حفريات من أجل كشف أصل تسمية المغرب

المملكة المغربية هي العبارة التي تحملها الدولة المغربية وتستعملها في كل الوثائق التي تصدرها سواء المتعلقة بالدستور أو المعاهدات الدولية والقوانين والوثائق الرسمية. تعرف المملكة المغربية اختصارا باسم المغرب. هذه اللفظة ترتكز على أساس تاريخي وقل من تكلف بالنبش في جذورها .

نثير هذا الموضوع في هذه المقالة من أجل كشف أصل تسمية بلاد المغرب عسانا نساهم في سد بعض الفراغات التي يعاني منها تاريخ المغرب. كما نشير منذ البداية إلى أن تتبع تطور لفظة المغرب تداخلت فيه عدة عناصر، منها ما هو مرتبط بالثقافة الأمازيغية وما تناقلته الكتابات والمؤرخين الإسلاميين.

إن لفظة المغرب كما نستعملها اليوم شكلا ومعنى نتاج لتطورها عبر التاريخ المغربي لتصبح في الأخير على ما هو عليه اليوم. كما نؤكد أنه يصعب على الباحث في تاريخ المغرب أن يطمئن لنتائج أبحاثه إذا لم يكن ملما بالأمازيغية لغة وثقافة، ولهذا فإن الباحث في أصل تسمية المغرب يحتاج إلى استعمال كل الأدوات والمنهجيات المتاحة من مصادر ومراجع وكل الكتابات والروايات الشفوية المتواترة عند المغاربة، وعلى رأسها الحكاية الشفوية باعتبارها سجلا لجزء كبير من الموروث الثقافي المغربي من عادات وتقاليد. فرغم التعريب الذي خضعت له عدة مناطق بالمغرب فإن أسماء الأماكن والنباتات ظلت صامدة، ومنها لفظة المغرب نفسها كما سنوضح .

المغرب كما عرف عند الشعوب الأخرى

تواترت عدة أسماء للدلالة على بلاد المغرب كما نعرفها اليوم، فالأوربيون استعملوا عدة تسميات أغلبها مرتبطة بعواصمه: كمملكة "موريتانيا الطنجية" التي كانت عاصمتها طنجة، والتي كانت تمتد إلي نهر السنغال جنوبا وتعرف عند الأمازيغ بـ"آيت ايومور"، أصحاب الحق بالأمازيغية (انطلاقا من دولة) موريتانيا الطنجية أعطى الاستعمار الفرنسي للإقليم الذي احتله جنوب المغرب اسم موريتانيا، التي حافظت على نفس التسمية بعد استقلالها.

كما عرف المغرب في القرون الوسطى بعواصمه المعروفة آنذاك كمملكة مراكش ومملكة فاس. حيث كانت الظهائر والمعاهدات الدولية يوقعها سلاطين المغرب تارة باسم سلطان مراكش وتارة باسم سلطان فاس. انطلاقا من اسم مراكش التي تعني بالأمازيغية (أمور ن ياكوش) وبالمعنى الدلالي نصيب الله، أي أرض الأوقاف التي بنى فوقها يوسف ابن تاشفين عاصمته، اشتق الإسبان الاسم الذي يعرفون به المغرب Marokko.Marruecos . كما يعرف عند الفرنسيين والإنجليز باسم Morocco .Maroc واستعمل الفرنسيون كذلك عبارة Le Royaume cherifienne المملكة الشريفة .

يعرف المغرب عند الإخباريين والمدونين باللغة العربية قديما باسم المغرب الأقصى، وهو تحديد جغرافي لكونه يقع في الغرب الإسلامي. كما يعتبر المغرب جزءا من المغرب الكبير أو ما يسمى المغرب العربي (التسمية التي فرضها القذافي على بلدان شمال غرب إفريقيا) لكن الأمازيغ ظلوا يطلقون على بلاد المغرب لفظة "موغرب"، وهي اللفظة التي تطورت وأدخلت عليها تغييرات لتصبح في الأخير المغرب كما سنوضح في ما بعد .

الأمازيغ هو الاسم الذي يطلقه سكان المغرب على أنفسهم، وهو اسم فاعل للدلالة على النبل والحرية. ولازالت في المغرب عدة الأسر تحمل هذا الاسم كاسم عائلي، كما توجد دواوير وقرى تحمل اسم إمازيغن .

إن حدود المغرب عرفت تارة تمددا جغرافيا وتارة انكماشا حسب وضعية الدول المتعاقبة عليه فتارة يشمل المغرب والأندلس والجزء الغربي من الجزائر وغرب إفريقيا؛ فالإخباري المغربي ابن عذاري المراكشي اعتمد على معيار الثقافة واللغة الأمازيغية لتحديد منطقة المغرب، فاعتبر ما نسميه "تمازغا" كحدود المغرب، أي من غرب الإسكندرية إلى سلا غربا .

هل لفظة المغرب كما يفهمها الناس اليوم لها معنى آخر؟ إن التعريف ذا البعد العربي جاء متأخرا لكن اللفظة استعملها الأمازيغ قبل حتى أن يتعرف المغاربة عن العرب وقبل وصول الإسلام إلى المغرب كما سنوضح .

المغرب في الكتابات العربية

كل شخص يعرف القراءة والكتابة باللغة العربية، عند محاولته استعمال أو قراءة لفظة المغرب مكتوبة باللغة العربية في القرون الوسطى، لا بد أن يفهمها بخلفية عربية أو دينية فكلمة المغرب بالنسبة لهم لها معنى الغروب، أي الغرب الإسلامي، أو بمعنى وقت من أوقات الصلاة. انطلاقا من هذا المعنى ظل الكتاب باللغة العربية إلى حدود القرن 19 يستعملون لفظة المغرب الأقصى (فتح الميم) للدلالة على بلاد المغرب رغم أن مفردة المغرب (ضم الميم) بالمعنى الأمازيغي أقدم من دخول الإسلام والعربية إلى المغرب.

في البداية استعمل الإخباريون العرب تسمية المغرب بالضمة كما ينطقها الأمازيغ "موغرب". ونجد هذا خاصة عند ابن عذاري المراكشي في كتابه "البيان المغرب" بضم الميم؛ وهو أقدم كتابة باللغة العربية عن تاريخ المغرب، ما يجعل صاحبه يحتفظ بالكلمة الأصلية كما كان يستعملها الأمازيغ القدامى. ومن الأكيد أن الكاتب كان يعرف الأمازيغية بالرغم من أنه يكتب باللغة العربية. بعد الاستقلال عرفت لفظة المغرب بمعناها العربي انتشارا واسعا بفضل استعمالاتها المدرسية والإعلامية، رغم أن هذا المعنى لا يستطيع الصمود أمام أي فحص أو انتقاد. إذا سمي المغرب بهذه اللفظة لكونه يقع في المكان الذي تغرب فيه الشمس بالنسبة للمسلمين هل يمكن تسمية إندونسيا بالمشرق، لكون الشمس تشرق منها؟ لهذا تم تجاوز هذه اللفظة من طرف الكتابات والاستعمالات الأوربية، الذين أعطوا للمغرب تسميات انطلاقا من عواصمه، وظل أغلب المغاربة خاصة الناطقين بالأمازيغية متمسكين بلفظة "موغرب" في استعمالاتهم اليومية.

لهذه الأسباب لا بد من تعميق البحث في جذور الكلمة.. ولن يتأتى هذا إلا إذا كان الباحث ملما باللغة والثقافة الأمازيغية، لأن المعطى الأمازيغي يفرض نفسه على كل باحث في اللغة والتاريخ المغربي. يمكن التأكيد أن أصل تسمية المغرب أمازيغي، لكن الكتابات التي تمت باللغة العربية أحدثت بها بعض التغييرات على مستوى الكتابة ومستوى النطق، كما أضافوا إليها عدة طبقات من الدلالات كما سنرى في ما بعد.

المغرب في الموروث الثقافي الأمازيغي

لا يمكن الاطمئنان لما جاء في الكتابات العربية حول تسمية المغرب، لذلك يجب النبش في البيئة الأمازيغية باعتبارها مدخلا أساسيا لكل الأبحاث المرتبطة بالعلوم الإنسانية بالمغرب، وما نتوفر عليه اليوم يتعلق برواية شفوية تتناقلها الألسن من جيل إلى جيل منذ التاريخ القديم، مفادها أن بلاد المغرب تسمى "موغرب" انتسابا إلى امرأة أمازيغية كانت تعرف بـ"موغرب"، لكون هذه السيدة خرجت قديما إلى جانب الرجال في رحلة صيد، فتاهت عن المجموعة، فاقدة بذلك عائلتها، خاصة أبناؤها..انطلقت بعد ذلك في رحلة بحث مطولة طافت خلالها أرض المغرب في جميع الاتجاهات دون جدوى..شكل هذا المصاب صدمة بالنسبة لها، فكانت كلما حلت بمنطقة تبكي رثاء لفقدان أبنائها. هذا النوع من البكاء والرثاء يعرف عند الأمازيغ باسم "أغريب". وبما أن "أغريب" صفة، وصاحبة هذه الصفة امرأة أطلقوا عليها "موغرب"، في كلمة واحدة تجمع الأداة الواصفة "مو" والصفة "أغرب"؛ لأن الامازيغ يجمعون الأداة الواصفة والصفة في كلمة واحدة.

سواء كانت هذه الرواية صحيحة أو غير صحيحة من حيث الأحداث والشخصيات فإن لها وقعا وجدانيا، إذ ظلت متداولة بشكل واسع في الأطلس المتوسط، وخاصة عند زمور وزيان.

منذ ذلك التاريخ إلى يومنا هذا ظلت النساء الأمازيغيات يحتفظن بطقوس "أغريب" رثاء لكل فقيد؛ فـ"أغريب" لا يتضمن فقط البكاء، وإنما كلاما شعريا تذكر فيه مناقب وأعمال الفقيد أو المفقودين. انطلاقا من هذا الحدث بدأت تسمية بلاد المغرب "موغرب"، "أي أرض صاحبة البكاء الحزين"، لكن المفردة خضعت لعملية التعريب فتحولت إلى لفظة المغرب كما هو متداول اليوم .

فماذا تعني لفظة "موغرب"؟ إن لفظة المغرب (بالضمة) التي استعملها ابن عذاري المراكشي تؤكد ما تناقلته الرواية الشفوية الأمازيغية وما تناقلته الأجيال وظلت صامدة إلى يومنا هذا .

للمزيد من التوضيح نقدم الأمثلة التالية: كثير من الكلمات الأمازيغية تحمل الصفة والأداة الواصفة، فإذا كانت الصفة لاسم مؤنث تبدأ الكلمة بـ: "مو" مثل "موغرب"، "موذلال"، أي صاحبة الشعر الطويل، "موحجام" صاحبة الوشم ...وإذا كانت الصفة لاسم مذكر تبدأ الكلمة بـ: "بو"، مثل: بويزكارن، بوفكران، بويكرا ....

من لفظة موغرب في الأصل إلى الموغرب إلى المغرب حاليا

تحقيق المفردات في علم اللسانيات التاريخية يؤكد وجوب أخذ البعد الأمازيغي بعين الاعتبار، إذ لا ينبغي الاكتفاء بالمعنى المشهور لمفردة المغرب، بل ينبغي تحقيق معانيها في اللغة الامازيغية، ولن يتأتى ذلك إلا للناطق باللغة الامازيغية؛ فالمعنى العميق للفظة المغرب يرجع إلى المفردة الأصلية "موغرب"، كما هو وارد في الرواية الشفوية مدعومة ببعض الكتابات باللغة العربية.

لفظة المغرب كانت في الأصل "موغرب"، من أجل تعريبها وكتابتها باللغة العربية أضيفت إليها "أل" المعرفة، إذ جرت العادة من أجل تعريب كلمة أمازيغية، إن كانت اللفظة مذكرا تضاف إليها "أل" مثل: "أمخزني" رجل سلطة بالأمازيغية تحولت إلى المخزني، و"أمزوار"، متقدم الناس في شؤونهم الدينية، تحولت إلى المزوار، "أمرابض" (الشريف): المرابط وإذا كانت اللفظة مؤنثا، كمثال "تامازيغت"، تتحول إلى الأمازيغية ....

باختصار فإن ما نعرفه عن أصل تسمية المغرب راجع إلى ما تناولته الرواية الشفوية الأمازيغية، وما روجت له المصادر العربية نقلا عن الرواية السابقة، أضافت إليها بعض التحريفات لتساير ما تسمح به أنداك السلطة السياسة والدينية. ومنذ أول نص مدون بالعربية لابن عذاري المراكشي نتلمس آثار الأمازيغية في تحديد جذر تسمية لفظة المغرب التي لم تكن في الأول إلا لفظة "موغرب"، وبعدها عرفت تحولات مورفولوجية ودلالية: من موغرب إلى "المغرب" بضم الميم إلى المغرب، بفتح الميم كما نعرفه اليوم..على مستوى الدلالي تحولت من موغرب، أرض صاحبة الرثاء، إلى المغرب بالمعنى المغرب الإسلامي، رغم أن اللفظة أقدم عن تاريخ الإسلام بكثير .

في الأخير نبقي السؤال مفتوحا. ما حقيقة أصل تسمية المغرب؟ هل ما هو شائع ومتداول بين الناس؟ ما مدى تطابق الدلالة مع أصل التسمية بجذرها الأمازيغي؟ وهنا نقول لا يمكن للشعوب أن تهرب من تاريخها؛ فمهما طال الزمن لا بد أن يرجع التاريخ لتصحيح أخطائه.