري لا يعاني فقط اليوم من وباء الكوليرا الذي يحصد عشرات المواطنين والمواطنات الجزائريات، ولكنه يعاني من وباء "الكوليرا السياسي" الذي فتك ويفتك بالشعب الجزائري منذ سقوط الدولة الجزائرية في يد حكم العسكر، بعد الاستقلال سنة 1962، الذي يجثم على نفوس الجزائريين والجزائريات كالكابوس، فكيف يعقل أن يحكم المجتمع الجزائري رجل مُقْعَد قادم من الجيش ويرفع البعض شعار العهدة الخامسة؟

أليس في الجزائر رجل سوي حكيم؟ أم إن هذا يعد مؤشرا على الصراعات الخفية بين القيادات العسكرية التي ليس بينها توافق وتراض؟ أم يريدون تمريغ شخصية الرجل الذي هو ملتصق بالكرسي حتى يلفظ أنفاسه؟

الوباء الخطير في الجزائر هو هذا السرطان الذي انتشر في الجسد الجزائري ونخر قواه، فكيف يعقل في دولة بترولية الشعب مريض فقير لا يستطيع تذوق حتى طعم الموز؟ مع العلم أن قطاع النفط والمحروقات يشكل الركيزة الأساسية لاقتصاد البلاد، ويقدر بحوالي 60% من الميزانية العامة، و30% من الناتج الإجمالي المحلي و95% من إجمالي الصادرات.

الجزائر تعتبر ثالث اقتصاد عربي من بعد السعودية والإمارات، وثاني اقتصاد أفريقي بعد جنوب إفريقيا، من حيث الدخل القومي السنوي، حسب إحصاءات المنظمة العالمية للتجارة لسنة 2007.

إن ما حدث في الجزائر من إصلاحات سياسية في بداية التسعينيات لم يكن إلا ترقيعات سياسية (Bricolages politique) لتجميل الوجه القبيح للدولة العميقة في الجزائر.

إن أوهام التغيير في الجارة من تعددية سياسية وواجهة برلمانية وحرية التعبير تتبخر كلما تعمقتَ في السير في دروب وأزقة الجزائر العاصمة، وكلما اتجهت جنوبا نحو مدنها كورقلة التي بالمناسبة زرتها في إطار فعاليات الملتقى الدولي حول "سياسات الدفاع الوطني بين الالتزامات السيادية والتحديات الإقليمية" يومي 12 و13 نوفمبر 2014، الذي نظمته كلية الحقوق والعلوم السياسية بجامعة قاصدي مرباح بالتنسيق مع مخبر إشكالية التحول السياسي والاقتصادي والاجتماعي والجمعية الألمانية "هانس صايدل".

ولكن المفاجأة العظمى هي كيف أن هذا المؤتمر الدولي الأكاديمي تحول إلى ثكنة عسكرية وكأنك لست في رحاب جامعة؟ فالجلسة الافتتاحية وفي المنصة الرسمية كان حضور الجيش لافتا بل مستفزا، حيث غطى حضور العسكر على حضور الأكاديميين والجامعيين، بل إن المدرج كان ثلث مقاعد صفوفه الأمامية محجوزا للجيش بكل الرتب، وعندما توزعنا في إطار ورشات موضوعاتية، ونحن بصدد المناقشة، دخل علينا أحد الجنرالات المسنين ببذلته فهم الأساتذة الجزائريون بالوقوف والرعب باد على وجوههم وكأنهم يريدون تقديم التحية العسكرية لكنه رد بابتسامة وانحنى على أحدهم وهمس في أذنه والأستاذ يطأطئ رأسه كل مرة كتعبير عن موافقة ما يقول له الجنرال.

أما كرم الضيافة فحدث بحرج...