العفو الملكي .. وأفق العملية السياسية

العفو الملكي .. وأفق العملية السياسية

ليلة العيد، أصر الملك على أن تكون الفرحة فرحتين: فرحة عيد الأضحى، حيث تلتئم الأسر لتهدي أضحيتها لله سبحانه وتعالى؛ وفرحة عودة حوالي ثلث معتقلي الأحداث الناتجة عن احتجاجات الحسيمة إلى أمهاتهم وآبائهم وزوجاتهم، في لفتة تؤكد أن ملك البلاد يستمع لنبض الأسر المغربية ويستجيب في الوقت المناسب لمطالبهم متى كانت معقولة وتستجيب لمتطلبات مغرب اليوم.

الأكيد هو أن خطوة العفو الملكي أنهت مع جدل من يمكن أن يمارس هذا الحق، وهو الجدل الذي تحوّل لأشبه بثنائية "من يسبق: البيضة أم الدجاجة"، حتى أفرغ من معناه الدستوري والقانوني ثم السياسي؛ لأنه سقط في منطق المزايدة، فضلا عن المنطق الذي تحكمه الرغبة في تأزيم الوضع ودفع النقاش إلى بابه المسدود، وكأن الملكية هي المعنية به أو المسؤولة عنه.

خطوة العفو الملكي أكدت أن الدولة ورأسها لا يشتغل بالعاطفة ولا بردود الفعل؛ لأنه لو كان كذلك لما تمتع هؤلاء بالعفو عنادا فقط في المزايدات السياسوية، التي يصر البعض على إطلاقها لينال شرف وسام النضال، دون اعتبار لمصير المعتقلين ومعاناة أسرهم بالنهار وبالليل..

خطوة العفو الملكي أظهرت مدى قدرة الدولة على مد يدها للجميع، وأن الدولة ومؤسساتها فوق جميع الحسابات التي قد تحكم مواقفنا وتحركات السياسيين والجماعات خاصة منها من لن يعحبها هذا العفو، لأنها تريد للأزمة أن تتمدد وتنعكس سلبا أكثر على الدولة والمجتمع.

خطوة الدولة لن تعجب البعض، خاصة منهم متصيدو الاحتجاجات والراكبون عليها والعازفون على وتر عاطفي يهدف إلى دفع الشباب والمغاربة إلى حالة من التيئييس والعدمية والفوضوية وأوهام الخلاف.

العفو الملكي ليس فقط إجراء مناسباتيا، بل حكمته بالتأكيد قراءة الدولة لما حدث، بدءا من وفاة محسن فكري وصولا إلى المحاكمات التي تميزت بإعفاء المسؤولين السياسيين عن مشروع منارة الحسيمة، ثم التشخيص الدقيق الذي قدمه الملك في خطاب العرش، ثم خطاب ذكرى ثورة الملك والشعب للوضع بالمغرب، خاصة شبابه، وصولا إلى هذا القرار الذي يؤكد أن الدولة لها منطقها وعقلها التدبيري الذي قد يفاجئ الجميع؛ لأنه لا يمكن لأحد أن يدعي أنه كان على علم أو كان ينتظر هذه المبادرة تجاه المصالحة وتجاه التأكيد على أن الدولة ليس لها موقف من أبنائها مهما كانت طبيعة الأحداث، التي توبعوا من أجلها، والتأكيد مرة أخرى أن الملكية جزء من أي مشروع إصلاحي وأن لها القدرة ليس فقط على التطور، بل على السير بسرعة أكبر من سرعة من يفترض فيهم قيامهم بمهمة الوساطة الاجتماعية أو السياسية.

العفو الملكي خطوة شجاعة، خاصة أنها أنهت مع الجدل حول: هل يجب على المعتقلين تقديم طلب للعفو أم لا؟ حيث تحول هذا الجدل إلى أداة لتخوين المعتقلين من متصيدي الاحتجاجات ممن ينتظرون إشعال البلد في انتظار "القومة الموعودة".

الملكية في المغرب أظهرت، مرة أخرى، أنها لن تكون جزءا من الماضي؛ بل متجهة نحو بناء المستقبل، نحو تحرير جل الطاقات الكامنة داخل الشعب للقيام بمهمة البناء الديمقراطي.

الآن ومجموعة من هؤلاء الشباب قد تمتع بالعفة ونال حريته بفضل التفاتة ملكية، حان الوقت ليفكر هؤلاء وغيرهم خاصة من النشطاء، ما دام العفو يسقط عنهم الأحكام ويجعلهم متمتعين بكافة الحقوق المدنية والسياسية، في إجراء وقفة للتأمل والتفكير في جدارة وضرورة وملحاحية الانخراط في العملية السياسية أو المدنية ما دامت الدولة وعلى رأسها ملكها يقدم تشريحا دقيقا للوضع في المغرب ككل، ومقتنعة بأن هناك خللا دفع بخروج الشباب إلى الشارع في إقليم الحسيمة... ستكون الفرصة مواتية، بعد أخذ استراحة واسترجاع الأنفاس، للتفكير في الاندماج في العملية المؤسساتية؛ فهناك مشروع كبير تعمل الدولة على تنزيله، مشروع اللامركزية يحتاج إلى جل السواعد لتنزيله التنزيل الصحيح.

خطوة العفو يجب أن تفتح الباب أمام هؤلاء الشباب وغيرهم من شباب المغرب للمساهمة في العملية التي ستنتج عن مرحلة ما بعد تنزيل الجهوية الموسعة، خاصة العملية السياسية. وهنا، لا بد من الأحزاب السياسية أن تعيد هيكلتها بما يتماشى وهذه المستجدات، فلا يعقل أن تنفتح الدولة على شبابها وتظل هي مغلقة في بيروقراطية حزبية ومركزية ستالينية تجمع كل شيء في يد القائد.

العفو الملكي عليه أن يفتح الباب أمام نقاش جدي داخل الأحزاب السياسية ومشاركة الشباب فيها..

في النهاية، شكرا ملك المغرب الشجاع..