مغربي بالأراضي المحتلة -13- .. ليلة القدر في المسجد الأقصى

مغربي بالأراضي المحتلة -13- .. ليلة القدر في المسجد الأقصى

في ليلة القدر، قررت أن أزور المسجد الأقصى وأصلي في رحابه ما يسر الله؛ فليس كل شخص تتاح له فرصة زيارة هذا المقام، خاصة في الظروف الراهنة. كنت رفقة صديق مغربي اسمه عصام، سبق له أن زار هذا المسجد، ويعرف مداخله والمتاهات التي يجب المرور منها. لذلك تركت له زمام القيادة، وهو الشاب اللطيف القادم من الرباط للتبرك بزيارة هذا المقام.

وجدنا سائق طاكسي قرب الفندق، طلبنا منه أن يقلنا نحو المسجد الأقصى، طلب منا 50 شيڭلا. (132 درهما مغربيا)، والمسافة ليست طويلة، ندفع مقابل توصيلة مثلها في المغرب بين 10 و15 درهما فقط.

تذكرت صديقا سوريا كنت قد استقبلته في أكادير، وكلما ذهبت رفقته إلى السوق، كان يسأل عن أثمنة بعض الأشياء التي يود شراءها، كنت فقط أراقبه، وكان مساوما جيدا، ولا يشتري من البائعين إلا بثمن أقل بكثير جدا مما طلبوه أول مرة.

مرة قال لي وهو يساوم أحدهم: "التجار الحاليون أفسدوا التجارة، لذلك عندنا قاعدة ذهبية تقول بأن "الغشيم يدفع النصف".

هناك اعتقاد سائد بأن الناس في كل البلدان تتصيد السياح لتبيع لهم خدمات بأثمنة مضاعفة؛ لكن لا أعتقد أن ذلك صحيح في القدس، فالأثمنة مرتفعة والأجور كذلك، وأغلب الباعة يشهرون ثمن معروضاتهم مما يجعل تلك المساومة حول الثمن أمرا غير ذي جدوى. وما علينا أن ندفع لهذا السائق المسلم ما يطلبه ليقلنا نحو وجهتنا. (ونفس الثمن طلبه زميل له أثناء رحلة العودة).

طلبنا منه إن كان ممكنا أن يذهب بنا نحو باب المغاربة، نريد أن ندخل القدس من الباب حيث دخل عمر بن الخطاب، سيعطينا ذلك بعض الفخر والحظوة. يقال بأن الجنود الذين يرابضون قرب هذا الباب لا يسمحون بدخول المسلمين من هذا الباب، لكن قد يسمحون لنا، فهو بابنا نحن! فنحن أحق الناس بالولوج منه!

لكن السائق اعتذر بالمفازات المغلقة، فالليلة ليلة قدر، وعشرات الآلاف من الناس تقصد المسجد للصلاة، إذ لا بد أن ننزل في مسافة بعيدة شيئا ما عن المسجد. أخبرت صديقي في الطريق بأن المغاربة هم من أعطى قيمة لهذا الباب الذي يحمل اسمهم، لقد كان قبلهم يسمى "باب الدمن" أو "باب الزبل"؛ لأن الدواب كانت تمر منه وهي تحمل "الغْبَار" (روث البهائم) لتسميد حقول لا تبعد كثيرا عن المكان، كانت تسمى حقول سلوان. ثم أخذ اسم المغاربة لأن لهم حارة غير بعيد عن المكان، لكنها لم تعد موجودة منذ 1967.

كانت الرحلة قصيرة، قرابة 14 دقيقة مع التوقفات المفروضة، ونزلنا عندما وجدنا قبالتنا رجال شرطة يطلبون من جميع السائقين تغير الاتجاه، خاصة أن هناك عددا كبيرا من الحافلات تنزل ركابا كثرا، جاؤوا لأداء الصلاة في هذا المكان المبارك.

سرنا مسافة خمس دقائق تقريبا، وبدأت تظهر قبة المسجد. كانت جنبات المكان تعج ببائعي الكاسكروطات، والعصائر والحلويات. ثمن خبزة صغيرة مع ثلاث كُريات لحم ما كالذي يبيع أصحاب "خانز وبنين" عندنا بـ10 شيڭلات (أي 26 درهما تقريبا)؛ لكن الأزبال كانت السمة الغالبة على أرضية المكان. ربما لأن التلفاز يصور تلك القبة النظيفة الجميلة بقيت تلك الصورة عالقة بدماغي، فتصورت هذا الفضاء أنظف وأنقى؛ لكنه كان أشبه بمساء سوق أسبوعي، حيث يهرب البائعون ويتركون بقايا الأزبال في كل مكان. قناني فارغة وبلاستيك وورق وعلب فارغة، ونفايات في كل مكان..

تمشينا وسط زحام به نساء ورجال وأطفال والمحلات التجارية يمينا ويسارا، بحثا عن مدخل نحو باحة الصلاة الواسعة قرب القبة. كان المدخل الذي سنلج منه اسمه باب الأسباط، وهو أوسع أبواب القدس، وهو أقرب الأبواب إلى "باب المغاربة".

هناك جنود يجوبون تلك الأزقة التي بها محلات، وفتيات يرتدين ستائر ملونة لمساعدة المصلين في وقت الشدة. ومتطوعون يحاولون إرشاد الناس بأن يلزموا اليمين خاصة في المداخل، ليفسحوا المجال للخارجين أيضا. لكن لم تكن هناك سرقة. ولم أسمع شخصا يقول "لقد سُرقت محفظتي في الزحام".

لا أعرف لماذا استوقفني عسكري في مدخل الباب ولم يستوقف صديقي عصام! سألني: أنت مسلم؟

تذكرت تلك الأسئلة التي ستكون يوم الحشر باللغة العربية: من ربك، من نبيك؟ وقلت: هل سيسألني هذا الرجل قبل يوم البعث؟ أجبته مبتسما:

ــ نعم. مسلم.

ــ من وين؟

ــ من المغرب.

ـ تفضل.

عندما قال لي "تفضل" بعدما سمع كلمة المغرب، تأكدت أن لكلمة "المغرب" وقعا جميلا في نفوس الإسرائيليين. عصام كان يجوب القدس الغربية صباحا، وأوقفته دورية إسرائيلية وقبل أن يبدؤوا معه التحقيق، ويريهم جواز السفر ويجيب عن أسئلتهم الكثيرة، أخرج هاتفه النقال، بحث عن صورة تجمعه مع عمير بيريز وزير الدفاع السابق، وقال لهم: أنا مغربي وهذا صديقي.

فقال له الشرطي ضاحكا: مرحبا بك في أورشليم!

أما هنا، فالجندي في الغالب مُسلم، وإن كان يشتغل تحت إمرة السلطة الإسرائيلية؛ لكنه لم يطلب مني ما أثبت به إسلامي، كما يفعلون غالبا مع من يشكون في دينهم! أتشك في إسلامي، يا نذل! قلت في خاطري!

حكى لي صديق كان هنا أنهم طلبوا منه أن يثبت كونه مسلما بترتيل بعض سور القرآن الكريم، لذلك كنت كذلك مستعدا أن أقف كتلميذ نجيب يستظهر آيات بينات أمام عسكري إسرائيلي، تماما كما كنت أفعل أمام معلمي في الفصل، وإن كنت لا أتذكر آخر فصل استظهرت فيه ما تيسّر، لكن هذا الجندي المسلم لم يطلب مني ذلك.

اتجهت يمينا وأنا كل مرة أتلقى إشارة من عصام أو أعطيها له، حتى لا نتيه عن بعضنا البعض. أول صدمة في هذه الساحة المقدسة حيث يصلي الناس هو ارتطام بصري بنساء وهنّ ساجدات والذكور يمرون بجوارهن وينظرون إليهن من الخلف، قد يكون الأمر عاديا بالنسبة لهم؛ لكنني ألفت في بلدي أن تكون هناك مناطق خاصة لصلاة النساء وممرات خاصة لهن أيضا نحو أماكن التعبد. فلا تحتك بهن في أماكن التعبد، ولا تنظر إليهن وهن ساجدات!

كنا نتمشى بحثا عن مكان فارغ يمكن أن نصلي فيه، وأثارني أشخاص يحملون كؤوس قهوة أو شاي، اشتروها للتو من بائع لا يبعد كثيرا عن باب الأسباط، وهم يبحثون عن مكان للصلاة أيضا، وشبان يرتدون "الشورط" يصلون بالحذاء الرياضي. لا أعرف جنسياتهم، ولا من أي بلاد جاؤوا؛ لكنني شعرت بأنهم جاؤوا لنزهة في بحر. لم أستسغ أن يحمل شخص كأس قهوة (جوطابل) وهو أمر متكرر وملحوظ، وهو يجوب الصفوف بحثا عن مكان فارغ للصلاة!

نظرت إلى أرجل المصلين فوجدت أنهم يصلون بأحذيتهم أيضا، وقفت قليلا أنظر إليهم، ثم فعلت مثلهم تماما! فهنا منبع كل الأديان، وأغلب الأنبياء ولدوا هنا أو مروا من هنا. ربما هناك حكمة بليغة في صلاتهم بالحذاء لا أعلمها أنا، وما علي سوى تقليدهم.

كانت الساعة تشير إلى الثانية صباحا بتوقيت القدس، عندما غادرنا ساحة الصلاة المزدحمة للبحث عن مخرج للعودة؛ لكننا قررنا زيارة حائط البراق الذي يسميه اليهود حائط المبكى، للتبرك أيضا بالمكان.

في المدخل وجدنا جنديان مُسلمان من البدو، تحدثا معنا بعنجهية كبيرة، رفضا بأن يسمحوا لنا بولوج المدخل المغلق المؤدي نحو حائط البراق. كانا مسلحين برشاشات؛ لكن طلبنا منهما المناداة على رئيسهما، وقد قبلا على مضض.

لما جاء، كان أكثر لباقة من الجنديين، أخبرناه بأننا جئنا من المغرب، وبأن هذه فرصتنا الأولى والأخيرة لزيارة حائط البراق، فما كان منه إلا الترحيب، أمر الحارسان بفتح البوابة وتحدث معنا عن كأس العالم والمنتخب المغربي وغير ذلك.

لم يعطونا أي تعليمات بخصوص أين يجب أن نقف وأين يجب ألا نبلغ في التقدم مشيا. لكن قدّرنا أنه لا يجب أن نتقدم كثيرا مادام هناك يهود يصلون قبالة ذلك الحائط، وشخص برداء أبيض يتلو أذكارا يهودية. وقد راعني أن أرضية المكان كانت صقيلة ونقية.

في طريق العودة كنا نتيه كثيرا عن الطريق داخل أزقة المسجد الأقصى، وكلما سألنا مقدسيا عن الطريق كان يشير إلى اتجاه ويقول: دُغْرِي دُغْرِي.

لا يزال الشباب يدخنون الشيشة في كل مكان، أينما وليت وجهك في تلك الأزقة تجد عددا كبيرا من الشبان وهم يسمكون أنابيب الشيشة مستمتعين باللحظة، غير آبهين لما يدور حولهم. بصحتكم، ولي بغا يحرر القدس فالعام طويل..