التحكيم في النظام السياسي المغربي

التحكيم في النظام السياسي المغربي

عرف نظام التحكيم في المجتمعات القبلية التي لا يتمتع فيها شيخ القبيلة عادة بسلطة القهر، كما يوجد هذا النوع من الأنظمة في المجتمعات الحضرية التي لا توجد فيها سلطة مركزية كما كان حال يثرب ومكة.. ومما لا شك فيه أن عرب الجاهلية وصفوا قواعد قانونية عرفية منظمة للتحكيم.

ومسألة التحكيم ليست غريبة على إمارة المؤمنين بالمغرب، إلا أننا في هذا الباب لا نتفق مع بعض الباحثين الذين عزوا "دور التحكيم" في إطار إمارة المؤمنين" إلى "التقاليد المغربية" (ضريف محمد: الفكر السياسي بالمغرب )؛ ذلك أن هذا الدور - كما أشرنا إليه- قام به بعض الأفراد داخل المجتمعات القبلية "البدائية". وهنا، يجب استقراء الكتابات "الأنثروبولوجية". كما قام به النبي صلى الله عليه وسلم للفصل في النوازل الحادثة بين المسلمين، مصداقا لقوله تعالى: "فاحكم بينهم بما أنزل الله"، وقوله: "أن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم"، وقوله تعالى: "وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون"، وقوله كذلك: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما".

وحصر الباحث نفسه دور التحكيم في الإطار القروي، لكن حالات تدخل أمير المؤمنين الحسن الثاني كانت في ظواهر حضرية مثل تدخله للتحكيم بين الأحزاب السياسية أو بينها وبين الحكومة... والملاحظ هو أن هذا الباحث بقي سجين الكتابات "الكولونيالية"، حيث كانت الصبغة القروية تغلب على المجتمع المغربي بالأمس.

وفي هذا الإطار، فإن "نظام التحكيم يعد وظيفة موقرة موجودة قبل عهد الحماية، حيث نجد الشريف أو الولي هو الذي يمارس دور الحكم على العموم، وهو شخص تحوط به هالة من التقديس ويطلق عليه البربر اسم "أغرام"؛ وكان هذا الشخص منعزلا ولا يحمل السلاح أبدا لأن أحكامه لا تفرض بالعنف.

ويتحكم في النزاعات بين القبائل ويشرف على "القسَم" الجماعية.. إن وظيفته كانت تنحصر في تثبيت الاستمرارية داخل نظام تنعدم فيه استمرارية القيادة السياسية، ووظيفة التحكيم التي نقلت إلى المسرح السياسي المعاصر تمارس حاليا من طرف "الملك" الذي يفصل بين مختلف المنظمات". وعليه، فالملك الراحل الحسن الثاني أمير المؤمنين بصفته شريفا قام بها الدور بتلك الصفات، حيث قال: "هذا الشعب الوفي.. اعتاد الالتجاء إلى حمى ملوكه، والتسليم لأحكامهم، إيمانا بعدلهم وثقة بتجردهم"، وأضاف: "إن الجالس على عرش البلاد.. يصبح بمقتضى تسلمه ذرى المسؤولية العظمى القائد المضطلع بشؤون الأمة.. الراعي للأسرة الكبيرة الدافق قلبه بحب أعضائها، المترفع فوق خلافاتها ونزاعاتها وهيئاتها؛ فالأمة كلها له، بجماعاتها وأفرادها، مثلما هو للأمة جمعاء.. وهذا الدور الأساسي الخطير أوكلته التقاليد المرعية على مدى العصور إلى ملك المغرب وكرسه الدستور في مقتضيات أقرتها إرادة الأمة؛ وتقييدا بذلك حرصنا طيلة سنوات عهدنا على القيام بدورنا التاريخي الدستوري كاملا فمارسنا سلطاتنا كأمير المؤمنين وحامي الملة والدين".

كما تساعد طبيعة المجتمع المغربي الانقسامية على دور التحكيم بين الجماعات المتنازعة، وهكذا احتفظ هذا الدور بأهمية في المغرب المعاصر، لأن القوى السياسية لا تزال منقسمة ومتنافسة"...

وفي اتجاه إبراز دور أمير المؤمنين كحكم يرعى حقوق المواطنين قاطبة، ويؤمن وسائل الدفاع عنها ويحرص على الاستجابة لكل الآراء والمواقف والتصورات، بالرغم من تعارضها وتباعدها عن بعضها أحيانا وتوافقها مع الحكمة والصواب أحيانا أخرى، قال جلالة الملك الحسن الثاني: "إن المغاربة كلهم يستظلون بظل أمير المؤمنين ويذهبون للتحكيم عند رمحه ليدافع عنهم"؛ مضيفا "بما أن الملك فوق الأحزاب فهو يستطيع أن يحكم وأن يفصل بكل حياد وتجرد من غير أن يتهم بمحاباة فئة على حساب أخرى، فهو ملك الأغلبية الساحقة من المغاربة، كما برهنت على ذلك المشاورات والاحتفالات الشعبية.. على نحو لا يمكن لأحد أن يماري فيه أو يناقش، وأن الأمة المغربية قد عبرت بوضوح لا وضوح بعده عن إرادتها بأن ترى الملك يجسد المطامح الأساسية للأمة، سواء كانت روحية أو مادية".

ويعتبر الحسن الثاني أن هذا الدور ما هو إلا إرث شرعي وأمانة مقدسة في عنقه ورثها عن أبيه محمد الخامس قائلا: "إن الثقة التي يوليها الشعب إلى ملكه هي وديعة مقدسة، ولم يتخل والدي عن هذه الثقة إلا عندما تخلت الحياة عنه، وقد سلمها إلي كما سأسلمها بدوري إلى ولي عهدي سيدي محمد، ولدي".

وكون الملك بالمغرب أميرا للمؤمنين يجعله في حل من التحزب لطائفة أو جماعة أو حزب سياسي أو فئة أو نخبة مهما كانت؛ فإمارة المؤمنين تظهره وتحرره في آن واحد، حيث يقول الحسن الثاني إنه من الشك "بأن ملكا يستطيع أن ينجح من غير عون رباني على نحو أفضل من رجل دولة آخر هو ضرب من الخيلاء، غير أن رئيسا ذا قيمة حمل إلى السلطة من قبل حزب، يمكن أن يكون أسير الحزب الذي حمله، فإذا تنحى اليسار، فقد يجد نفسه أحيانا مكرها على التعاقد مع سياسة تمثل اليمين أو بالعكس، بينما تحرقه نيران رغبة أن يفعل الخير للشعب الذي يحكم"؛ لكنه لا يستطيع ذلك، نظرا لتحزبه. أما أمير المؤمنين فهو فوق الأحزاب إلا أن هذا "لا يعني التخطيط في مناطق سماوية أو خرافية، بل بالعكس؛ فإنه يعني أن تحتفظ بقدميك فوق الأرض، وأن تأخذ بعين الاعتبار الحقائق التي تواجهك"...

ومن هذه الحقائق التي واجهها الملك الراحل الحسن الثاني :

أولا: طلب أحزاب المعارضة تحكيم أمير المؤمنين سنة 1964 لعقد دورة استثنائية لمجلس النواب .

ثانيا: طلب المعارضة التحكيم الملكي في القانون الانتخابي سنة 1992.

ثالثا: تحكيم أمير المؤمنين في قضية تعديل مدونة الأحوال الشخصية سنة 1992.