كوريا الشمالية بعيون مغربية .. داخل البلد الأكثر انغلاقا في العالم

كوريا الشمالية بعيون مغربية .. داخل البلد الأكثر انغلاقا في العالم

لم أدر ما الذي انتابني ذات يوم عندما قررت طرق باب مكتب الاتصال المعتمد لكوريا الشمالية بباريس لطلب تأشيرة زيارتها، إذ سمعت كثيرا عن انغلاقها وعن تطوير برامجها النووية في مختلف محطات الأخبار العالمية.

وحقا لم تكن المساطر القنصلية غاية في الصعوبة، ليتم منحي إذن الدخول في غضون أسبوعين، مؤكدين لي أنني أول مواطن مغربي ستطأ أقدامه بلد القائد الحالي كيم جونغ أون.

كان الموعد يوم الخامس عشر نونبر في اتجاه بكين، حيث لا توجد إلا رحلتان أسبوعيتان انطلاقا من الصين على متن طائرة روسية الصنع تابعة للخطوط الكورية. وعند الوصول إلى مطار العاصمة بيونغ يانغ، يتم تفتيش الحقائب بطريقة لم أر لها مثيلا من قبل، حيث يمنع منعا باتا إدخال الكتب الدينية أو أي شيء قد يؤثر في زعزعة يوميات المواطن الكوري الشمالي الذي لازال يعيش في العام 108 حسب تقويم جوشي الذي يرمز إلى تاريخ ميلاد الرئيس المؤسس كيم إل سونغ (جد القائد الحالي كيم جونغ أون).

بعد ذلك تم استقبالي من طرف مرشدين سياحيين تم تعيينهما من قبل الدولة الكورية لكي يكونا لي مثل الظل، حيث لا يسمح التكلم مع المواطنين ولا الخروج لمتر واحد خارج الفندق المهترئ أثاثه، والذي لا وجود فيه لشبكة الأنترنيت كما هو الحال في كل أرجاء كوريا الشمالية.

وفي اليوم الموالي تبدأ البروباغاندا وزيارة هياكل وصور عائلة كيم التي حررت البلد من الاستعمار الياباني سنة 1948 وكسرت شوكة أمريكا خلال حرب الكوريتين بين 1950 و1953.

تجدر الإشارة إلى أنه على الزائر الأجنبي تقديم إكليل ورد يتم شراؤه بالعملة الصعبة (حيث لا يسمح للأجانب باستعمال عملة الوون المحلية)، وبعد ذلك يجب الانحناء احتراما للمؤسس كيم إل سونغ.

وما إن تحل الساعة الحادية عشرة ليلا حتى يتم قطع الكهرباء في كل أرجاء المدينة، إذ تعاني الدولة من مشاكل توليد الكهرباء، مفضلة تطوير البرامج النووية شمالا استعدادا لدرء أي عدوان أمريكي (حسب المرشدين). وكم كنت أنتظر تلك اللحظة التي ينطفئ فيها التلفاز المتحكم فيه من استقبال الفندق، والذي يبث طوال اليوم الأغاني الممجدة للحرب والبرامج النووية بصخب عال.

برنامج الرحلة المعد سلفا لا يخرج عن زيارة المتحف الحربي، ومقبرة شهداء الثورة والخنادق التي استعملها القائد كيم إل سونغ إبان كفاحه ضد أمريكا في خمسينيات القرن الماضي؛ ناهيك عن زيارة منطقة كايسونغ (163 كلم جنوب العاصمة)، حيث يتم قطع المسافة في 3 ساعات، بالنظر إلى حالة الطريق المتهالكة، من أجل رؤية المنطقة العسكرية العازلة بين الكوريتين، حيث التقى مؤخرا الرئيس الأمريكي ترامب بالقائد كيم جونغ أون، والتي مكنتني لدقائق معدودات من العودة إلى العولمة، حيث تصل شبكة هاتف الجارة الجنوبية إلى هناك.

الغريب في الأمر في بلد عاش ويلات المجاعة في أواخر القرن الماضي، وفي دولة لا يكاد يخلو فيه زقاق من العسكر الكوري؛ يتجلى عند زيارة قصر كومسوسان للعائلة الحاكمة والفاخر جدا، حيث يحفظ جثمانا الرئيس المؤسس كيم إل سونغ وابنه كيم جونغ إل على حالهما؛ وتتم زيارة مكتب هذا الأخير الذي ترك كما هو عليه، حتى نسي القائمون على صيانته إزالة حاسوب القائد وهاتفه المحمول من آخر طراز أمريكي عند وفاته سنة 2011.

جدير بالذكر أن تبيان رفاهية الشعب الكوري الشمالي تعتبر من هواجس النظام الذي أخذني لزيارة مدينة الملاهي الخالية من أي طفل، وحديقة المياه الراقصة والمعطلة كهرباؤها يوم زيارتي (حسب المرشد دوما).

الحمد لله، وبعد 4 أيام في البلد الأكثر انغلاقا على وجه البسيطة، تم منحي جواز سفري المغربي وعدت أدراجي حاملا الكثير من الذكريات من بلد العم كيم.