ثرثراتٌ في الهوامش

ثرثراتٌ في الهوامش

بسم الله الرحمن الرحيم

(1)

كثُر الكلام، في هذه الأيام، حول الإعلام العمومي، الذي تحول إلى ميدان من الميادين، التي تعرف صراعا محتدما بين الحكومة ومناصريها وبين معارضي هذه الحكومة، وخاصة أولئك الذين يتربصون بها في المجال الديني والأخلاقي، مؤوّلين كلَّ نأْمة منها في هذا المجال بأنه توجه نحو تشديد قبضة "الإسلاميين" الموالين على الإعلام، وفرضِ الرأي الواحد، ومنع التعدد والحرية والفن، باسم الدين والأخلاق، وانتهاكِ حقوق المواطنين في إعلام متنوع يعكس تنوعَ التيارات والاختيارات والاجتهادات، التي يمتاز بها المجتمع المغربي.

هذا الصراع الدائر بين الحكومة وبين مناوئيها، في مجال الدين والأخلاق، يرجع، في جوهره، إلى الصراع المبدئي الموجود دائما بين الإسلاميين وبين أعدائهم وخصومهم ومنافسيهم من اللادينيِّين، الذي لا يرون مكانا للإسلام، دينِ المغاربة، إلا في مطوِيّات الضمائر وزوايا المساجد بعيدا عن حيوية المجتمع بمختلف نشاطاته، وخاصة في مجالات السياسة والاقتصاد والآداب والفنون. وسيظل هذا الصراع قائما ما دام هناك إسلامٌ وإسلاميون يناضلون، حقيقةً وفعلا، لا أمانيَ وخطابا، من أجل حماية مقدسات الإسلام وثوابته وحرماته وآدابه وأخلاقه أن ينتهكَها الضٌّلاّلُ والفُساق، وأن يعبثَ بها العابثون من أهل الشك والزندقة والإلحاد.

إنه صراع وجودي دائم ما دامت السماوات والأرض.

(2)

أما الثرثراتُ التي أقصدها في هذه المقالة، فهي هذه الخطابات الموالية للحكومة وسياساتِها، التي لا يجرؤ أصحابُها على تسمية الحقائق بأسمائها، ويخوضون بنا في الهوامش بعيدا عن قلب الأمر. وهذه بعض التوضيحات.

السيد وزير الاتصال، والناطق الرسمي باسم حكومة السيد بنكيران، يصرح، في مجلس المستشارين، في عبارات لا تحتمل التأويل، أن الإعلام العمومي ينتهك الدستور والقانون، وأن هناك منكرا فيما يبثه هذا الإعلام، الذي يموّله المواطنون. ثُمَّ لا نجد من السيد الوزير، ومعه حكومتُه، إلا العجزَ التام عن إزالة هذا المنكر، وفرضِ احترام الدستور والقانون في الإعلام العمومي.

فالسيد وزير الاتصال، يعرف، كما يعرف المدافعون عنه، أن المسؤولين عن الإعلام العمومي هم موظفون تابعون للحكومة، والواجبُ يفرض عليهم، نظريا على الأقل، أن ينفذوا سياسات الحكومة، باحترام ما تنص عليه دفاتر التحملات. وإن حصل أن موظفا رفض القيامَ بواجبه، أو كان منه ما يشوش على سياسة الحكومة، أو يعرقل سيرها، فإن المنطق يقتضي الاستغناء عن هذا الموظف وتعويضه بغيره. فلماذا لا تسير الحكومةُ في هذا الاتجاه القانوني الواضح؟ لماذا لا نرى منها حسما وحزما في التعامل مع موظفين متمردين، يحسبون أنفسهم فوق المحاسبة والمتابعة، ويعتقدون أن الحكومة لا تملك سلطة إزاحتهم عن مناصبهم "السامية"؟

السيد الوزير، ومعه سائرُ أعضاء حكومة السيد بنكيران، عاجزون، سياسيا، عن المبادرة في هذا الشأن، وإن كان الدستور والقانون في صالحهم، لأنهم يعرفون-إلا أن يتعاموا ويتجاهلوا- أن مؤسسات الإعلام العمومي هي من "مَحميّات" النظام المخزني، التي لا يجوز للحكومة أن تقترب من حماها. وهذه الحمايةُ السامية هي التي جرّأت موظفةً كـ"سيطايل" على أن تتحدى رئيس الحكومة، في العلن، بلا حياء ولا خوف، وهي مطمئنة أنها لن ينالها أيُّ شكل من أشكال العقوبة!!

لقد جرّب السيدُ وزير الاتصال حينما تقدّم، في أول عهده بالوزارة، بمشروع دفاتر التحملات في صيغتها الأولى، وعرَف، بالواقع الملموس، أن الحكومة لا تملك سلطة حقيقية في مجال تدبير سياسات الإعلام العمومي، حينما اضطر، مع رئيسه السيد بنكيران، للتنازل عن صلاحياته الدستورية والقانونية، تنفيذا للتعليمات العليا.

الحكومةُ كلها تعلم أنها، في مجال الإعلام العمومي، وفي غيره من المجالات، لاعبةٌ في الهوامش، أما القلبُ والمركز والجوهر، فاللاعب الأساس فيه هو الدولة المخزنية، التي ترجع إليها القول الفصلُ والكلمة النهائية.

ما كان لموظفين إداريين، سامين أو غير سامين، أن يعارضوا الحكومة، ويشوشوا على سياساتها-إن كان لها سياساتٌ مستقلة عن المخزن- ويقفوا في وجه رئيس الحكومة وقوف الندّ للندّ، بل ويتجاوزا هذا ليصبحوا معارضين سياسيين لهم آراؤهم وانتقاداتهم وتقديراتهم لعمل الحكومة. هذا، في رأيي، هو الهزل السياسي الذي ما بعده هزل.

(3)

لقد عرف السيدُ رئيس الحكومة، ومعه السيد وزير الاتصال، بالتجربة الواقعية في دواليب دولة المخزن طيلة ما يقارب سنتين ونصف، أن الإعلام العمومي هو آلة ضرورية من آلات التحكم والاستبداد. وليس عند الحكومة، كما لم يكن عند سابقاتها، الشجاعةُ السياسية لتعترف بهذه الحقيقة التي وقفت عليها بالتجربة والممارسة. فهي إذن، حكومة خاضعة تابعة سامعة مطيعة منفذة، ولو على حساب المبادئ والوعود التي نقرأها في الخطابات والشعارات.

فلو كان عند الحكومة الشجاعةُ السياسية، التي تحترم المبادئ وتفي بالوعود، لأشارت، بالعبارة الصريحة والموقف الصارم، إلى اللاعب الحقيقي في المشهد السياسي، الذي يوجه الإعلامَ العمومي الوجهةَ التي يرضاها، والذي يفرض على الحكومة أن تبقى لاعبا في الهوامش، لا تملك حلاّ ولا عَقدا.

وكذلك الكتّابُ الموالون للحكومة، كان عليهم أن يخرجوا من دائرة التعمية والتخليط والتردد، ويصرحوا بأن العائق الحقيقي في حياتنا السياسية، هو النظام المخزني، الذي ما يزال هو المتحكم في كل خيوط اللعبة، وأن منْ يسمّونهم بالعفاريت، أو التماسيح، أو مراكز المقاومة والتحكم، إنما هم تجلياتٌ طبيعية للاستبداد المخزني، بل ما هم إلا أدواتٌ في خدمة سياسات المخزن.

حزبُ الأصالة والمعاصرة، مثلا، من أسّسه؟ وكيف؟ وأين هو مؤسسُه اليوم؟ هل غاب عن المشهد؟ هل كفّ عن الفعل في الحياة السياسية؟ وهل الملكُ، رئيس الدولة، بعيدٌ عما يجري في المشهد السياسي؟ وهل يصدق أحدٌ أن الملك، بصفته صاحبَ القرار الأول والأخير، في الدولة، لا علاقة له بسياسة الإعلام العمومي؟ وهل هذا الإشهارُ لمهرجان "موازين"، مثلا، في الإعلام العمومي، الذي تعدى كلَّ الحدود، لا علاقة له بالنظام المخزني، وسياساته المرسومة؟ وهل تنظيمُ هذا المهرجان "المقدس"، تحت الرعاية السامية، لا علاقة له بسياسات الدولة الاستراتيجية، التي لا تملك حكومةُ السيد بنكيران، ولا المئاتُ من أمثالها، أن يمَسُّوا منه شعرة واحدة بغير إذن من السلطات العليا؟

هذه الأسئلة وأشباهها تؤكد أن الذين يسكتون اليوم عن الحديث عن المخزن، ويبرِّئونه، بسكوتهم، من أيّ مسؤولية عما يجري في حياتنا السياسية من تشويش وتلبيس وتخليط وعرقلة وتأزيم، ويركّزون رميَهم على التوابع والظلال والأدوات، على أنهم هم الفاعلون الأصليون، إنما هو ثرثارون في الهوامش، لن يكون لكلامهم، في اعتقادي، أيُّ أثر إيجابي، ما داموا، بوعي أو بغير وعي، بنية حسنة أو مشوبة، يفتلون في حبل دولة الاستبداد، ويدافعون عن دولة التعليمات، ويشاركون في هدم أساس من أسس دولة المؤسسات والحقوق والحريات المسؤولة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.