مغربي في الأراضي المحتلة -9- .. يهود يتذكرون زيارة المملكة

مغربي في الأراضي المحتلة -9- .. يهود يتذكرون زيارة المملكة

بعد انتهاء تلك الورشة التعليمية في "لْعربية دْ ليهود" بالمكتبة الوطنية الإسرائيلية بالقدس، كانت الفرصة سانحة للتعارف مع الحاضرين، لا سيما وأن كل المستفيدين من هذه الورشة يهود من أصل مغربي. أثارني رجل يبدو شابا نطق بالكثير من الأمثال المغربية والمستملحات. اسمه موسى، ولكنته فيها شيء من الجنوب الشرقي. ملامحه أقرب إلى عطّاويي درعة الذين لم تسمر الشمس وجوههم كثيرا.

لما قدمت له نفسي بغرض التعرف عليه، أخبرني بأن أصوله من نواحي زاكورة أيضا، ولا يبعد كثيرا عن قريتي. ومن يدري قد يكون جدي اشترى من جده بعض الحلي لجدتي، وقد يكون باع له بعض الصوف أو غيره.

"أمي من العروميات، وأبي من قصبة المخزن، وأشعر بلقائك أنني التقيت أخا"، يقول لي موسى، ونحن نتبادل الحديث حول زاكورة وتنزولين وتازارين والقرى التي زارها في زاكورة والذكريات التي يتذكرها في أول زيارة له إلى تلك المناطق.

أخبرت موسى بأنني سأنصرف لأنني مرتبط بموعد إفطار، ووقت المغرب يقترب، وقد دعتنا سيدة اسمها ديكلة من المغرب أيضا، وعليّ أن أرافق أشخاصا يعرفون مكان إقامتها بالضبط، فأنا غريب عن الديار، وقد جئت لتوي من المغرب كما يرى. إلا أنه أخبرني أنها دعت كل هؤلاء الذين حضروا هذه الورشة، وأصر على أن أذهب رفقته في سيارته الخاصة بدل الحافلة، وقال لي بكرم زاكوري: "نتا ولد بلادي، وصاحبي، ومايمكنش نخليك تمشي. غاتبقا معايا ونوصلك فين مّا بغيتي".

كان موسى يتحدث العبرية والإنجليزية والدارجة المغربية، كنت في البداية أعتقد أن عمره 34 سنة، فملامحه وتسريحة شعره الشبابية وهيئته كلها تؤكد أن في متنصف الثلاثين، لكن في حديثنا صدمت عندما أخبرني أن لديه ابنة في عمر عشرين سنة، وأخرى في السابعة عشرة.

وعندما طلب مني تخمين عمره، انتقلت من 34 التي قدرت في البداية وأضفت 10 سنوات وقلت: عمرك 44. ضحك موسى وقال: تمنيت لو كنت كذلك، لكن عمري 58 سنة.

لا أدري لماذا لا أنجح في تخمين أعمار الناس في هذا البلد؛ إذ تبدو أغلب الإناث أقل بكثير من أعمارهن، وكذلك الشأن بالنسبة للذكور، عكس المغرب تماما حيث تجد البؤساء وقد شاخوا قبل الوقت بفعل الهم والنكد وضغوطات الحياة والخوف من الغد...

قطعنا قرابة 8 كيلومترات من المكتبة الوطنية لنصل البيت الذي تقطنه ديكلة، وهي أيضا مواطنة اسرائيلية من أصول مغربية، داخل بيتها حديقة كبيرة تتسع لإقامة الحفلات.

كان الفضاء واسعا، كساحة عائلية مغلقة، تطل عليه بيوت يملكها مغاربة من أسرة واحدة، هم إخوة ديكلة، فيما انهمكت ربة البيت وأخريات في وضع مختلف الأطعمة المغربية على المائدة، وفسح المجال للضيوف لتناول ما يحبون. سأل أحد الأصدقاء موسى عن جُلة بها سائل ونعناع وحامض يغترف منها بعض اليهود كل مرة، فأجابه بلكنته الجنوبية وخفة ظله المعهودة: "هادي يا سيدي الماحيا دْ اليهود"، ثم زاد في دعابة: "تشرب شويش؟".

ضحكنا معا، وأخبرناه بأننا في شهر رمضان، وليس فقط لأن الإسلام يحرم هذا المشروب، لكن ليس من المنطقي أن يصوم المرء ويفطر على مغرفة من الماحيا اليهودية بالحامض والنعناع.

تدخل يهودي آخر من ميدلت كان يشاركنا الحديث، فقال: "كان بعض جيراننا غير يهود في المغرب يأتون عند آبائنا، ويطلبون منهم بعضا من هذه الماحيا، ويصرون على أنها دواء لآلام الظهر".

ــ يدلكون بها ظهورهم؟ سألته.

ــ "ولاَّ، كانو يشربوها".

وسط الحديقة مائدة طويلة للطعام، وجوق من شخصين لغناء أغان مغربية ويهودية، وقد حرصت مضيفتنا على أن ترفع في بيتها العلمين المغربي والإسرائيلي.

تجمعنا الدردشات بين هذا وذاك، ثنائيات وزُرافات، أسأل بعضهم:

هذا الحنين إلى الوطن، إلى الدوار، إلى مسقط الرأس، إلى الملاح، شُعور يرتبط بالمغاربة بالخصوص أم بالجميع؟ فإسرائيل بها يهود من دول كثيرة، لكن هل يحنون كلهم إلى البلدان التي جاؤوا منها؟

"أتعتقد أنك ستجد من سيستقبلك في الحي الذي كنت تعيش فيه بنيويورك؟ هل سيسأل جارك القديم أو ابنه عن أحوالك إذا ما عدت إلى الشارع الذي قضيت فيه طفولتك في لنينغراد؟" تقول إيليت، وأصلها من دمنات.

"المغرب حالة خاصة، أينما ذهبت تجد الأهل والجيران ومن يرحب بك. ولدت في دمنات ورحلنا إلى إسرائيل وعمري سنة واحدة، من الطبيعي ألا أتذكر شيئا، لكنني عُدت إلى القرية التي ولدت فيها، قادني الشعور إلى بيتنا القديم، وحده الإحساس دلني على بيتنا في دمنات".

كانت الموسيقى خافتة، ونحن بعيدون عن الجوق كثيرا، وإيليت تحدثنا عن ذكرياتها كشخص يحتاج فرصة ليبوح: "كان أبي دائم الحكي عن دمنات، عن دواره، عن الملاح، وعن الحياة في المغرب. أذكر أنه قال إن باب بيتنا يطل على ساقية ماء، لكن عندما وصلت لم أجد تلك الساقية، كانت لدي صورة أَخذتها إحدى عماتي في الثمانينات، لكن الساقية لم تعد موجودة".

بدأت إيليت تبكي، صمتت لتكفكف دمعتها وهي تحكي بتأثر كبير عن منزلها في دمنات. ثم واصلت لملمة حكايتها: "فقد زوجي الأمل في العثور على منزلنا القديم، كان يقول لي هيا لنعود، ربما أخطأنا الدوار أصلا، فلا شيء هنا يوحي بما حكوه لنا. لكنني كنت مصرة، تسمرت في مكاني ونداء داخلي يقول لي أنت في المكان الصحيح، هنا بيتك القديم، فجأة مر بنا قروي، وراعه بحثنا في اتجاهات مختلفة، فأخبرناه بأننا جئنا للبحث عن منزل قديم، كان قرب ساقية، لكن لا أثر للساقية هنا. كان الرجل في الخمسين من العمر، أشار بيده إلى مكان، وهو يؤكد بأنه فعلا كانت ساقية تمر هنا، لكنها طمرت الآن، ودلنا على المكان الذي كانت تمر منه بالضبط".

تستعيد إيليت حكايتها في دمنات وترويها لنا بفرح طفولي: "بمجرد ما عرفت مكان الساقية، تخيلتها والماء العذب الزلال يمر منها، وتخيلت أمي والجارات المسلمات واليهوديات يملأن منها أوانيهن، أغمضت عيني قليلا، ثم ذهب إلى بيتنا، وحده إحساسي قادني إليه، قارنته بالصورة التي كانت لدي، لقد كان هو فعلا، تغير الباب، لكن الواجهة هي هي".

ثم استطردت: "كنت أبكي من الفرح، اتصلت بوالدي في القدس لأخبره: بابا لقد وجدت المنزل، أنا الآن ألمس حائط البيت. لكن الساقية لم تعد موجودة.

طرقت الباب، خرجت سيدة في الأربعين من العمر، وفي يدها صبي في عمر السنتين، سلمت عليها. أخبرتها بأنني كنت أسكن هذا المكان، لكنها كانت خائفة مني".

قالت في أسف: "لقد خشيت أن أخرجها من المنزل، وأنا ما كنت أبدا لأفعل ذلك، فقط تمنيت لو سمحت لي أن أدخل لأرى الغُرف، وأتحسس بيدي حيطان البيت، كنت في حاجة لشحن بعض الذكريات التي عاشها أهلي هنا. لقد كنت صغيرة جدا عندما رحلت عن هذا البيت، لكن هناك شيء قوي يربطني به، ولم يهنأ لي بال حتى وجدته، والتقطت قربه بعض الصور للذكرى، لأطفالي، ولأحفادي عندما أرحل عن هذا العالم".

ثم تزيد يهودية دمنات التي تعيش الآن في القدس: "لقد رحل والدي قبل سنة عن هذه الدنيا دون أن يتمكن من رؤية بيته مرة أخرى، لكنني شعرت بأنني فعلت ذلك نيابة عنه، وشعرت من رنة صوته بسعادته وأنا أحكي له ماذا رأيت وأين كنت ومن التقيت".

أما ميري، فهي لم تزر المغرب يوما، هي ولدت نواحي القدس، لم تر المغرب سوى عبر التلفاز أو من خلال ما يحكيه والداها. حكت هي أيضا أن والدها كان رجلا مُتدينا. وبحسبها، فهناك شعائر دينية يهودية تمنع المتدين من مغادرة "أرض الميعاد" إلا لسببين، إما البحث عن امرأة للزواج أو كسب الرزق إذا استحال داخل أرض الميعاد، ولم يتوفر أي شرط لوالدها.

ــ وأنت ألا تودين زيارة المغرب؟

ــ أنا أيضا متدينة، سأجد يوما عذرا لآتي إلى تارودانت...