"مربعانية الشتاء".. فلسطينيون يتحدون برد الليالي بالتفاؤل واللقاء

"مربعانية الشتاء".. فلسطينيون يتحدون برد الليالي بالتفاؤل واللقاء

كان يوما شتويا حيث الرياح العاتية، والمطر الغزيز، وبالقرب من مدفأة النار، جلست الحاجة عزية محمد أحمد "أم العبد"، "66 عاما"، من قرية سنيريا جنوب قلقيلية، على كرسيها، متكئة على عصاتها في غرفة الجلوس، يتجمع حولها أحفادها الثلاثة، متلهفين للحكايات والأمثال التي ترويها "جدّتهم" شتاء، خاصة بأيام "المربعانية".

تحدثت عن ذكريات طفولتها مع اشقائها، في وقت خلت فيه القرية من الكهرباء، وكيف كانوا ينتظرون المربعانية، لإشعال موقد النار، ولتغني لهم جدتهم "واجت المربعانية أح أح يا ربي قُصفة حَطب ما عندي"، يمرحون ويتحدثون، ويستغلون وقتهم، فتارة ترغرغ عيناها، ويرتعش صوتها، وتارة تبتسم وتلون في صوتها لتقنع الأطفال بحديثها، في مشهد يبتهج القلب لأجله.

هذا العام بدأت أول أيام المربعانية، في الثاني والعشرين من دجنبر، وكانت أول أيام فصل الشتاء، الذي يستمر 88 يوما و23 ساعة و30 دقيقة.

تقول "أم العبد" إنه ومنذ طفولتها تسعد بقدوم المربعانية، فهو مصطلح مرتبط بذاكرة الأجداد، حيث الحطب والنار والحكايات، والموروث الثقافي الغزير بالأمثال والحكم الشعبية التي تم ترديدها بين الفصول، وعرفوها من أفواه أجدادهم، وأما اليوم فلم يعد أحد يهتم بهذا، والكل منشغل إما بمشاهدة التلفاز أو اللهو على الهاتف.

وتابعت: "من الأمثال الشعبية التي قيلت في هذه الأيام، "يا لوز يا مجنون بتزهر في كانون"، كناية عن أن موسم اللوز يأتي بعد المربعانية، و"بعد كانون الشتا بهون"، دلالة على شدة البرد. ومن الحكايات الشعبية "برد العجوز"، وبعضها مجرد خرافات وأساطير شعبية، وكانت الجلسات العائلية، تزينها المشروبات الساخنة، والمقبلات الشتوية كـالكستناء، والبطاطا، والجوز.

وتتميز هذه الأيام بغزارة أمطارها، وتدني درجة حرارتها، خاصة ساعات المساء والصباح، وكثرة تشكل الضباب والصقيع. وترجع تسميتها بهذا الاسم إلى عدد أيامها البالغة أربعين يوما. لذلك، يجب أخذ الاحتياطات اللازمة والوقائية لحماية أنفسنا من الأمراض، عن طريق تدفئة الجسم بالملابس، وتغطية الرأس والأطراف، والإكثار من شرب السوائل الساخنة.

ارتبط مصطلح ظاهرة "المربعانية"، في أذهان الكثيرين، بشدة البرودة والميل إلى الخمول، في وقت تبلغ فيه ساعات لياليها الثلاث عشرة ساعة، يقابلها عشر ساعات للنهار.

ويقول عثمان شركس، رئيس دائرة الجغرافيا في جامعة بيرزيت، إن "المربعانية ليست نجما فلكيا يمكن مشاهدته والتكهن بانطلاق موسم برد لاذع؛ بل هو مصطلح يضم ثلاثة منازل قمرية، الإكليل ثم القلب ويظهران بشهر دجنبر. وأما الشعلة فيظهر في يناير، ولكل منها أيام منفصلة وخصائص تميزها عن بعضها".

ويضيف: "اختلف الفلكيون في تحديد اليوم الفعلي لبدء المربعانية، والأكيد هو أنها تبدأ في شهر دجنبر من كل عام، وتنتهي في يناير".

وعلى الرغم من برودة أيام المربعانية، فإنها تعد محط انتظار واهتمام شريحة واسعة من المواطنين، وتبقى مبعثا للتفاؤل والسعادة؛ لكونها تجلب بشائر الخير لجميع الخلائق.

*وفا