هل تمهد "الاحتجاجات وكورونا" لأفول "الإمبراطورية الأمريكية"؟

هل تمهد "الاحتجاجات وكورونا" لأفول "الإمبراطورية الأمريكية"؟

شكلت الصورة التي التقطها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام كنيسة "سان جون" المحاذية للبيت الأبيض، يوم الاثنين الماضي، سابقة من نوعها في المشهد السياسي الأمريكي المعاصر، وأثارت جدلا واسعا في الأوساط السياسية.

رمزية الصورة لا ترتبط فقط بحمل ترامب للإنجيل، والوقوف أمام الكنيسة التاريخية؛ ولكن كون قوات الأمنية قامت بتفريق مظاهرة سلمية كانت ترفض شعارات مناهضة للعنصرية، ومواجهتهم بالعنف والقنابل المسيلة للدموع.

نهاية الديمقراطية الأمريكية

هذه التطورات دفعت جون آلان، الجنرال الأمريكي المتقاعد، والذي كان قائدا للقوات الأمريكية في أفغانستان، لنشر مقال طويل في موقع "فورين بوليسي"، يحذر فيه مما أسماه "أفول" نجم الولايات المتحدة.

ويقول آلان، ضمن مقاله الذي عنونه بـ"لحظة العار الوطني، الخطر والأمل"، إن "الولايات المتحدة قد تشهد نهاية بداية نهاية الديمقراطية الأمريكية"، مضيفا أن "ترامب ليس متدينا ولا يحتاج إلى الدين، إلا بالقدر الذي يخدم مصالحه السياسية".

ويتابع الجنرال المتقاعد التأكيد على أن "الرئيس فشل في إبداء أي حس قيادي تحتاج إليه الأمة خلال هذه اللحظة العصيبة"، ويشبه تفاعل ترامب مع الأحداث الجارية بأنه "لا يختلف عما تقوم به الأنظمة الاستبدادية".

حساسية المرحلة الحالية، التي يصفها جون آلان بـ"العصيبة"، لا يربطها بالاحتجاجات فقط، وإنما أيضا بانتشار وباء كورونا، إذ يشدد على أن ترامب فوّت على نفسه فرصة قيادة البلاد نحو بر الأمان وتجاوز هذه المرحلة.

ويسير روبيرت هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية، في الاتجاه ذلك، إذ يقول في مقال نشره على مجلة "فورين أفيرز"، إن أزمة كورونا والهزات الاقتصادية الناتجة عن الوباء وكذلك الاحتجاجات الحالية ستؤثر على السياسات الخارجية للولايات المتحدة.

"الأزمة الداخلية تعرض الولايات المتحدة للخطر في الخارج"، يقول ريتشارد هاس، الذي يورد أنه على الرغم من سيطرة الولايات المتحدة وترسيخها لصورتها كقوة بارزة في العالم، فإن التطورات الأخيرة يمكن أن يكون لها تأثير "عميق ودائم" على النفوذ الأمريكي، "ما لم تكن الولايات المتحدة قادرة على معالجة انقساماتها السياسية والاجتماعية المستمرة"، وفق قوله.

ويتابع الدبلوماسي الأمريكي السابق التأكيد على أنه "في حال عدم تجاوز الولايات المتحدة لأزمتها الحالية، فإن ذلك سيضعفها على الصعيد الدولي، وسيدفع حلفاءها كذلك إلى البحث عن حليف قادر على توفير الأمن لهم في وقت تستمر فيه واشنطن بالانشغال بأزماتها الداخلية".

الحديث عن أفول نجم "الامبراطورية الأمريكية" ليس وليد هذه الاحتجاجات أو الأزمة الاقتصادية التي ضربت الاقتصاد الأمريكي بسبب انتشار وباء كورونا، وإنما ظلت هذه المسألة محل خلاف ونقاش بين مختلف الباحثين في الشؤون السياسية والإستراتيجية، خصوصا مع صعود الاقتصاد الصيني ليكون ثاني أقوى اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة، وكذا هيمنة الصين في مناطق عديدة من العالم.

رحلة الوداع

وفي هذا السياق، يرصد الصحفي والكاتب الأمريكي، كريس هيدجز، في كتابه الأخير الذي يحمل عنوان: "أمريكا.. رحلة الوداع"، عددا مما يعتبرها مشاكل تعيشها البلاد، وتؤشر على بداية أفول هيمنة قوة الولايات المتحدة كقوة اقتصادية وثقافية في العالم.

ويتصور هيدجز أن تنبؤات الفيلسوف الألماني كارل ماركس بنهاية الرأسمالية ستتحقق خلال العقود المقبلة، مشيرا إلى أن "الرأسمالية الأمريكية فقدت طريقها، وأصبحت تخدم فئة قليلة من الأفراد ذوي المصالح، مقابل معاناة السواد الأعظم من الأمريكيين الذين يعيشون تحت وطأة الفقر".

ولا يربط كريس هيدجز، الذي كان يشتغل في جريدة "نيويورك تايمز" وأنجز تغطيات حول عدد من الحروب، بين أفول الديمقراطية الأمريكية بالمرحلة الحالية أو وصول ترامب إلى البيت الأبيض، وإنما يربط هذا التقهقر بالنظام السياسي والاقتصادي الأمريكي، سواء كان في سدة الحكم، الحزب الجمهوري أو الديمقراطي؛ فكلاهما، حسب هيدجز، "في خندق واحد، ويعملان لمصلحة نخبة اقتصادية واحدة تتحكم في مفاصل النظام الأمريكي".

أكثر الجوانب المؤلمة التي يتحدث عنها هيدجز، عن التجربة الأمريكية، هي تلك المرتبطة بصعوبة إيجاد عمل بأجر جيد، إذ إن حيزا كبيرا من فرض الشغل التي يوفرها الاقتصاد الأمريكي تقدم فقط الحد الأدنى للأجور، كما أنه يدين انتشار إدمان المخدرات والمواقع الإباحية وكذا نظام العدالة الجنائية الذي يدين الأقليات.

ولعل أبرز ما تطالب به الاحتجاجات الحالية التي تعم البلاد إصلاح نظام العدالة الجنائية، إذ تعد الأقليات، خصوصا من الأفارقة الأمريكيين هم الأكثر عرضة للاعتقال والسجن، حتى إذا تعلق الأمر بارتكاب مخالفات بسيطة.

وكمثال لذلك، تشير معطيات نشرتها "الرابطة الوطنية للنهوض بشؤون الأشخاص غير البيض" إلى أن الأمريكيين من أصل إفريقي يشكلون ما مجموعه 34 في المائة من السجناء في مختلف سجون البلاد، كما يتم سجنهم بأكثر من خمسة أضعاف بالمقارنة مع البيض، كما أن معدل سجن النساء من أصل إفريقي يعادل ضعف أعداد السجينات ذوات البشرة البيضاء.