ملف يجب أن يغلق بسرعة

ملف يجب أن يغلق بسرعة

كلما اقتربنا من موعد إجراء الانتخابات التشريعية السابقة لأوانها إلا وزادت حرارة «البولميك» حول حزب الأصالة المعاصرة ونفوذه وعلاقاته ومستقبل وجوده في الحياة السياسية. آخر حلقات هذا «السجال» اتهام الحزب بأن له أذرعا وكتائب في وزارة الداخلية، حتى إن نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، قال: «إن هناك ولاة وعمالا أصبحوا كتابا جهويين للبام». الكلام نفسه بتعبيرات مختلفة يرددها حزب العدالة والتنمية والاتحاد الاشتراكي، وحزب الاستقلال وجزء من الرأي العام… حزب الجرار ينفي كل هذه الاتهامات، ويعتبر أصحابها خصوما سياسيين يريدون تصدير أزماتهم إلى داخل الحزب، ويخططون لزعزعة وجوده وإضعاف قواه وتشويه صورته لدى الرأي العام…

الصراعات والجدالات، وحتى الضربات ما بين الأحزاب، أمر طبيعي في اللعبة الديمقراطية، بل إن حرارة هذه الصراعات أمر مستحب لأنه ينشط مفاصل الحياة السياسية ويمنع أوصالها من التجمد… لكن هذه الصراعات يجب أن تكون حول أفكار وبرامج وسياسات عمومية ومشاريع مجتمعية، لا أن تكون حول من يتحكم في «الدائرة الترابية» الموضوعة تحت خدمة الصالح العام، والتي من المفروض أن تبقى على «الحياد الإيجابي» إزاء كل الأطراف لأنها عماد الإدارة المغربية ورمز الاستمرارية…

هذا السجال حول ولاءات عدد من الولاة والعمال يجب أن يتوقف حالا لأنه يمس في الصميم روح العملية السياسية التي انطلقت بعد خطاب 9 مارس كجواب مغربي عن ربيع التحول الديمقراطي الذي يجتاح المنطقة. لكن السؤال هو: كيف؟

البلاد مقبلة على انتخابات جديدة، وعلى منعطفات حادة، وإذا لم يكن هناك اتفاق بين كل الأطراف على قواعد السير وسرعتها وإجراءات ضمان السلامة، فإن المركبة كلها معرضة للخطر…

كان على وزارة الداخلية أن تجري تحقيقا سريعا وفعالا منذ عدة أشهر عندما تواترت تصريحات عدة أحزاب تتهم عددا من الولاة والعمال بموالاة «البام» ومجاملته أثناء تشكيل المجالس الجماعية الأخيرة… ثلاثة من هذه الأحزاب التي يردد مسؤولوها هذه الاتهامات (الاتحاد، الاستقلال، التقدم والاشتراكية، وإلى حد ما الحركة الشعبية)، موجودة في الحكومة، ولهذا فإن هذه التصريحات يجب أن يتبعها إما تحقيق إداري نزيه، أو تحريك المسؤولية الجنائية، أو حل الحكومة التي يتهم جزء منها زميلهم في الداخلية بأنه «يتفرج» على خروج جزء من السلطة عن الشرعية.

إن السكوت عن هذا الملف الحساس، والذي يخفي «غابة من التعقيدات» وراءه، في هذه الظرفية التي تحتاج فيها وزارة الداخلية إلى كم هائل من المصداقية للإشراف على انتخابات ليست كسابقاتها.. هذا السكوت سيضر الجميع.

نيران هذه الأزمة يجب أن تُطوق بسرعة، ومادام مؤسس الحزب يرفض، إلى حد الآن، «التطوع» لحل هذا المشكل من الأصل، فعلى وزارة الداخلية أن تنأى بنفسها عن حرارة هذا الملف، وأن تترك الأحزاب تصارع «البام» بعيدا عن الإدارة الترابية.

لا يمكن للداخلية أن تعزف على آلتين مختلفتين في نفس الوقت، هذا لا يصنع سمفونية، إنما يثير ضجيجا لا أحد سيُقبل على سماعه.