مغربي بالأراضي المحتلة ـ 14 - .. "اليهودي حاشاك" وأزمة الهوية

مغربي بالأراضي المحتلة ـ 14 - .. "اليهودي حاشاك" وأزمة الهوية

في آخر يوم لي بالقدس قبل الانتقال إلى تل أبيب، "سرّحت رجلي"، كما نقول في المغرب، لم أحدد نقطة وصول. كل ما فعلته هو المشي. كلما صادفت إدارة مهمة أو مقر وزارة تابعة لإسرائيل أتساءل عن جدوى النقاش حول "القدس عاصمة إسرائيل؟" فكل الوزارات المهمة توجد في القدس، البرلمان ووزارة الخارجية والدفاع وغيرها.

بلغت القدس الغربية، كانت الأزقة نظيفة، وأغلب المارة من اليهود. راعني منظر يهودي متسول يفترش الكارطون في الأرض، وبعض المارة يتصدقون عليه ببعض الشيڭلات، وأنا على كل حال لم يكن معي الشيڭل لأعطيه! كل ما تبقى معي هو الأورُو (وعلى فكرة، وحق الله إلا فلوسي، وماشديت شي ريال عند شيروت بيتحون كلالي أو الشباك والموساد!).

قصدت مكتب صرف لتحويل العملة لأنني أحتاج شراء بعض التذكارات من هذه البلاد، خاصة وأن الكثير من الأصدقاء الذين عرفوا بأني في إسرائيل يطلبون مني أن أشتري ليهم "الكيبة"، تلك القبعة الصغيرة التي يضعها اليهود فوق رؤوسهم، ولا أعرف لماذا بالضبط، أحيانا أعتقد أن أحدهم إنما يسخر مني، لكنه يصر: "عفاك ماتنساش ليا الكيبة".

بعضهم يقولها بصيغة أخرى: "لا تنس أن تجلب معك تلك القبعات التي يضعها اليهود، فاليهود هنا ولا ينقصنا سوى القبعات". هم بذلك يلصقون كل شر باليهود دون أن يدروا، وإلا ما معنى أن يقول لك شخص بأن اليهود هم هؤلاء الذين يسيروننا أما أولئك الذين في إسرائيل فإنهم جيدون! ففي المغرب ما يزال من يردد "اليهودي حشاك"، وفي القرى لا يُذكر اليهودي إلا ومتبوعا بعبارة "أحرقه الله" حتى عند الأمازيغ المسنين.

وفي كل جمعة يطلب الإمام أن يدمر الله اليهود ويردد المصلون آمين، وعندما رأيت عماراتهم الشاهقة ومدنهم النظيفة ومواطنيهم المتعلمين والمحترمين للقانون تأكدت أن الله لا يستجيب للكثير من الدعوات غير المعقولة.

طلبت من شاب خلف الشباك أن يحول لي 200 أورو إلى الشيكل، كان الصرف يومها 4.15 شيڭلا عن كل أورو. كنت أتحدث رفقة صديقي بالدارجة:

ــ"شُوفْ أعصام شحال الصرف لا يغمق علينا هاذ باليهودي لاخر"، فسألني الشاب صاحب شباك الصرف:

ــ نتا مْرّوكي؟

ــ نعم.

ــ حتى أنا الواليد تخلق في الدار البيضاء.

ــ متشرفين. هي نتا بيضاوي.

الحمد لله، على الأقل لن يخدعنا في الصرف، سيراعي للمغرب، للوطن الذي كان آباؤنا يشتركونه قبل عقود. قلت ذلك في نفسي والله أعلم.

كانت المدينة نظيفة وآمنة، والأثمنة مرتفعة جدا، فعلبة كلينكس التي نشتريها بدرهمين وجدتها بثمن 16 درهما، تذكرت المقاطعة المجيدة وقول المقاطعين "كاتمسح الذنوب مثلا؟"، وطبقت قولة فقهائنا الأبرار "وكم من حاجة قضيناها بتركها".

راقني الجلوس قرب مذياع كبير في حجم قاعة، يقوم الجالسون بجواره باختيار الإذاعة التي يشاؤون، فيأتي آخر ويبدل الموجة وهكذا. كان المكان يسمى ساحة البلدية، مر بجواري شاب عشريني، كان يود أن يسأل صديقي عن شيء ما، لكننا لم نسمع جيدا كلامه ولم نفهمه، فأخبرناه بأننا من المغرب وللتو جلسنا قرب هذا المذياع.

كانت فرصة بالنسبة لي للتعرف على وجهة نظر العرب الفلسطينيين في أمور كثيرة. فطلبت منه أن يجلس بجواري قليلا لنتعارف وندردش حول ظروف العيش في إسرائيل، بعدما اكتشفت بأنه مُسلم اسمه محمد، قال لي إنه أنهى الخدمة العسكرية ويدرس القانون ويعمل في محل لبيع التجهيزات المنزلية، والله أعلم.

سألتُه عن هذا الأمن أهو دائم أم إننا محظوظون هذه الأيام، ففي القدس لا أطفال حجارة ولا حربا والكل يعيش بجانب الكل في أمن وسلام، فأخبرني بأن العقوبات التي تفرضها إسرائيل وسنوات السجن الطويلة لا تتيح لأي شخص أن يقاوم أو يحتج. قد يحتج عن طريق المؤسسات تحت راية دولة إسرائيل فيقول ما يريد ويكتب ما يشاء، لكن أن يقاوم بأشكال أخرى تلك المقاومة التي يعرفها الناس بالسلاح أو الحجارة فالسجن في انتظاره بموجب النصوص القانونية. العقوبات الثقيلة وسنوات السجن لم تترك فرصة للمقاومة.

أخبرني بأن كل هذا الشارع يعج بالمُخبرين والمراقبين، فجهاز "الشاباك" ضارب بجذوره في كل مكان، ولو رأى أحدهم غرابتك عن المنطقة لاستنطقوك بكل سرعة لمعرفتك ومعرفة نواياك.

حكى لي محمد أن من المسلمين العرب أيضا من يشتغل في الاستخبارات الاسرائيلية، وقد سرد لي حكاية عامل نظافة مقدسي توفي في حادث ما، فجاءت السلطات الإسرائيلية لتعزية عائلته وتقديم تعويضات لأرملته ووسام له نظير ما قدمه من خدمات بطولية لدولته رغم أن زوجته كانت تعتقد أنه زبّال فقط، لكنه "طلع زِبالة"، يعلق صديقنا.

كنت أسأل دائما كل شخص علمت بأنه عربي "هل أنت فلسطيني أم إسرائيلي؟ وهل تعتبر هذه الأراضي أماكن محتلة؟"، يكون السؤال محرجا بالنسبة للكثيرين وسخيفا لآخرين.

يعتبر محمد نفسه فلسطينيا رغم الجنسية الإسرائيلية، و"الشيء نفسه بالنسبة للكثير من الشبان لو سألتهم، سيقولون لك سرا نحن فلسطينيون رغم اندماج آبائهم مع سلطات الاحتلال منذ ما يزيد عن 60 سنة".

وعن المسلمين الذين يجتازون التجنيد ويشتغلون في الجيش أو في أسلاك الشرطة، يقول محمد: "الكثير منهم يعيش حربا داخلية، فلا أحد يثق فيه، حتى هو لا يعرف الولاء لمن. منذ فترة التدريب يواجهك اليهود بالسب والشتم، ويقولون لك أنت لست إسرائيليا، أنت خائن وستخون".

ثم يزيد: "هناك قصة لجندي مسلم شارك في حروب لقتل مسلمين تحت راية إسرائيل ليثبت الولاء للدولة، لكن دائما يقول له زملاؤه اليهود: ستخوننا يوما يا عربي!"

جلست طويلا مع محمد، الذي يحمل جنسية إسرائيلية كما يحملها والده وإخوته دون أن تحملها أمه. كما تبادلنا الأرقام الهاتفية، حتى إنه دعاني إلى وجبة فطور في بيته ليوم غد في حيه شرق القدس، لكنني اعتذرت له، بسبب رغبتي في السفر نحو تل أبيب والتزامي بمواعيد مع مجموعة من الأشخاص.

مرة اتصل بي ليستشير معي في أمر يهمه، قال لي: "لدي مقترح مؤدى عنه للدفاع عن إسرائيل وتمثيلها في فيديوهات ومواد للعرض الإلكتروني بمقابل، وفي الوقت الدفاع نفسه عن فلسطين والأراضي المحتلة، ولا أعرف ماذا سأختار". تحدث عن خوفه من الأهل والأعمام والأصدقاء إذا اختار الدفاع عن إسرائيل بوجه مكشوف. لكنني قلت له بأنه أدرى في هذه الأمور وأعلم من أي شخص آخر.

أعجبت بحديث هذا الشاب العربي الذي تلقى تعليما جيدا على الأقل، خاصة عندما قال لي ذات محادثة: "إنني أحتار في الاختيار بين "الحق الفاسد" و"الظلم العادل""، وأوضح لي أنه يقصد بالحق الفاسد العيش في دولة فلسطينية، فالفلسطينيون والعرب هم أهل الحق في الأرض لكن المسؤولين فاسدون، وكل مسؤول تجده غارقا في ملفات الفساد دون أي حساب. أما الظلم العادل فيقصد به العيش في إسرائيل وإن اغتصبت الأرض فهي دولة عادلة، وكل مسؤول معرض للمحاسبة والمساءلة.

رغم ظروف التعليم الجيدة في إسرائيل، وقد زرت جامعة تصنف الأولى وطنيا والثامنة عالميا، ورأيت ظروف التدريس وحالة الجامعات في إسرائيل، وظروف الصحة والتأمين والشغل، إلا أن الشباب العربي في إسرائيل يعيشون بين هويتين، وعدد كبير منهم يعيش ضياعا وصراعا داخليا. وباستثناء الدروز الذين يكنون الولاء للدولة التي يعيشون فيها، فالكثير من الشبان العرب المسلمين في إسرائيل لا يعرفون من يكونون!