سحر شنغهاي يكتب تاريخ المجد الصناعي للصين

سحر شنغهاي يكتب تاريخ المجد الصناعي للصين

تشهد شنغهاي، منذ عقود، تحولا حقيقيا غيّر وجه هذه المدينة التي تأوي أزيد من 25 مليون نسمة؛ فالعاصمة الاقتصادية للصين، التي أعيد بناؤها بشكل عشوائي منتصف القرن الماضي، تكتب اليوم تاريخ المجد الصناعي لبلد كان اقتصاده إلى وقت قريب يئن تحت وطأة ركود خانق.

ليل شنغهاي كنهارها، حركة دؤوبة، حشود المارة تجوب الشوارع بإيقاع رجال آليين، أبراج وناطحات سحاب زجاجية تتحدى الجاذبية ومبان مبلطة بالمرمر تطل على المعابد والقصور القديمة في حوار معماري حضاري متجانس يعكس القيم الجمالية للعمارة الصينية ويشهد على عظمة هذه الحضارة وإنسانيتها.

النموذج الحضري الذي تقدمه شنغهاي ليس وليد الصدفة؛ بل نتاج حركية متراكمة التأمت فيها مجهودات السلطات وإرادة النهوض لدى أبناء البلد. سلطات المدينة أضافت لبنات جديدة في هذه الدينامية. ولعل المشروع الضخم للمركز المالي الجديد "بودونغ" خير مثال على هذا الاسهام الحضري؛ فهذا الحي المالي، المطل على نهر هوانغبو، أضحى متنفسا للساكنة وشريانا رئيسيا تتمحور حوله حركة الناس في المدينة ونمو اقتصادها.

في شنغهاي والصين عامة، لا تكف العين عن استقراء مشاهد الجمال الطبيعي؛ فأراضي دانكسيا، الواقعة جنوب شرق البلاد، تجسد نوعا فريدا من الصخور الرسوبية الملونة على المنحدرات الحادة، وتشكل لوحات فنية بديعة. شلالات (هوكو) وبحيرات (فوشيان) وتعرجات بركانية وأشجار مختلفة الألوان تنتشر كمراوح أسطورية على التلال. جغرافية شنغهاي تحتاج إلى تأمل، تخترقها أنهار وبحيرات وجداول، أضفت عليها رونقا وجمالا وحولتها إلى مدينة الطبيعة والمال؛ غير أن ما صنعته سواعد الصينيين يضاهي جمال الطبيعة: قصور إمبراطورية تقاوم عوائد الزمن، ومعابد بوذية تحفظ التراث العقائدي للساكنة، ومجمعات صناعية تعمل كخلايا نمل تغزو منتجاتها مختلف أرجاء العالم.

على جنبات شارع "نانجينغ ويست رود" الشهير، حيث يوجد معبد "جيانغ آن" التاريخي، تتكاثر الأسواق التجارية، تؤثث فضاءاتها لافتات تتبارى في الإعلان عن عروض مغربية في البضائع والأسعار، وتعرض منتجات متنوعة تصنع خصوصية البلد. الفوانيس والأواني الخزفية الصينية ذائعة الصيت لا يخلو منها منزل، الأقنعة مكون أساسي في الثقافة الصينية العريقة، تستخدم في الـ"بيان ليان" أو ما يعرف بفن أقنعة الوجوه، فن درامي عريق مرتبط بالأوبرا الصينية تعود نشأته إلى حوالي 400 عام.

أما بالنسبة إلى المطبخ الصيني، فلا يكاد يخلو شارع أو زقاق في شنغهاي من مطاعم تقدم أغلبها أشهر الأطباق الصينية التقليدية ك"النودلز" و"تشونغ فين"؛ وهي لفائف رقيقة من دقيق الأرز محشوة بالقمرون، وشوربة "وان تان" والفطائر الملفوفة، ولا سيما "ديم سوم"، أحد الأطباق الصحية التي تحضر على البخار وتقدم على سلال من الخيزران يشتهر بها المطبخ الكانتوني.

تتنوع الثقافات والديانات في شنغهاي بتنوع سكانها واختلاف أعراقهم. ثلثهم من البلدان المجاورة للصين؛ فالمدينة منفتحة على الأجانب حاضنة لهم، تبدد مخاوف الزائر الذي يخشى صخبها.

يعيش الشعب الصيني نمط حياة صارم، يقوم على تثمين قيمة الوقت وقدسية العمل؛ لكنه لم يتخل عن عمقه الانساني الرائع، فالصينيون بطبعهم محبون للأجانب الوافدين عليهم، يجدون سعادة غامرة في التقرب من "الأغراب" ولا يتخلفون عن تقديم المساعدة لهم.

بوعاء جغرافي شاسع ومناخ قاري موسمي، استطاعت شنغهاي ومن خلالها الصين تحقيق معجزة اقتصادية في زمن قياسي. ثروتها الحقيقية رأسمال بشري متحفز للإبداع وإرادة راسخة في امتلاك مفاتيح المستقبل.

*و.م.ع