مصر في الطريق الخطأ

مصر في الطريق الخطأ

تشكل الانتخابات الرئاسية المصرية لحظة للتأمل الاستراتيجي في استراتيجيات التي تفاعلت في الآونة الأخيرة في التعاطي مع مخرجات الربيع الديمقراطي.

فقد كانت سنتا 2012 و 2013 لحظة مفصلية في تشكل أطروحة مقابلة لأطروحة التحول السياسي في الوطن العربي، انطلقت بالأساس من هاجس توازن منظومة الأمن الإقليمي في المنطقة، أو للتحديد الأمن الإقليمي الإسرائيلي، حاولت أن تستثمر مفهوم "الثورة التصحيحيةّ" لتجهز أولا على مسار الإدماج السياسي للإسلاميين، ثم تنتقل بعد ذلك إلى ترتيب شروط إعادة إنتاج الأنظمة السلطوية التقليدية، بما يعنيه ذلك من تعزيز البنية السياسية المغلقة للدولة وتشديد الهيمنة على المؤسسات وإضعاف دورها إحداث التوازن السياسي بين مراكز القوى المختلفة.

والحقيقة، أن المشكلة لم تكن مطروحة أبدا حول قدرة السلطة على فرض خارطة الطريق في بعدها الإجرائي المرتبط بالاستحقاق الرئاسي أو حتى التشريعي، فقد كان هناك ما يشبه الإجماع عند المراقبين الدوليين بأن المؤسسة العسكرية – باعتبارها الفاعل الأقوى في المعادلة السياسية المصرية- أضحت مقتنعة بأنها هي الخيار الوحيد المطروح من أجل الحفاظ على توازنات الأمن الإقليمي (الأمن الإسرائيلي تحديدا) وإيقاف تمدد الموجة الديمقراطية في العالم العربي، وأن إعادة إنتاج الدولة السلطوية التقليدية هو الآلية الأنسب لتحقيق هذا الغرض، وأن ثمن ذلك لا بد يكون هو القضاء بشكل كامل على الإسلاميين الذين كانوا يمثلون في نظر هذه المؤسسة والعديد من دوائر صناعة القرار السياسي الغربي معضلة تحول دون تنزيل استراتيجية التحول السياسي على الطريقة الأمريكية، أي تحول من غير وجود إسلاميين داخل مربع الحكم.

المشكلة كانت مطروحة حول قدرة هذا السيناريو على العيش على المدى البعيد، أو للتدقيق قدرته على تفادي ثورة مصرية ثالثة، ما دام أن نفس الشروط التي أنتجت الثورة الأولى لا تزال قائمة بل الشروط الحالية أسوأ بكثير من التي كانت زمن مبارك وأسوأ من الشروط التي استثمرت لتبرير "حراك" 30 يوينو.

الجدير بالتأمل في هذه الأفكار التي وضعت بديلا عن السيرورات الطبيعية للربيع الديمقراطي أنها فشلت فشلا ذريعا حتى في تدبير المدى القصير، أي تأسيس شرعية السلطة الجديدة، إذ ظهر جليا أن تمديد فترة التصويت على خلاف القواعد الديمقراطية التي تلجأ لذلك حينما يشتد التصويت في الساعات الأخيرة، ومنح يوم عطلة للمواطنين المصريين من أجل تكثيف الإقبال على الصناديق، وشحذ المؤسسة الدينية الإسلامية والمسيحية لتقديم فتاوى تخرج المقاطعين عن الملة والمواطنة، والضغط على رجال الأعمال لإكراه عمالهم على التصويت القسري لفائدة مرشح بعينه، ناهيك عن القصف الإعلامي الدعائي الذي استعمل ما يجوز وما لا يجوز في عنف رمزي غير مشهود ضد المتلقي والمشاهد، وكذا توظيف القضاة والفنانين لتجريد المصريين المقاطعين للعملية الانتخابية من مواطنتهم. كل ذلك يبين أن هذه الأفكار أثبتت محدوديتها في المدى القصير في التأسيس لشرعية السلطة الجديدة/ القديمة، فما بالك بقدرتها على مواجهة الانتظارات الشعبية في ظل انهيار كامل للمنظومة الاقتصادية والاجتماعية في مصر.

إن رأسمال وقوة ونجاح أي سلطة في تدبير الوضع المأساوي الذي تعيشه مصر حاليا، ليس هو القدرة على فرض سلطة سياسية جديدة بالقوة، وإنما يتمثل هذا الرأسمال في القدرة على تجاوز أزمة الشرعية، وبناء سلطة قادرة على أن تقنع المصريين بأن الخروج من الأزمة وإعادة التوازنات المالية والهيكلية لهذا البلد يتطلب قرارات صعبة ومؤلمة لا يستطيع الشعب أن يتقبلها إلا إذا كانت السلطة القائمة تتمتع بشرعية سياسية وانتخابية كاملة، وهو المثال الذي لم تستطع الانتخابات الرئاسية المصرية أن تعكسه أو تعكس الحد الأدنى منه..

الأفكار الاستراتيجية التي لا تستطيع إثبات جدواها في المدى القصير، ولا تقدر على المرور بسلاسة، لا يمكن بالمطلق أن تستدرك في الجواب عن التحديات المتعاظمة على المدى البعيد، لأنها ببساطة ستفتقد القدرة التعبوية للشعب المصري في هذه المرحلة الحساسة.

نعم يمكن للدعم الدولي أن ينفس الأوضاع قليلا، ويمكن للمانحين العرب من الداعمين لفكرة إجهاض التحول السياسي أن يبذلوا مزيدا من الحقن لامتصاص الغضب الشعبي، لكن مع ذلك كله، لا بديل عن القيام بالإصلاحات الكبرى وعن شرعية سياسية كاملة تتمتع بكامل الدعم الشعبي للقيام بهذه الإصلاحات.

نأسف أن نرى نموذجا خاطئا لإجهاض التحول السياسي يتمخض بولادة قيصرية وبدعم دولي يرى الجميع أنه يشوه كل القواعد الديمقراطية، ونأسف لمحاولات تعميمه في ليبيا وربما في دول أخرى، لأن المدى البعيد سيكشف بوضوح أن ما يولد ولادة مشوهة ومعطوبة لا يستطيع أن يستمر في الحياة بشكل عاد حتى ولو أمدت له كل الأمصال.