السيسي في الجزائر.. حذار من اللعب بالنار

السيسي في الجزائر.. حذار من اللعب بالنار

يقيناً أن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة كان في منتهى النشوة وهو يستقبل الرئيس المصري الجديد المشير عبد الفتاح السيسي في قصر المرادية بالجزائر العاصمة. فهذه أول زيارة للرئيس الجديد يخصّصها للجزائر ليرد لها الجميل بعد الدور "الاستثنائي" الذي قامت به من أجل عودة مصر إلى الاتحاد الإفريقي بعد قرار تعليق عضوية "بلاد الكنانة" في هذه المنظمة الإفريقية عقب الإطاحة بالرئيس محمد مرسي..

قد يبدو في ظاهر الأمر أن الجزائر ستكسب الكثير من هذه الزّيارة، وربما توهّمت أنها ستستعيد تاريخ العلاقات المصرية -الجزائرية في زمن جمال عبد الناصر والهواري بومدين، لاسيما أن المشير عبد الفتاح السياسي لا يتردد في إعلان نفسه عبد الناصر الجديد، لكن التاريخ والحلم باستعادة هذا الحلم شيءٌ والواقع شيء آخر.

في زمن الرئيس عبد الناصر كان هناك مشروع قومي عربي تولى الحزب الوحيد الذي هيمن آنذاك على المشهد السياسي العربي تنفيذه على الأرض، وقاد هذا الوضع إلى الوحدة بين مصر وسوريا والعلاقة مع عراق البعث وليبيا -القذافي وجزائر بومدين، لكنّ اليوم، الوضع تغير، ولم تعد للإيديولوجيا مكانٌ يمكن أن تجتمع عليه الرئاسات العربية، وإنما هناك مصالح وتقديرات مختلفة في بلوغها.

قد يكون تمدّد الخطر الإرهابي من الأراضي الليبية دافعا للتنسيق بين مصر والجزائر، وقد يذهب الأمر في سبيل الحفاظ على الأمن القومي للبلدين لطرح قضية التدخّل العسكري في ليبيا على طاولة المحادثات، ووارد أيضا أن يكون التحول الديمقراطي في المنطقة هاجساً حقيقيا للبلدين، بعد أن نجحت تجربة الوفاق السياسي في تونس وتجربة الخيار الثالث في المغرب، ووارد أيضا أن يكون هاجس استئصال الفاعل الإسلامي في المنطقة جزءا من أجندة إقليمية انتُدِبت لها مصر وتحاول استقطاب بعض الدول العربية للاشتغال على المحور نفسه.. لكنْ، مع كل هذه القضايا التي يتقاسمها البلدان ويحملان حولها رؤية متقاربة، فإنه من الصّعب جدا أن ينجحا في إبرام اتفاق إستراتيجي طويل المدى، لماذا؟

أولا، لا بد من الإشارة هنا إلى أن الاتفاق الإستراتيجي المفترض بين مصر والجزائر سيؤثر على اتفاقات المسؤولين الجزائريين، لاسيما في محورهم الإفريقي التقليدي، إذ لا ننسى أن جنوب إفريقيا ونيجيريا هما الدولتان اللتان كان لهما الدور الرئيسي في تعليق عضوية مصر في الاتحاد الإفريقي، على خلفية توقف المسار الديمقراطي بانقلاب عسكري دخلت معه البلاد نحو المجهول، ومن الصعب أن تضحّي الجزائر باتفاقاتها الإستراتيجية من أجل وفاق ظرفي بينها وبين مصر ينتهي بانتهاء موجباته.

ثانيا، إن التداعيات الخطيرة التي تعرفها العراق تعطي صورة عن مخاطر مواجهة التحدّيات الأمنية بتدخل عسكري يعقبه تدخل فوقي لفبركة المسار الديمقراطي. إذ لم يُنتج هذا الخيار الذي رعته الولايات المتحدة الأمريكية سوى توسع الخطر الإرهابي وتشكيل تنظيم الدولة الإسلامية في الشام والعراق، والذي يوشك أن يلتهم كل العراق، وهذا يعني أن خيار التدخل العسكري الجزائري والمصري في ليبيا تحت أي حجة كانت، إقليمية أو أمنية، تخصّ حسابات الأمن القومي للبلدين، سيؤدي إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة وتوسيع الخطر الإرهابي القادم من ليبيا ومن الساحل جنوب الصّحراء أيضا.

ثالثا، إنه حتى لو بادرت الجزائر ومصر بالتشاور في مواجهة التحدي الأمني الصادر من ليبيا بشكل منفرد من غير تنسيق من دول المنطقة المغاربية، فإن ذلك لن يحلّ المشكلة، لأن التحديات الأمنية تتمتع بجملة من الخصائص المُشترَكة في المنطقة، ما يجعل التعاطي معها من غير رؤية مندمجة في إطار مغاربي ضعيفة ومحدودة، هذا إن لم نقل أنها ستؤدي إلى عكس مفعولها، إذ يمكن أن تنتقل حالة الاضطراب من ليبيا إلى الجزائر، التي تعيش على بركان عاصف. إذ وارد جدا أن تعود التنظيمات الإرهابية بقوة في الداخل الجزائري بسبب انحباس البيئة السياسية في هذا البلد.

رابعا، ظاهريا يمكن أن تكسب الجزائر من توثيق علاقتها بمصر على مستوى تقوية موقعها في الفضاء المغاربي، الذي بدأ يضيع منها بسبب التقارب الكبير بين المغرب وتونس، وظاهريا يمكن أيضا للجزائر أن تستفيد من هذه العلاقة الوثيقة مع مصر إذا ما تم الترتيب لتدخل عسكري في ليبيا، لكنّ الجزائر ستكون هي الخاسر الأكبر في هذا التدخل، لأن الوضع الداخلي الجزائري يفتقد لما يمكن أن نسميه "القابلية للتعبئة" التي تعينه على إنجاح هذه الخطوة، ذلك أن هذا التدخل الجزائري المصري في ليبيا، إذا تم، سيتحول إلى حالة قلق يرجّح أنها ستساعد في إسناد رياح الربيع العربي التي تأخرت عن بلد المليون شهيد.

خامسا، إن المشهد السياسي الليبي، الذي يعرف هذه الأيام انتخاباته البرلمانية، ليس متحمسا لفكرة التدخل العسكري الأجنبي حتى لو كانت هناك قناعة لدى جزء كبير من المكونات السياسية الليبية بأن التحدّي الأمني هو أكبر عائق يحول دون إنجاح خطوات الانتقال الديمقراطي.

ولذلك، وأمام هذه المخاطر ليس أمام الجزائر سوى أن تتبنى الخيار البراغماتي وتأخذ من مصر ما ضاع منها في السنوات القليلة الماضية وتعيد علاقاتها التجارية معها إلى سابق عهدها، وأن تَحذر من التورّط في أي أجندة إقليمية في المنقطة، ولو كان عنوانها إيقاف الرّبيع العربي ومحاصرة التجربتين النموذجيتين في كل من المغرب وتونس، لأن سير الجزائر في هذا المسار يعني أنها تختار اللعب بالنار التي لا تبقي ولا تذر..

*مدير نشر "صحيفة الناس"