تأسيس المجلس الشعبي لمكافحة الفساد

تأسيس المجلس الشعبي لمكافحة الفساد

المساءلة النقدية لاشتغال المجالس الاستشارية العليا، يندرج ضمن النقد البناء، فحتى داخلَ الدول الغربية السبَّاقة والرّائدة في تجربة هذه المجالس، ترتفع اليوم أصوات بإلغائها والسبب هو نفقاتها المقتطعة من أموال دافعي الضرائب، رغم معقولية ميزانيتها الخاضعة للمساءلة والمحاسبة، دون بخس فعاليتها المتمثلة في مأسسة الرأي العام، وإشراكه في بلورة السياسات العمومية، مقارنة مع هزالة مردودية المجالس الاستشارية المغربية.

وهذا يدفعنا إلى مساءلة جدوى هذه المجالس، التي يجهل أغلب المغاربة أسماءها ووظائفها، علما أن نفقاتها والتعويضات السخية التي تمنح لأعضائها على "الأعباء" الداخلية والخارجية، مع اختزال دورها في وظائف اقتراحية، وإنجاز أبحاث ودراسات وتقارير مهما ارتفعت قيمتها الأكاديمية ودقت نواقيسها التحذيرية فهي تبقى مجرد أدوات تخديرية..

كثيرة هي الأسئلة الصريحة، البسيطة، والمؤلمة:

ماذا قدم المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان ونسخته المنقحة المجلس الوطني لحقوق الإنسان للمغاربة مع هيمنة الفساد على مفاصل الدولة؟ وخذلانه لسجناء الرأي الذين فضحوا الفساد وصمته عن كبار المفسدين الذين مازالوا ينهبون المال العام بوقاحة يغلفها مغلفة بالقانون؟

ماذا منح المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي لملف التربية والتعليم سوى تلك الندوات والمجلات والدوريات والقرارات التي يجهلها جل المشتغلين في مجال التعليم؟ ولن أتحدث عن المستنقع المتعفن لفضائح الجامعات المغربية ومقايظة شواهد الماستر والدكتوراه مقابل النقود والنفوذ والنهود.. وحرمان الكثير من الطالبات والطلبة الأكفاء من متابعة الدراسات العليا وضرب مبدأ تكافؤ الفرص في مقتل.

ما جدوى المجلس الأعلى إن كانت تقاريره الفاضحة للفساد والمفسدين لا تستطيع تفعيل مبدأ ربط المحاسبة بالمسؤولية ومعاقبة المفسدين، والمستهترين بمسؤولياتهم الكبرى والمصيرية في حياة المغرب والمغاربة، بدل منحهم الإعفاء.. بعدما عمقوا أزمات القطاعات التي ترأسوها كالصحة والداخلية والرياضة والاقتصاد والتعليم والماء والكهرباء والبيئة..؟؟ في الوقت الذي نسمع استقالة وزراء في دول ديمقراطية لمجرد خطأ صغير، بل إن وزير البيئة الفرنسي نيكولا أولو أعلن عن استقالته مباشرة على الهواء في مقابلة إذاعية معترفا بشعوره بالإحباط في التعامل مع الملف البيئي.

يُحْكى والعُهْدةُ على الرُّواة، أن الملك الحسن الثاني، أنشأ "المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان" سنة 1990، لوضع حدٍّ لانتقادات المجتمع الدولي وتقارير المنظمات الحقوقية، وهي تقارير كانت تصفُ وضعية حقوق الإنسان في المغرب حينذاك بالسوداء، وتُوَثِّقُ لهيمنة الفساد والاستبداد وإسكات الأصوات المُندِّدة بالتفقير المُمَنْهج والتَّحْقير المُزْمِن.. وغيرها من فظائع الاعتقال السري والتعسفي وتعذيب سجناء الرأي وقمع الاحتجاجات السلمية وتُحذِّرُ من عواقب انفجارالاحتقان الاجتماعي..

كانت تقارير "منظمة العفو الدولية" تُزْعِجُ الدولة، وقد خصَّ الراحل الحسن الثاني هذه المنظمة بنقد لاذعٍ في خطابه بمناسبة تأسيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، موجها كلامه لأعضاء المجلس قائلا: "هذا هو عملكم، وهذه هي مهمتكم، ومهمتكم هي أن تغسلوا للمغرب وجهه، لأنه لكل سبب تأتى منظمة العفو الدولية، وتمارس علينا الرقابة وكأننا لازلنا تحت الحماية"..

التوثيق لقتامة الوضع السياسي والاجتماعي، وتَغَوُّل أخطبوط الفساد، شكلت عوامل طرد وعرقلة وتقزيم للاستثمارات الأجنبية في المغرب، وفي نفس الخطاب يقول الحسن الثاني "نقوم بعفو جبائي ونطلب من المستثمرين أن يأتوا ليستثمروا عندنا، ولكن إذا لم يعرفوا أن بلادنا تنعم بالسلم والضمان الجبائي فإنهم لن يأتوا"..

هكذا في بلد يتوفر على كل مقومات الاستثمار والازدهار، يُجهِضُ الفساد كل إمكانية للتنمية، نظرا لكونه شبكة سرطانية تنتشر وتتمدَّدُ في كل مفاصل الدولة، تتاجر في الوطن وتستنزفه باستمرار.. تلك الشبكة السرطانية تضم مختلف أنماط الوصوليين المندسِّين في كل القطاعات.. يحتكرون ويتاجرون بالثروات الطبيعية للوطن.. يتاجرون ببيع الوظائف والمناصب الحكومية.. يتاجرون بالسياسة.. يتاجرون ببيع الشواهد الجامعية ودبلومات الدراسات العليا.. يتاجرون في الفن.. يتاجرون في الرياضة.. يتاجرون في رخص المباني والاستثمارات.. يتاجرون بالدين.. يتاجرون بالوطن.. ويتلذّذون برؤية معظم المغاربة يرزحون تحت سياط الفقر والمرض والحرمان..

رفْضا لسياط الفقر والقهر كانت الاحتجاجات السلمية تصدح ضد "الفساد" وكعادة المخزن كان يواجهها بيد من نار وحديد.. وبُعيدَ أحداث مأساة فاس الدامية، التي مسح تقرير وزير الداخلية البصري حينها أرقام ضحاياها، أنشأ الملك الحسن الثاني "المجلس الوطني للشباب والمستقبل" (1991) الذي ترأسه الاتحادي الحبيب المالكي، لتلميع صورة المغرب خارجيا، وامتصاص الغضب الشعبي داخليا، وبالتالي فالخلفية المؤسسة لهذا المجلس هي خلفية أمنية بامتياز، على غرار المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان.. وقد شكل العثور على مقابر جماعية لشهداء انتفاضة فاس بحديقة جْنان السبيل (مارس 2008)، ضربة قاضية لمصداقية هذا المجلس.

غداة انتفاضة الشعوب الحرة، سيعوض دستور 2011 المجلس الوطني للشباب والمستقبل، بالمجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي، كما تم استبدال المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان بالمجلس الوطني لحقوق الإنسان، بهاجس إيديولوجي أمني لا حقوقي، وكأننا أمام نفس المسرحية فقط تتغير العناوين والأسماء والممثلين على نفس رُكْحِ المسرح المغربي.

اليوم ما أكثر المجالس الاستشارية العليا، المجلس الأعلى للحسابات، المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، المجلس الأعلى للقضاء، المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، مجلس المنافسة، المجلس الأعلى للوظيفة العمومية، المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، ديوان المظالم الذي استبدل بمؤسسة وسيط المملكة..

لقد أقر الملك الحسن الثاني بأنه استلهم فكرة المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان من الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران François Mitterrand ، والهدف من هذه المؤسسات الاستشارية، باعتبارها تعاقدا بين الدولة والمواطنين، هي تفعيل الديمقراطية التشاركية، بصدد كل القضايا التي تهم الوطن والمواطنين، بمعنى أن هذه المؤسسات هي مجرد وسائل وليست غايات، وبالتالي إذا فشلت في إنجاز وتحقيق المهام والغايات التي أنشئت من أجلها يجب حلها، سيمأ إذا كانت الميزانيات المخصصة لها تستنزف المال العام دون فائدة تذكر، بما في ذلك المجلس الأعلى للحسابات الذي أصبح بدوره يحتاج للمحاسبة والمساءلة.

التواجد المنتظم لوجوه معروفة على رأس هرم هذه المجالس، خلق قناعة لدى الكثير الباحثين والمتتبعين لمسار وصيرورة هذه المجالس، أن الغاية منها هي تكريس ثقافة الولاءات، وتكريم "خدام الدولة" بمناصب سامية، ومكاتب وثيرة ومؤسسات فاخرة، وأيضا استخدامها كآلية لتوبيخ وجر أذن "الضالين" و "المغضوب عليهم" بهدف الترويض.. وهذه أبدا لن تكون هي الحكامة الجيدة، ولن تكون حتما رافعة للتنمية وحلحلة الأزمات المغربية العويصة، مما يجعل شعارات ربط المسؤولية بالمحاسبة ومكافحة الفساد وإدماج الشباب وتكافؤ الفرص.. مجرد مسكوكات لغوية ميتة.

يجب التسريع بحل المجالس العليا، وتأسيس المجلس الشعبي لمكافحة الفساد والتربية على المواطنة، لأن الفساد يدمر الأوطان، وبالتربية تزدهر الأوطان، فالمواطن لا يولد مواطنا، ولكنه يصبح مواطنا بالتربية، بتعبير الفيلسوف روسو، والمواطنة هي الكرامة والعيش الكريم..

يجب إنقاذ المغرب من بركان الفساد قبل فوات الأوان، والضرب على يد المفسدين خصوصا "أباطرة الفساد" والقطع مع قانون ساكسونيا، لاسترجاع ثقة المغاربة في إمكانية الإصلاح وقيام دولة الحق والقانون.. أما حماية المخزن للفساد والمفسدين خلق قناعة لمختلف الشرائح المغربية، بعدم جدية خطاب الدولة بتخليق الحياة العامة، وهو ما خلق يأسا لدى الشباب واليأس هو بوابة العدمية والغرق في المخدرات والانحراف والعبثية والعنف واستبدال إرادة الحياة بإرادة الموت.

[email protected]com