عدنان يزور أسوان .. نهر النيل و"القرية النوبية" ومصر العميقة

عدنان يزور أسوان .. نهر النيل و"القرية النوبية" ومصر العميقة

ليس هناك أنكى من أن تخرج من مطارٍ فلا تجد في استقبالك إلّا أصحاب التاكسيات. المدن التي تترك زوّارها مع أصحاب التاكسيات وجهًا لوجه تجازِفُ جدّيًّا بسمعتها... في كل البلاد وليس هنا فقط في مطار أسوان. لي حكايات مع أصحاب التاكسيات تعرضتُ فيها لخداعهم في كل العواصم، من نيويورك حتى مدينتِي مراكش.

وليس أصعب على المرء من أصحاب التاكسيات الذين يلبدون بالساعات أمام المطارات ومحطات القطارات. يتحوّلون إلى قنّاصين متربّصين، ما إن يُنشبوا مخالبهم في الطريدة حتى ينهشونها نهشا. ثمّ إنّهم عمومًا من الصنف الكسول الذي يفضّل، عوض السعي في طلب الرزق، الانتظارَ بالساعات إلى أن يطّل الرزق الموعود برأسه الكبيرة من باب المطار. على أن يجعل الزبونَ / الضحيةَ يدفع ثمن الرحلة وثمن ساعات الانتظار المديدة على حدّ سواء. من حسن الحظ أنّهم وضعوا حافلة عمومية رهن إشارة المسافرين أمام باب مطار مراكش المنارة. حافلة نظيفة بثمن ديمقراطي حرَّرت زوار عاصمة المرابطين من أن يجدوا نفسهم في مأزق كذاك الذي وجدتُني فيه. لا خيار إذن، توكّلنا على الله. اخترتُ الشاب الأسمر الباسم الذي اقترح عليّ أرخص سعر لنقلي من مطار أسوان حتى فندق موفنبيك رغم أن الرقم بدا مُبالغا فيه. لكن ما علينا، الحكيم من يختار أهون الشرور وأخفّ الأضرار. ثم إن السائق الأسمر ذا الوجه الباسم أكّد عليّ أنه ما كان ليتنازل ويقبل منّي هذا المبلغ "فقط لا غير" لولا أنني مغربي. وفقط لأنني مغربي. وطبعا المغاربة والمصريون إخوةٌ جدًّا. طبعًا طبعًا. واللهم إنّا لا نسألك ردَّ القضاء وإنما نسألك اللطف فيه.

لأمر ما لم يستجب الباري لدعائي تلك الصبيحة، وثمن الرحلة المبالغ فيه أصلا تضاعف. إنما، كيف ذلك؟ شرح لي السائق الأسمر الدمث بأن الأسعار في أسوان سياحيةٌ جدًّا (بمعنى خيالية جدًّا) وأنني حال وصولي إلى الفندق سأكتشف مدى جشع شركات السياحة. وهكذا فزيارة السد العالي - وهي بالنسبة لزائر أسوان بمنزلة وقوف عرفات بالنسبة لحاج بيت الله الحرام - قد تضيع بسبب الأسعار الخرافية التي سيشهرونها في وجهك بالفندق. "لذا أنصحك كأخ بأن تنتهز الفرصة وتزور السد الآن. فهو أقرب إلى المطار منه إلى فندقك. طبعا المبلغ سيتم تعديله بناءً عليه، لكنه سيظل أفضل من رحلة جديدة تُقلُّك من الفندق إلى هنا. فما قولك؟" وجدت رأيه سديدًا، فقلت ليكن السد أول ما أزور في أسوان، وكذلك كان. هكذا رحت مع صديقنا النوبي الباسم، مبتهجًا غير آسف. كنت مثل رهينة تركوا لها حرية القرار وترف الاختيار.

وخيرًا فعلت. فزيارة أسوان لا تستقيم من دون زيارة السد العالي. وأنا هنا لثلاث ليال فقط. إلى السد إذن يا صديقي. على بركة الله.

تعرفت على السد العالي يافعًا من خلال "نجمة أغسطس" لصنع الله إبراهيم. كنت قد قرأت باستمتاع كلا من "اللجنة" و"تلك الرائحة"، حينما اقترح عليّ الصديق الشاعر سعد سرحان "نجمة أغسطس". تورّطتُ في الرواية، إذ كانت شاقّة غير مشوّقة. لكنّي تجرّعتها حتى آخر صفحة دونما استمتاع. كانت تقريرا صحفيا جهما بالنسبة لليافع الذي كنتُه: جهمًا حتى لا أقول مملًّا. ولعل "نجمة أغسطس" من أقل أعمال صنع الله إمتاعًا، خصوصا في جزئها الأول. لكنها تبقى مع ذلك وثيقة بالغة الأهمية، وتقريرا لن يستطيعه أكثر الصحافيين دقة ونباهة. وهنا تكمن فرادة العمل وعبقرية صاحبه. عبر "نجمة أغسطس" تعرّفت على السد كأني شاركت في بنائه. سألت السائق الذي قدّم لي نفسه كمُجازٍ في الحقوق من جامعة عين شمس بالقاهرة عن رواية صنع الله، فلم يكن له بها علم. لا يبدو على الرجل أيُّ شغف بالأدب، لكنه فخور بالسد، وهذا هو الأهم. بل ومن حقه أيضًا. فالسد أعظم مشروع هندسي شُيد في القرن العشرين إلى جانب نفق المانش الذي يربط بين فرنسا وبريطانيا. بتشييد هذه المعلمة كان جمال عبد الناصر قد نفَّذ بشكل متأخر وصية ابن الهيثم: أول من طالب ببناء سد في هذه المنطقة.

والمؤكّد أنّ الرئيس الراحل قد أحسن صنعا إذ منح مصر إضافة إلى السد العالي أكبر بحيرة صناعية في العالم "بحيرة ناصر" التي تبلغ مساحتها 5250 كيلومتر مربع وتفوق سعتها التخزينية 164 مليار متر مكعب من المياه. لستُ ناصريا، ولقد كتبت في "هوت ماروك" مستغربا كيف خرج الشعب المصري عن بكرة أبيه مناشدا عبد الناصر عدمَ التنحي بعد هزيمة 67 مع أن الأمر كان يتعلق بنكسة شديدة تستحق أن يُحاكم المتسبّبون فيها لا أن تتضرّع إليهم الجماهير من أجل البقاء. نكسة قصمت ظهر العرب وعصفت بأحلامهم التحررية وأوهامهم القومية، ولا نزال نكابد مضاعفاتها حتى اليوم. لكنني مع ذلك شعرت بالألم والسائق يقودني إلى لوحة تذكارية تحمل اسم أنور السادات باعتباره رئيس الجمهورية العربية المتحدة الذي افتتح السد العالي يوم الجمعة 15 يناير 1971. لست ناصريا، لكن هذا سدُّ عبد الناصر. منجزُه التاريخي الأعظم. أخبرني السائق أنه لا يهتم بالسياسة. والمهم هو أن الصورة التي التقطها لي فيها بعضٌ من زرقة مياه البحيرة. فبعض السياح ينشغلون باللوحة التذكارية ويذهلون عن ماء البحيرة فتطلع صورهم قاحلة لا ماء فيها. لا بأس، فالسد والبحيرة معًا لمصر، قلت له، هذا هو الأهم، أمّا الرؤساء فعابرون. الأهم يا صديقي النوبي هو التوسع في المساحة الزراعية واستصلاح الأراضي مما رفع مساحة الرقعة الزراعية لمصر من 5.5 إلى 7.9 مليون فدّان. والأهم هو محطة توليد الكهرباء العظيمة التي أتاحت لأسوان أن "تنوّر" مصر والمصريين.

كنت أكلّم السائق بحماس أخشى أنّ فيه بعض المبالغة، لكن النوبي الأسمر خرّيج عين شمس لم يكن مهتما سوى لسير رحلته الذي كان يعرف كيف يضيف إليه محطّات جديدة كل مرة. قال لي بنبرة الناصح أننا لسنا بعيدين عن "غرب سهيل". وهناك بغرب سهيل قرية نوبية لا بد من زيارتها، وهذه فرصتك قال لي. أحسستُ أنّ عليّ مجاراة الرجل حتى النهاية. هو يريد مضاعفة ثمن الرحلة وأنا أريد الاستفادة إلى أقصى حد من زيارتي القصيرة لأسوان، فَلْأُجارِه إذن وأمري لله.

في القرية النوبية استدرجني السائق الأسمر بلطف عند صديق له بائع. لكن السوق النوبي البديع لم يكن غريبا عني. حدّثت صديقي النوبي عن مراكش والصويرة، ورززات وزاكورة. قلت له إن مشغولاتكم اليدوية وصناعتكم التقليدية تُشابه مشغولاتنا حدّ التطابق أحيانا. لم تمرّ عليّ حتى الآن قطعة واحدة ليس لها نظير في أسواق المدن التي ذكرت لك، وأنا ابن هذه المدن جميعًا. لذا دعنا نكتفي بكأس شاي. وكذلك كان.

دلفنا إلى بيت نوبيّ يربُّون داخله التماسيح في أحواض. التقط لي السائق صورتين مع تماسيح صغيرة كأنها سحليات، ثم مع تمساح أكبر قليلا في حوض أشبه ما يكون بقفص، لنطلب شاينا بعد ذلك. كان الشايُ بالغَ الطيبة والاستراحةُ مريحة لولا خصومةٌ اندلعت فجأةً بين فتاة نوبية مليحة، لعلها بنت صاحب البيت، وزبناء قاهريين وجدناهم يتناولون غداءهم في الباحة. زعمت البنت أن المصريين تحايلوا عليها ولم يؤدّوا مستحقاتهم كاملة. فيما دافع قائد الوفد بأنو كلو تمام "وانتو عاوزين تنصبوا ع الناس ولَّا إيه؟". حاجَجَت البنت بأنهم تركوا الزبالة حيث أكلوا، وردَّ الرجل بأنهم جمعوا ما تركوه وإذا تبقّى شيء هناك فما الضرر في أن تتطوّع لجمعه. فالبيت بيتُها وهذا عملها، خاطب البنت غاضبا.

بعد مغادرة الزوار تبادلت البنت مع السائق حوارا بلغة كانزي المحلية ترجم لي مضمونَه. كانت البنت غاضبة من المصريين. لكن ألستم مصريين أنتم أيضا؟ سألتُ السائق، فأجابني: بلى. ولكن المقصود هنا شعب القاهرة. ثم انبرت البنت مستطردة بعربية فصيحة: نحن عموما لا نقبل المصريين هنا، ولا أدري لماذا قبلتهم من الأساس. هذا خطئي. نحن عموما لا نُدخل إلى بيتنا إلّا الخواجات. تضامنتُ مع المصريين أنا القادم من القاهرة، وزاد تضامني حين أردتُ تسديد ثمن الشاي فسبقني السائق إلى ذلك. ولعله نفح البنت جنيهات معدودة لم ترضها هي التي كانت تأمل أن أبادرها بأعطية عمياء. فحصَت الورقة المالية التي نفحها السائق بامتعاض قبل أن تعلق: "أنتم أيضا، يا له من يوم نحس". ارتبك السائق قليلا، وفي طريق العودة حاول أن يشرح لي أن أهل النوبة بالغو الطيبة وأن فتاة المحل التي صادفناها عنيفة بعض الشيء، وهي لا تشبه النوبيين في أخلاقهم. جبرتُ خاطره قائلا: لا عليك يا صديقي، فالسياحة في كل بلاد الله أشبه ما تكون بمُلوك سورة النمل، إذا دخلت قرية أفسدتها وأفسدت أخلاق أهلها، فلا تلتمس للمليحة الغاضبة الأعذار.

وصلنا إلى مرسى صغير على النيل وأشار السائق إلى الفندق. إنه هناك. خلف النهر؟ وهل سأقطع بحقيبتيَّ النهر سباحة؟ لا أبدًا، هناك عبَّارَة ستأتي بعد قليل. وفعلا جاءت العبَّارة في أقل من خمس دقائق. هكذا كانت رحلتي الأولى على نيل أسوان على متن عبّارة الفندق. الفندق نظيف مرتب. والعاملون فيه بشوشون. نفس بشاشة أهلنا في الجنوب المغربي، نفس السُّمرة الباسمة والملامح السمحة الرضية. الغرفة مفتوحة على شرفة تطل مباشرة على النيل. يا سلام. أما الشاب الذي أوصل أمتعتي إلى الغرفة، فكان سعيدا حين عرف أنني مغربي. ظننتُها مجاملة لأول وهلةٍ، فإذا بالرجل فعلا صديقٌ للمغرب والمغاربة.
والسبب أنه رجاوي. قال لي: الرجاء العالمي أولًا، الأهلي المصري ثانيا، ويأتي ثالثا فريقنا في أسوان. ثم بدأ ينشد مرددات الرجاء "ف بلادي ظلموني" و"رجاوي فلسطيني". أحببت فكرة أن يكون الرجل عاشقا للرجاء بسبب جمهوره ومرددات هذا الجمهور وأهازيجه، وليس بسبب إنجازاته وبريق نجومه. كانت الرجاء قد لعبت بالأمس فقط مقابلة خرافية ضد الوداد في إقصائيات البطولة العربية. وأقصت الوداد بعد "ريمونتادا" ولا في الخيال صعَق بها الخُضرُ خصومهم الحُمر في آخر دقائق المباراة بعدما كانت الوداد منتصرة عليهم بـ4 لـ1 وكان الجميع ينتظر تأهل الوداد للدور المقبل. طبعا كان جمهور الرجاء في الموعد، وجمهور الوداد أيضا، حتى أن التلفزيونات العربية خصصت تحاليل خاصة لـ"تيفوات" الفريقين. لكن على عادتنا نحن المغاربة، لا نترك أساطيرنا تكتمل. فمباشرة بعد المباراة اندلعت أعمال شغب مؤسفة، إذ نزل بعض أنصار الفريقين وسط الملعب. هكذا عوض أن نفخر بجمهورَيْ الرجاء والوداد، أخجلتنا صور هؤلاء يتلاطمون مثل موج في رقعة الميدان.

أنهيت نقاشي الكروي مع رجاوِيِّ أسوان. وما إن غادر الغرفة حتى فتحت الشرفة. كان النيل يمر من أمامي نظيفا شفيفا عذبا متلألئًا. النيل وقد استعاد زرقته الأصلية التي ضيَّعها في القاهرة. هذا نيل آخر غير نيل القاهرة العاتي، الحكيم، المحنّك، المثقل بالقصص والحكايات، بالغنائم والأسلاب، المضغوط في عبوره البطيء الفاتر بين الأحياء الآهلة بالسكان، وسط العشوائيات والعمارات والفنادق والعوامات. نهر مُنهكٌ مثخنٌ بجراح الماء والسماء يخترق القاهرة مثل قطار حمولة. قطار قوي جبّار، لكنه قديم متهالك. هنا في أسوان يستعيد النيل عذريته ونضارته. يستعيد الزرقةَ التي تليق بالأنهار. هذا النيلُ نيلٌ بلا جدال. عليّ بالنيل إذن. توسوستُ بعض الشيء. أحسست كما لو أنني فقدت إحساسي بالاتجاه هنا. لكن ما إن يمّمتُ شطرَ نيل الشرفة، باتجاه هذا الفرع الخلفي المتواري عن الكورنيش، عن صخب النوتية وعربدة العبّارات فوق مائه الصافي، حتى اكتشفت أنه نيل بكر، ليس كالفرع الذي قطعتُه قبل ساعة بالعبارة. هما نيلان أم ماذا؟ لا هذا ولا ذاك. فقط أنا الآن في جزيرة. فندق موفمبيك شُيِّد فوق جزيرة. هكذا حيثما وليتَ وجهك فثمة نيل أزرق أزرق. الأزرق في العربية ليس لونا فقط. الأزرق في العربية نعتٌ وصِفة. فالأزرق هو الصافي. والنيل هنا أزرق لونًا وصفةً، حقًّا ومجازًا.

قال لي محمد علي، النوتي، ونحن نتجوّل في النيل لساعتين كاملتين بمركبه الشراعي النظيف أنه سعيد لأنه يشتغل على "فلوكة". منذ عشرين سنة يشتغل على نفس الفلوكة، وما إن يمخر بها عباب النيل حتى يستشعر رضًى لا يذوق طعمه إلا وهو يعتلي صهوة الماء. هل كان كلاما "سياحيا" يبيعه لكل الرّكّاب؟ ربما. لكنني مِلتُ إلى تصديقه. واعترتني بدوري نفس السكينة الغامضة التي لا تنتابني عادة إلا مُبحرًا وسط لجّة زرقاء أو ضاربًا في رمل الصحراء. كانت الفلوكة تتهادى بخفر حينما تجاوزَتْها قافلة مراكب بمحركات. فبادرتُه: ألا محرِّك لديك في الفلوكة؟ كان السؤال غريبًا بعض الشيء. الشراع منصوبٌ على الفلوكة وأنت تسأل عن المحرك؟ لذا تفهمت استغراب النوتي الذي قطّب قليلا قبل أن يبادرني معتمدًا معي خطة "الهجوم أحسن وسيلة للدفاع": "لا يا أستاذ، ما ينفعش. وبصراحة، ما توقعتش منك الكلام ذا. يعني إيه موتور؟ فيه رحلة ع النيل بموتور؟ كل النوتية الذين تراهم يعبرون النيل بفلايك لها محركات وتطلق موسيقى صاخبة هم في الحقيقة يؤذون النيل وأسماكه وطيوره. دا النيل. والرحلة ع النيل يجب أن تكون هادية. بلا موتور وبلا مزِّيكا."

ناكَفْتُه مُلاجِجًا ومداريًا حرجي من حجته الدامغة: "ولكنها موسيقى نوبية جميلة يا ريّس. والمركب الأخير الذي مر قبل قليل كان يطلق أغنية حلوة لمحمد منير بلدياتك." ومع ذلك، ما إن ابتعدت قافلة المراكب الصاخبة حتى استعاد النيل هدوءه. ووجدت في حِجاج الرجل حكمةَ عارف. "كيف تجرؤ على التفكير في تلويث هذه السكينة الصافية بهدير محركٍ وعزفٍ وغناء؟" كان السلام يعمّ المكان، والسكينة تنشر أجنحتها الحانية على سماء النيل صافية الأديم فتنعكس رهافتُها الشفيفة على صفحات القلوب والنفوس لتجلو عنها الهم والغم. اجتزنا حوضا مائيا مفخّخًا بصخور الجرانيت الضخمة. قال لي محمد علي إن جرانيت أسوان هو الأكثر صلابة في العالم. فبأسوان عدد من مصانع الجرانيت تقوم بنشره وتحويله إلى مكعّبات يتم تلميعُها قبل تصديرها إلى أوروبا. وأضاف أن هناك بنايات، تقريبا تجمعات سكنية، شُيِّدت فوق حقول كاملة من خام الجرانيت، مما يشكّل هدرًا مؤسفًا لثروة طبيعية هائلة. تذكّرت كل تماثيل الجرانيت الأحمر والأسود التي خلَّد بها المصريون القدامى فراعنتهم، وفكرتُ في زيارة متحف المدينة. لكن ليس الآن. عبرنا بين كتل الصخور العالية المتعانقة وسط مياه النهر باتجاه جزيرة النباتات. لم نكن نسمع غير الطيور بأصواتها المتباينة. هذا صفيرٌ، وصفيرُ الصقر لا تخطئه الأذن. في لحظة سمعت صوتا أشبه بالتغريد، لولا أنه حادٌّ بعض الشيء. سألتُ النوتي، فأجابني أنه "أبو الهدهد". قصدك: "الهدهد"؟"، "لا لا يا باشا. دا أبو الهدهد". أعرف الهدهد وكنت قد رأيت هدهدين في حديقة الفندق يلهوان على ضفة النهر.

هو الهدهد لا أبوه يا ريّس، لكنَّ الابن سرُّ أبيه على كل حال، فلا تغضب. بحثت على الانترنت عن تسجيلات سمعية لصوت الهدهد، فوجدت نفس الصّدح الذي سمعته قبل قليل. نفس الصوت العجيب الذي تسميه قواميس العربية: نُباحًا وهَدْهدة. هل تصدق أن الهداهد تنبح يا ريّس؟ كنا قد بدأنا نقترب من جزيرة النباتات. وحين انتبه النوتي إلى اهتمامي بالطيور انخرط معي في مطاردة حركتها وأصواتها بالملاحظة النبيهة التي لا تتأتَّى إلا لسَمْعٍ درَّبهُ سكونُ النيل على التقاط أدق الذبذبات. كان مالك الحزين هناك، إلى جانب البجع الأبيض. الفصل شتاء والجو دافئ هنا. لا شك أن العديد من الطيور المهاجرة تستمتع بدورها بمشتاها الدافئ مثلما أفعل أنا الهارب من صقيع مراكش. حسنًا، عليّ أن أزور جزيرة النباتات، لا لأستمتع بأشجارها النادرة ودوحها الاستوائية ونباتاتها الطبية والعطرية فقط، ولكن أيضا عساني أصادف فيها المزيد من الطيور العابرة.

ومع ذلك، ليس هناك أبدع من حركة الطير على صفحة الماء أو على حواف الوادي. حدّثني محمد علي عن "صياد السمك" الذي صار نادرا في المنطقة. زعم أنه رآه قبل يومين فقط، ظللنا نترقب ظهور الطائر النادر عبثا. بالمقابل، سيظهر صياد سمك آخر، آدمي هذه المرة، تقدّم بقاربه الصغير نحو صخرة في عرض النهر وبدأ ينشر شباكه. كانت الشمس قد بدأت تميل للمغيب. شرح لي النوتي أن الصياد سيبقى هناك حتى منتصف الليل ثم يعود بأسماكه النيلية ليدَّخِرها حيّة في أحد الأحواض في انتظار بيعها طرية في اليوم الموالي لأرباب المطاعم وعشاق السمك النيلي. كنا منصرفين تمامًا إلى مراقبة الصياد حين اهتزت بنا "الفلوكة" فجأة. كنت أعرف أنّ السد العالي قد حال دون تسلُّل التماسيح إلى نيل أسوان. فهل هو حوت عظيم احتكّ بالفلوكة؟ أبدًا، فالسمك النيلي ليس ضخما إلى هذا الحد.

كان الأمر يتعلق بطفل اعتلى المركب بخفة وجلس على حافته. لكن من أين جاء؟ هل انشق عنه النيل أم سقط من الأعالي مثل الطائر الصياد الذي كنا نترقب غارته المباغتة على سمك القيعان؟ لا هذا ولا ذاك. يبدو أن الطفل كان على متن فلوكة شراعية مرت غير بعيد عنا. غادرها وقصدنا ليواصل رحلته معنا. كان يتحرك في النيل بلوحٍ لا شراع له ولا مجداف. يزحلق لوحَهُ على سطح الماء ويجذف بيديه. يبدو أن غروب الشمس جعله يقرر العودة فجاء إلى مركبنا لأن وجهتنا تناسبه. سأله النوتي: ما اسمك؟ أجاب: كارم. ابن من أنت يا كارم؟ ابن مصطفى. مين مصطفى؟ وأين يشتغل أبوك؟ أجاب الطفل: في الخزَّان.

يطلق أهالي أسوان اسم الخزان على السد القديم الذي شيّده الخديوي عباس سنة 1906. ولعله كان أول محاولة لتنفيذ فكرة ابن الهيثم التي اقترحها على الحاكم بأمر الله الفاطمي للاستفادة من فيضان وادي النيل. لكن الخزان كان أصغر من أن يفي بالغرض، فبادر جمال عبد الناصر إلى تشييد السد العالي.

قلت للنوتي إنني زرت السد العالي والسد القديم ومحطة توليد الكهرباء به. أما الطفل فسحب من جيبه لفافة بلاستيكية، استخرج منها قطعة "فطير مشلتت" شرع في التهامها بنهم. ارتاح قليلا ثم انساب في الماء مُجذّفًا باتجاه مركب آخر كان يُقلُّ بعض الأجانب. سألتُ النوتي عن الطفل الغامض، فأخبرني أنه لا يعرفه. لكنه دون شك من الصبية الذين يتنطّطون بين المراكب ليُطربوا للسياح. يغنّون لهم أيّ كلام بالإنجليزية والفرنسية أو من أهازيج المنطقة وينالون إكرامياتهم. ولِمَ لَم يغنِّ لنا؟ لأنه سمعنا نحكي بالعربية. يا لسوء حظي، منعتني لغتي من أن أحظى بغناء الصبي. لو كنت أعرف لطلبت منه أن يغنّي لي "نعناع الجنينة" إحدى أشهر أغاني أسوان الشعبية التي سبق لمحمد منير أن ترنّم بها. لكن على رأي الريّس، لا حاجة بنا للأغاني. كان الظلام قد بدأ يستوطن النيل وكنا قد انعطفنا باتجاه الأضواء: أضواء المراسي والمطاعم وبنايات الكورنيش، وأضواء الفندق في الضفة المقابلة.

عدت من رحلة النيل مباشرةً إلى السوق. إلى شارع السوق. زرت الأديب أحمد أبو خنيجر في مقهاه الأثير هناك. طلبتُ قرفة وطلب شايًا. كان حديثًا في الفكر والأدب والشعر الشعبي مع أحمد ورفاقه، وهم شعراء عامية محليون. ثم تجوّلنا في السوق قليلا. كأنك في أسواق مراكش. كأنك في أسواق الجنوب المغربي. لا فرق. كان السوق سياحيًّا صِرفًا فيما مضى، لكن مع تراجُع تدفُّق السياح على أسوان حوَّل العديدُ من أصحاب المحلات بازاراتهم إلى متاجر تعجُّ بالبضائع الصينية والملابس العصرية. صار السوقُ لأهالي المدينة أيضًا، لكنه ظل نظيفا مرتّبًا. أطرف ما فيه الباذنجان الأبيض. كان خضّارو السوق يضعون الخضر والغلال في سلالٍ وصواني. وقفتُ أمام صينية الباذنجان الأبيض لدى أحد الباعة. حضَّني على الشراء فاعتذرتُ بأنّي مجردُ عابرٍ لا موقد له في المدينة ولا كانون، وأنّي لم أر قبل اليوم باذنجانًا بهذا اللون. فأهداني باذنجانة بيضاء حملتها معي إلى المغرب تذكارا وحيدا من أسوان.

صحيح أنني ركبت العبّارة والفلوكة، لكن زيارة أسوان لا تكتمل إلا بركوب الحنطور. وكذلك كان. ركبته من الكورنيش المقابل للفندق حتى متحف النوبة. كان المتحف مفاجأة حقيقية لي. فهو يحتوي على ثلاثة آلاف قطعة أثرية من مختلف الأعمار الجيولوجية. تماثيل ومنحوتات ونقوش وشواهد قبور بعضها يعود إلى عصر ما قبل التاريخ، عصر الأهرامات، العصر النوبي الوسيط، مملكة كوش النوبية، مملكة مروى، وبعضها يعود إلى النوبة المسيحية، دون الحديث عن الآثار الإسلامية.

كان السياح يتجوّلون في دعة. كلٌّ يقرأ اللوحة المجاورة للمنحوتة أو التمثال في صمت. لكن أسرة مصرية أغرت أحد العاملين بالمتحف بـ"التطوع" لمرافقتها، فبدأ يشرح بأريحيةِ المُستأنس بالمكان غير منتبهٍ إلى أن صوته كان يصخب بالتدريج. اقتربت منهم لألتقط بعض الإضاءات فيما كانوا يتجهون نحو تمثال رمسيس الثاني. لم يكن شرح الرجل تعليميا جافا، بل سردا بديعا من حكّاء محترف. كان يحكي كمن يسرد قصة فيها تشويق وتهويل ومبالغات.

روى مثلا أن رمسيس الثاني كان أطول الفراعنة طُرًّا، مِزواجًا إلى حدّ أنه اقترن بثلاث من بناته. أنجب عشرات الأبناء والبنات وعاش قرنا كاملا وفتح بلاد النوبة. ثم متحمسًا انخرط الرجل في سجال مع المؤرخين اليهود الذين يزعمون أن أحمس الأول هو فرعون موسى. فهو مطمئن تمامًا إلى أن رمسيس الثاني هو فرعون القرآن الذي "حشر فنادى، فقال أنا ربكم الأعلى". أمّا أنا فلم أرفع صوتي لا بنداء ولا بتعليق. كنت أسترقُ السمع وأستمتعُ في صمت. وكنت أنوي مواصلة الجولة مع هذا السارد البديع لولا أن ربّ الأسرة نظر إليّ بضيق وتوجسّ. تفهّمتُ الأمر. فبنتُه جميلةٌ بما يكفي لكي يُشتَبَه في أمر كلّ طالب قُرب.

هكذا حُرمتُ من رُفقة الحكّاء الجميل والجميلة الصامتة. التقطت بضع صور لتمثال رمسيس الثاني ثمّ غادرتُ المتحف باتجاه حديقة فريال المجاورة. الحديقة التي أهداها الملك فاروق لكريمته فريال في أحد أعياد ميلادها. كان مليئة بالزوار. من الأهالي أساسًا. علاقة أهل أسوان بالحدائق شبيهة بعلاقة المراكشيين بعراصي حاضرتهم. كان الجو مكتمل الصحو. أُسَرٌ تنعم بهدوء الحديقة وجمالها. طلبة يذاكرون. عشاقٌ بخفر عشاقِ الجنوب. وشابان يشربان الليمونادة في مقهى الحديقة صامتين، تقريبا خاشعين، وبينهما هاتف محمول يشدو بـ"فاتت جنبنا".

أما زال هذا المشهد ممكنا؟ عبد الحليم عند جيل الفيسبوك؟ شابان في مشهدٍ عصيٍّ على التصديق اليوم. مشهدٌ عاد بي إلى ثمانينيات القرن الماضي. لكنني أحببت مع ذلك أن أسافر أبعد، إلى زمن سابق على الثمانينيات، حين كان الفتى عباس يجلس تحت جميزة ليقرأ وهو يسرح ببصره بين الفينة والأخرى باتجاه النيل. كبر عباس وصار فخر أسوان، وفخر مصر كلها. كانت حديقة فريال فضاء القراءة الأثير بالنسبة للفتى الذي صار له في المدينة اليوم مدرسة وقصرُ ثقافة وحيٌّ كاملٌ يحمل اسمه.

ولجتُ "قصر ثقافة العقاد" على الكورنيش. كان هناك معرض رسومات للتلاميذ، أغلبهن تلميذات. ثم ظهرت الساحرات فجأة. ساحرات في ميعة الصبا. سمراوات، مليحات، مهذبات، لكنهن ساحرات. أخبرنني أنهن يتدرّبن على "حلم ليلة صيف" لشكسبير. صعدت معهن إلى قاعة التداريب وجلسنا نتجاذب أطراف الحديث في انتظار قدوم المخرج. كان شابا فوق العشرين بقليل، مفعمًا بالحماس. تحدثنا عن شكسبير والعقاد وأسوان ثم تركتهم يشتغلون. في الدرج التقيتُ شابا يهرول صاعدا. حدستُ أنه عضو الفرقة فبادرتُه: هل تبحث عن الساحرات؟ فابتسم. سألته عن دوره في المسرحية، قال: ديميتريوس. كان تمثال العقاد بالباب. فحيّيتُه قبل الخروج: ها هم أسوانيون مثلك يا سيدي يقرؤون شكسبير كما لا شك فعلت وأنت في سنّهم، بل هاهم يجربون حظهم مع ملوك شكسبير وساحراته على الخشبة... على خشبة مسرح يحمل اسمك.

كان النيل يمر صامتا. المراكب والفلوكات تنام على الجنبات، والأسماك هاجعة في القاع أو في شباك الصياد الساهر قرب الصخرة. والنيل يرى كل شيء ويسمع، لكنه يمر صامتًا تمامًا كما تفعل الحياة. في الفندق كانوا يحيون حفل عشاء بمناسبة اختتام فعاليات مؤتمر كان يحتضنه الفندق تلك الأيام. أحيت حفل العشاء فرقة شعبية من أسوان. اتّخذتُ لنفسي مجلسا في شرفة غرفتي. أكتب وأتابع الحفل من علٍ. لحسن الحظ أنهم غنّوا "نعناع الجنينة"، ورقصوا. كان صخبهم جميلا. ولا أظن أن أسماك الوادي وطيوره قد انزعجت من أغانيهم. لا شك أن النوتي كان يبالغ. ربما كان يحلم في قرارة نفسه بمحرِّك لمركبه. أو لعله نام الآن وفي باله أغاني أخرى لم أسمعها. كان يتمنّى لو كان يملك مسجلا بمكبّر صوت لترقِّص أغانيه أسماك القيعان. أغاني قديمة منسية كتلك التي لم يغنّها لنا الطفل كارم فقط لأنه اكتشف أن زبون الفلوكة يعرف العربية. للأسف يعرف العربية. هكذا فكَّر الطفل صاحب اللوح، ربما. وهكذا يحلم النوتي. وهكذا أكتب وأنا أفكّر اللحظة في أسوان.